حواراتفضاءات

حوار مع د. شربل داغر: تبخيس اللغة وافقارها في القصيدة العربية المعاصرة

شربل داغر: ماذا عن مترتبات بناء القصيدة ككيان، هل سيقوم بها من يقومون اليوم ببسطها من دون أي هاجس في البناء والشكل؟

حوار مع الأديب الدكتور شربل داغر

حاورته وداد سلوم

شربل داغر الأديب والشاعر اللبناني والدكتور في جامعة البلمند وخريج السوربون بشهادتي دكتوراه الأولى في الآداب العربية الحديثة والثانية في فلسفة الفن وتاريخه، حاز على جائزة الشيخ زايد للكتاب عن فئة الفنون والدراسات النقدية، له ما يزيد عن السبعين كتابا باللغتين العربية والفرنسية ويسجل له دراسات المهمة في قصيدة النثر العربية والتي اطلق عليها اسم قصيدة بالنثر، له حضور ونشاط ثقافي يترك بصمته المميزة.

الصورة: facebook.com

● في دراستك لقصيدة النثر تترك الأفق مفتوحا لها، فلا ضوابط صارمة، ولا ثوابت سلطوية عليها. وتستند في هذا إلى استخلاص سمات من دراسة قصائد الرواد فيها. هذا ما يتناسب مع طبيعتها وخصوصيتها، على عكس ما نجد لدى من اعتبروا كتاب سوزان برنار قاعدة ومسطرة لقياس كل إنتاج قصيدة بالنثر.

– تماماً. ما استوقفني، في درسي لهذه القصيدة، وفي نقد كثيرين لها، هو أنهم انطلقوا من كتاب الناقدة الفرنسية، واستخلصوا منه «الصفات» الثلاث التي وجدتَها خاصيات هذه القصيدة. ولقد تحققتُ، في درسي لهذه القصيدة، في تجارب الشعراء الثلاثة الرواد، أي بودلير ورامبو ولوتريامون، هو أن شعرهم لا يتوافق، إلا في قليله، مع هذه الصفات المعلنة مثل «قواعد» لهذا الشعر. بل وجدتُ اكثر من ذلك، وهو أن «الصفات» المقصودة لا تحدد مواصفات بنائية، تأليفية، لهذه القصيدة، بل هي أقرب إلى مواصفات جمالية الطابع، ما لا يمكن حسبانه بالتالي في عداد بناء هذه القصيدة.

هذا ما تأكدتُ منه أكثر في درسي لهذه القصيدة عند كثيرين من شعرائها، بين الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، أي في بداياتها وتبلوراتها الأولى، فلم أجد هذه الصفات إلا في القليل القليل منها. في المقابل، لقد انصرفت إلى درس هذه القصائد، مستخلصاً منها عدداً من تجلياتها في مستويات البناء المختلفة. ومما استخلصته، هو أنها لا تنبني وفق قواعد تأليفية مسبقة، أو متفق عليها، بل هي تخضع لتدبيرات الشاعر الاستنسابية: هذا لا يلغي التشاركات البنائية بين قصائد فيها؛ لكن هذه وغيرها تنبني وفق خيارات جمالية في المقام الأول، لها تجليات نصية وتأليفية. فما كان يُسمى «العمود»، أو قواعد البلاغة، كان يتحكم ببناء القصيدة القديمة، فيما أسقطتها القصيدة بالنثر، إذ لم تنتهج السبيل عينه، بل «سارت بالعَرْض»، كما تقول العبارة المأثورة. بهذا أسقطت النظام الباني لها، وجعلت بناء القصيدة ينتظم وفق خيارات، هي بتصرف الشاعر. وهي خيارات جمالية، تقوم، في مناح تعبيرية، أو «أنواع»، إذا جاز القول، كما تعول في نسيجها الفني، عند شاعر، على استعارية عالية، فيما تعول، عند شاعر آخر على لغة متقشفة، مضادة لأي بلاغة…

القصيدة بالنثر لم تعد تخضع لقانون، أو لمرجعية، بل باتت رهن خيارات الشاعر. هذا ما صغتُه منذ دراساتي الأولى لهذه القصيدة: «ابتداء الشعر من الشاعر، وابتداء القصيدة من الكتابة». 

● تعطي للشاعر سلطة ذات خصوصية عالية (سلطة الشاعر الاستنسابية)، التي تعتمد على رؤيته الفلسفية والجمالية. أهي حريته؟ أهي مقيدة؟

– هي حريته، لكنها مقيدة بما يرتئيه ويختاره. هذا ما يتوافق مع ما أنتجتْه الفنون التشكيلية، لا سيما فن اللوحة، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي ظهور «الانطباعية»، التي هي عتبة الحداثة التشكيلية. فقد كان لافتاً، مثلما تحققتُ من ذلك، ظهور هذه المدرسة التشكيلية مع ظهور القصيدة بالنثر في السنوات عينها، وبين صديقين: إدوار مانيه المصور، وشارل بودلير الشاعر. فقد كان الخروج من «التقليد»، من القواعد والأحكام المسبقة، متزامناً ومتوافقاً: باتت لحروف العلة، في قصيدة لرامبو، تشكيلة من الألوان، وباتت الألوان تخرج من وظيفتها التعيينية صوب تعبيرية مستندة إلى «قيم» استنسابية يطلبها المصور في اللون، في الألوان.

هكذا خرجت القصيدة، مثلما خرجت اللوحة، من نظام المحاكاة الذي انبنى عليه، منذ الحقبة الإغريقية، نظام الفنون الجميلة، بين شعر وتصوير وغيرها. وهو النظر الجديد الذي بلغت تأثيراته ومفاعيله شعراء ونقاد عرب، منذ نهايات القرن التاسع عشر، مع جبر ضومط وجبران خليل جبران ومعروف الرصافي وغيرهم.

● ما يأخذه الدكتور شربل داغر على الإنتاج الغزير للقصيدة بالنثر الحالي هو «اكتفاؤها بالضدية لما هو جماعي من دون رؤية فكرية واضحة، ومنه انصرافها لما هو رؤى تحكي الذات في انفرادها فتنصرف إلى قول عيش البدن وتهويماته وهواجسه ورغباته». ورغم ذلك نرى أن الايروتيكية قليلة جدا في الأدب العربي رغم أن هذا النوع كان حاضرا ومزدهراً في التراث…

– سؤال مركب، ويتناول جوانب لافتة في إشكاليات هذه القصيدة. فما يحرك دوافع الكتابة فيها يتمثل في «الضدية»، وفي إعلاء نبرتها، ما يمكن نسبته إلى أدب الهامش. لكن هذه الضدية تبقى، في أحوال، في قصائد، رفضاً للتقليدية من دون أن تنتج أدباً فردياً فعلاً، وإنسانياً خصوصاً. فمناخات «الصعلكة» وتعبيرات المزاج تخدم واقعاً إظهار «نرجسيات»، مع نبرة «زعامية» ولو بالسلب. فالفرد وتعبيراته ليست تعبيرات المتطلع إلى «نبوءة» أو «مكانة» مثلما تتجلى في كثير من الشعر العربي، الذي يوصف بـ«الحديث». فالشعر، لو كان حديثاً فعلاً، لكان اقترب من «نقد الذات»، ولكان عبَّرَ عن هشاشة الكائن، وليس عن صراخه العالي المبعد عن عالي السلطة والمكانة. أما ما يسمى بـ«الإيروتيكية» فلا يعدو كونه، في قصائد، تعبيراً عن فحولة ذكورية، أو عن افتتان نسوي بالتذاذات الشاعرة، ولو الكلامية. إن هذا كله لا يجعل اللذة عيشاً، ولا لقاء مبهماً ومشتهى في غامض الجسدين.

● الصورة عنصر هام في تكوين جمالية القصيدة، ولكنها تبتعد، في قصيدة النثر، عن المحاكاة، وتنحو إلى المباينة. هل تشكل هذه النقطة تحديداً سبباً في ابتعاد القارئ العربي عن القصيدة بالنثر؟

– ليس بالضرورة. فتلقي القصيدة بالنثر يتطلب ثقافة خصوصية وجمالية في آن، وهو ما يتطلبه تلقي اللوحة الحديثة بالضرورة. من دون ثقافة خصوصية، لا يمكن قراءة أي عمل حديث. قد تكون القصيدة مبنية بلغة ذات مفردات بسيطة، وفي جُمل سهلة التركيب، ومع ذلك لا يقوى قارئ على تذوقها. الأكيد والمؤسف، في آن، هو أن ما نسميه: القارئ، أو المتلقي، يفتقر إلى تنشئة إبداعية وجمالية، سواء في المدرسة أو في البيت أو حتى في الشارع. لذلك ترى هذا وذاك يعودان، في تلقيهما، في تفاعلهما، إلى تقاليد موروثة، بعيدة تماماً عن مواصفات الحداثة وتجلياتها. هذا يصح في التعامل مع القصيدة، مع اللوحة، مع الرواية، مع الفيلم وغيرها. هو تعامل مسبوق بأحكام تقليدية، أو يعتقد بأنه قابل وقادر على التلقي من دون ثقافة خصوصية ومناسبة. هذا أحدُ أوهام “الشعبوية” الثقافية في بلادنا…


● في إهداء مجموعتك «فتات البياض»، تكتب في الإهداء: «إلى شربل داغر لئلا يصبح شاعراً»، ورغم ذلك لم يتوقف شربل داغر عن الشعر. أهو الذهاب في الضدية إلى الذاتي أيضاً؟ أم هو الاشارة إلى التمني في المنع؟

– ترددتُ كثيراً في كتابة الشعر، حتى إنني انقطعت عنه لسنوات مديدة، زادت على خمسة عشر عاماً. وهناك ما يزيد على ثمانية عشر عاماً بين مجموعتي الشعرية الأولى ومجموعتي الشعرية الثانية. هذا التردد عنى تبرماً من الشعر، مما كنتُ أطالعه وأدرسه في المقام الأول. كما عنى أيضأ خشية من عدم القدرة على إنتاج ما أصبو إليه في القصيدة. لم تكن لي سوى هواجس وميول مبهمة حول القصيدة التي أرغب فيها. وما انتهيتُ إليه، أي الكتابة من جديد، تحقق عندما توصلت إلى خلاصة مفادها هو أن خوض غمار الشعر، وتجريب إمكاناته، لا يتحققان إلا في إنتاجها. وهذا، عملاً بالقول الفرنسي المأثور: إذا أردت العوم في البحر، فعليك أن ترمي نفسك وجسدك في لججه… وهو ما أعادني إلى عالم القصيدة، التي بدت لي شهية بقدر ما غامضة. بدت لي كثيرة الإمكانات، فيما لا تتوافر فيها بالضرورة إمكانات التجديد. القصيدة مسبوقة دوماً، حتى حين تظن بأنك مختلف. فكيف لك بالتالي أن تعاكس جاريها، ما يتناقله هذا وذاك وفق الأفق عينه. هذا ما جعلني أتنبه إلى أن معاني القصيدة مسبوقة في كثير من الشعر، فيما يتأتى للمعنى أن يتأتى في لاحق العبارة، في منتهاها. هذا ما يناهض ألفة القصيدة مع لغة مسبوقة عليها. هذا يعني ابتعاداً عن الجاري، وقرباً من الحياة نفسها، من تجريب احتمالاتها. من دون هذا التوالد بين مغامرات الشكل ومغامرات الحياة لا تنبني قصيدتي في مغايرتها.

● لنتوقف عند الرواية التي صدرت مؤخرا روايتك «اللوحة المحجوبة». تقول عنها أنها الأصعب لجهة البناء العام. هل لك أن تحدثنا عن تلك الصعوبة؟

– هذه الرواية كانت الأصعب فيما كتبت، إذ طلبت خيارات في بنائها السردي لم تكن بالهينة. منها أن يكون لكل فصل فيها سارد، وهو ليس بالجديد منذ وليم فولكنر، لكنه اتخذ في روايتي هذه صيغة السارد المرتبط بشخصية في الرواية، وصيغة السارد المجهول، ولكن المتكلم بلغة الأنا. كما كان لتتابع الفصول أن تجري في مدى يتعدى الثلاثة شهور بقليل، ما جعل إمكانيات الترابط والتقدم في السرد ممكنة وصعبة في الوقت عينه. هذا ما جعل الرواية تنبني مثل «سباق البدل» في الجري السريع، حيث يتعاون العداء مع غيره في الجري والتقدم…

● في «الخروج من العائلة» تقول أنك تجد نفسك غريبا في قصيدتك وتقرأها كما لو كانت لغيرك. هل هذا يعني أنك تكتب الشعر في لحظات تجلي والهام خاصة؟ وهل يفسر لنا ذلك عنايتك باللغة العالية؟

– هذا ما أشعر به صدقاً، إذ إنني، عندما أكتبها، لا أتبينها تماماً، ولا أسعى إلى ما يمكن أن تكون عليه احتمالاتها أو نهاياتها الممكنة. كما أنني، عندما أنتهي منها، قلما أعاود كتابتها أو «تصحيحها»، إذ أطلب للقصيدة أن تكون تجربة في لحظة، ما يجعلني أشدد وأحتفظ بتولدها مثلما تحصل. لهذا تبدو غريبة في ناظري عندما أقبل على قراءتها من جديد، وهو قلما ما أعود إليه.

● في بعض ما تكتب على الفيس نقترب من جوك الخاص في الكتابة وهذا يقودنا للسؤال هل هناك طقوس للكتابة خاصة بـ شربل داغر، وهل لكل نوع أدبي أو فكري طقس مختلف؟

– يُستحسن، فيما اكتب، التمييز بين كتابة شعري وبين كتابة بحوثي. ليس لكتابة الشعر وقتٌ ولا مكان مناسبان. أما كتابة البحوث، فأنا أقصدها بالأحرى بصبر المكتشف والمنقب وانضباطه.

فالقصيدة هي التي توافيني من دون موعد، أينما كان: أثناء المشي خصوصا، أو فوق شاشة هاتفي… قلما أخطط لقصيدة، حتى في مطولاتي الشعرية التي كتبتُها ابتداء من فقرة أو أكثر…

هذا لا يعني أنني اكتب مثل شاعر ينتظر سقوط الإلهام عليه. هذا يعني أنني لا اقصد القصيدة بخلاف «القصد» الذي يشتمل عليه لفظ: القصيدة. أكتبها ابتداء مما يلمع: في انفعال، في لحظة، في لفظ وغيرها. بهذا المعنى أقول وأردد أن القصيدة تكتبني. ذلك أنها – على ما أرى – هي ما يعتمل في باطني، وهي ما تبيحه لحظة من التوتر التي قد تكون مثل كتلة رمل تحبس مياها جوفية.

أما ما يبني القصيدة، في اكتمالها النهائي، فهو خبرتي المجتمعة من حاصل مركب بين خيارات وميول وصناعة ونظريات شعرية وغيرها.

للمعلومات أيضا: قلما أعيد النظر فيما كتبت: تَخرج القصيدة مكتملة في الغالب. أعيد تصحيح تركيب، أو أسقط لفظا أو أكثر. أنظر خصوصا في كيان القصيدة، في قوامها، لكي تصبح مقبولة في نظري.

لهذا، قصيدتي «حميمية»، كما أسميها. هي أشبه ببلورة ملتمة على بعضها البعض، حتى أن شاعرها لا يٌحسن – كما في حالتي – إحالتها إلى طقوس ومسار تكوين.

أما في البحث، فالعملية مختلفة تماما. بل يمكن القول بكل بساطة إنني أصرف للبحوث ما لا أصرفه للشعر. البحث- كما أتطلع إلى كتابته – عمل شاق، وهو عرضة لتقلبات عديدة. هذا ما يبدأ وفق خطة، وفق تخطيط، بعد أن تيقنت منذ سنوات بعيدة أن البحث هو أحوج ما تحتاجه المكتبة العربية.

عودتي إلى لبنان، وعملي الجامعي، أتاحا لي الاقتراب من مدونة واسعة، من مصادر، كما تسميها العربية، غير مدروسة، بل مجهولة في جانب واسع منها.

فلو جرى التوقف عند عدد من كتبي في درس الشعر العربي الحديث، لأمكن التحقق من أنها بدأت بعد سنوات وسنوات على تحويل أطروحتي الأولى إلى كتاب «الشعرية العربية الحديثة»، مع كتابي: «القصيدة العصرية»، الذي تكشف فيه شعر مجهول في كثيره، أو جرى درسه بطريقة غير مناسبة لطبيعته التجديدية.

هذا يصح كذلك فيما لم يكن معروفا مني، ولا مخططا له، إذ اكتشفت جانبا من بدايات الرواية العربية قبل رواية «زينب» بأكثر من ستين سنة…

هذا ما يمكن قوله في درسي التاريخي والتحليلي لظهور اللوحة «ومتعلقاتها» في المجتمعات العربية، إذ تنبهت إلى أن البوابة العثمانية، بعد تبدلات الذائقة والفنون فيها، كانت مدخل الفن العربي إلى اللوحة الاوروبية…

آسف، قد يبدو في كلامي عن بحوثي نوعا من التفاخر… أردت من كلامي إظهار أن البحث العربي وبالعربية يحتاج إلى أعمال كثيرة… هذا ما عملت، وهو مطروح على النقد.

● ختاما؛ كيف يرى شربل داغر مستقبل القصيدة بالنثر؟

– مستقبلها رهن بشاعراتها وشعرائها، وبما سيكتبونه في قادم السنوات. لي ملاحظات كثيرة على ما يكتب منها. فهل يتم استدراك أو تصويب جوانب من خياراتها البنائية، التي تبدو في أحوال كثيرة، تنساق إلى تلقائية على أنها تعبيرات «الحرية الفردية»، فيما تنقل هذه اعتيادا مسبوقاً، وتقليدياً بالتالي. كما تنساق قصائد كثيرة إلى «تبخيس» اللغة، إلى «إفقارها»، فيما القصيدة، في نظري، اشتغال جمالي في اللغة، وبها. ماذا عن مترتبات بناء القصيدة ككيان، هل سيقوم بها من يقومون اليوم ببسطها من دون أي هاجس في البناء والشكل؟

***

حوار مع الأديب الدكتور شربل داغر، حاورته وداد سلوم

الشاعرة السورية وداد سلوم

شربل داغر

خاص قنّاص – حوارات

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى