سيريالية الحرب
الحرب
هيَ الجِنّيةُ الّتي تتسلقُ الحيطانَ مُتشبثةً بأشلاءِ الأبرياء، هي الإعصارُ الّذي يَقذفُ الأسماءَ إلى السّماءِ بأسهمٍ معطوبة.
هيَ رائحةُ المِسكِ الّتي جلبها نازحو اللّيلِ هرباً مِن رائحةِ البارود.
هيَ نَوْحُ الثّيابِ للأراملِ والثّكالى، هيَ ذلكَ المطرُ الفائضُ بالحُزنِ بَعدما أفسدَ الشّرابَ والطّعامَ الماثلَ على المائدة.
هيَ الصّمتُ المُخيبُ للآمالِ والأُخوّة، والسّكوتُ على المَشاهدِ والصّورِ وآلافِ اللقطاتِ المُزينةِ بالدّم.
هيَ أكوابُ القهوةِ السّاخنةِ الّتي تُروّضُ بَدنكَ على تحمُّلِ مزيدٍ مِن الوجع.
هيَ تَحويلُ العيونِ إلى خرزٍ يَمسحُ المنزلَ بالأشعةِ كصورةٍ أخيرةٍ قبلَ استقبالِ رائحةِ الموت.
هيَ جُرحُ العُمرِ الطّويلِ بظلالٍ سوداءَ من فرطِ الرُّعب.
هيَ الوجوهُ الشّاحبةُ والظّهورُ العاريةُ الّتي يتداولُها النّهار، ويَصرفُ أعمارها بينَ محابرِ الحَقِّ وخزائنِ الباطل.
هيَ الشّهقةُ الّتي انبلجَتْ فأضاءتْ الكونَ بدمِ الشّهداءِ والخذلان.
هيَ العراءُ المُمغنط، والرّوحُ المتصّنمةُ في الهُروبِ الكبير، يُضاهي اليومُ فيها أربعينَ عاماً.
***
ليلُ الحرب
أَتعلَمُ ماذا يَعني أنْ يَحلَّ عليكَ اللّيلُ في الحربِ هُنا؟
يَعني أنْ تَتلقفَ نبضكَ مع كلِّ انفجار، وأنْ تَتحسسَ نظراتِ مَنْ حَولكَ قبلَ أنْ تكونَ الأخيرة، يعني أنْ تتمنى إنْ جاءَ الموتُ أنْ يَحصدَ جميعَ مَنْ حَولكَ كي لا يتجرّعَ أحدُهم الحسرةَ على غيره.
يَعني أنْ يكونَ لكَ كتفانِ يصطدمانِ مع كلِّ قذيفةٍ طائشة، وأنْ تتحولَ إلى ممحاةٍ ضخمةٍ تُحاولُ معها أنْ تَكتبَ قَدَراً جديداً مع مَنْ تُحبّ، يعني أنْ تَتمنى أنْ يتسللَ النّومُ إلى قلوبِ أطفالكَ لعلَّ عيونكَ تُغلقُ جفونها.
يَعني أنْ تُلملمَ نبضكَ المتناثرَ مع كلِّ عمودِ دخانٍ يتصاعدُ مع صرخاتِ الثّكالى، فيحمرَّ وجهكَ مرّةً، ويصفرَّ مرّةً أخرى، يَعني أنْ تتحولَ مع ذِكرِ كلِّ ما تحفظُ منَ الأذكارِ إلى طيبٍ بدافعِ الفِطرة، ومُتسامحٍ بدافعِ الخوف، مُتغافلٍ بدافعِ أنّهُ لم يَبقَ في العُمرِ أكثرُ مما مضى.
يَعني أنْ يمرَّ شَريطُ حياتِكَ أمامَ عينيكَ في كلِّ لحظةٍ تَتخيلُ فيها أنَّ رصيدَ عُمركَ وأحلامكَ قدْ نَفد، وأنّكَ قابَ قوسينِ أو أدنى من التَّشظّي.
***
نهارُ الحرب
أتعلمُ ماذا يَعني أنْ تقضيَ نهاراً في الحربِ هُنا؟!
يَعني أنْ تصمت حتى تلتحمِ شفتاك ويتلاشى فمُك، يعني أنْ تكونَ أعصابُكَ في بيتِ النّار، وأنَّ صريرَ البابِ في البيتِ يُرعِبُ قلبك ويطاردكَ الموتُ مِن مكانٍ إلى آخر.
يَعني أنْ تَخرجَ للبحثِ عن كسرةِ خبزٍ لأطفالك، فتمشي بمحاذاةِ الحائط، تُطأطئُ رأسكَ إلى الرّصيفِ والرُّعبُ يَتبعُك، يَنعطفُ معكَ أينما تَنعطف، تُهرولُ فيُهرول، يكادُ يُمسكُ بقميصِك.
يَعني أنْ تَتأخرَ على سجادةِ صلاتك، تَترقبُ وجعاً ما، يَعني أنْ تُحاولَ سرقةَ ساعةٍ منَ النّومِ فتَستيقظَ مَذعوراً على صوتِ صرخةِ استنجاد.
يَعني أنْ لا يُحادثكَ إلّا المِذياع ُحديثاً باهتاً دونَ تعليق، يُرغمكُ على أنْ تبتُرَ بعضكَ لتُنقذَ بَعضكَ الآخر.
يَعني أنْ تُحاولَ تعبئةَ قوَّتكَ في زُجاجة، وتتحدّثَ عن الصُّمودِ والتَّحملِ كبطلٍ لا يُهزمُ أمامَ أطفالِك، في الوقتِ الّذي تَحزمُ فيهِ حقيبتكَ الصّغيرةَ استعداداً للنّزوح.
يَعني أنْ تَستشعرَ أنّكَ لاجئٌ أو دخيلٌ أحياناً، وأنّكَ ضائعٌ في حياةٍ أُخرى غيرَ الّتي تَلفظُ أنفاسَها الأخيرة.
***
بَعدَ الحرب
أتعلمُ ماذا يَعني أنْ تَخرجَ سالماً بجسدكَ مِنَ الحرب؟
يَعني ألّا تَجِدَ للأشياءِ طعماً، ولا للاستمرارِ نكهة، وأنْ تَحْدثَ كلُّ الأشياءِ خارجَ إدراكك، يَعني ألّا تَجِدَ فاصلاً بينَ البردِ والحرّ، وتتشابَه عليكَ كلُّ الأحداثِ وهيَ في قمةِ الاختلاف.
يَعني أنْ تَقفَ لأيامٍ تائهاً.. مُندهشاً من جُمودِكَ وصمتكَ غيرِ المُبرر، يَعني أنْ تُصبحَ إنساناً يُصفّقُ للتّعاسة، يَخشى الجنائز، ويَخافُ موجَ البحرِ وطلوعَ الشّمسِ في الشّتاء.
يَعني أنْ تُصبحَ ذاكرتكَ سِجلاً لتواريخِ ميلادِ من فَقَدتَهم، وتَستهلككَ شوارعَ المدينةِ وهُم بداخلك، يَعني أنْ تَموتَ كلُّ الألوان، ويَحيا السّوادُ كلونٍ أوحدَ للحياة.
يَعني أنْ تَفشلَ في أبسطِ الاختبارات، وتَعتذرَ مِن كلِّ الدّقائقِ الّتي هَرَبتَ فيها.
يَعني أنْ تَضيعَ كلُّ الخرائطِ القديمة، وتَموتَ كلُّ الزُّهورِ الّتي زَرَعتَها قبلَ المطر.
يَعني أنْ يُصبحَ الجَسدُ مبتلى، والعُمرُ أحدباً!
الكاتب الفلسطيني محمود عبد المجيد رشيد عساف – غزة














