أهوى الهوى كتابمكتبة بورخيس

ظبية خميس تنشدُ للحبّ والحياة والحريّة | عماد الدين موسى

روح في غيمة.. نصوصٌ مُتحرّرة وذات نهايات مفتوحة بمزاجِ غيمةٍ صيفيّةٍ تفرغ حمولتها على أرض الشِعر الخصبة

ظبية خميس تنشدُ للحبّ والحياة والحريّة

ثمّة، في الشِعر، صنفانِ لا ثالث لهما، إذا أردنا تشبيه تجربة الشاعر بالماء، بوصفه العنصر الحيويّ الأقرب للشِعر والحياة معاً. الصنف الأوّل أشبه بالماء الراكد الذي لا جديد فيه إنما فقط بؤرة غير نظيفةٍ، فيما الصنف الثاني قريبٌ من الغليانِ ويكاد أن يكون كالساقية التي تجري دونما توقّفْ، وما مصدرها سوى نبعٍ شديد الصفاء. تجربة الشاعرة الإماراتيّة ظبية خميس تنتمي إلى الصنف الثاني دون شكّ، إذ ثمّة دمٌ جديدٌ/ لغة جديدة، مغايرة ومختلفة، تجري في عروق قصيدتها، ليضخ فيها الحياة وعنفوانها.

في مجموعتها الشِعريّة الأحدث “روح في غيمة” الصادرة مؤخراً عن دار فضاءات في الأردن 2023، تنشدُ الشاعرة ظبية خميس للحبّ والحياة والحريّة، إذْ ثمّة لغة شِعريّة عذبة تسيل على طول الصفحات، تقول في قصيدة بعنوان (الحريّة): “حياةٌ واحدةٌ/ تكفي لتعرفَ كلَّ الحيوات/ وتختبِرَ معنى اسمِك/ في هذا الطريق”، تتابع: “طيري يا عصافيرَ القلب/ في كلِّ مكان/ فالكونُ كلُّه/ شجرةٌ واحدةٌ/ تمنحُكِ ثمارَها/ وينبوعَ الحياة”.

ثمّة نَفَسٌ غنائيّ شفيف في المقطع السابق، نجده في معظم قصائد المجموعة، وهو ما يضفي المزيد من السلاسة والربط إلى أجواء وعوالم نصّ الشاعرة خميس.

هندسة الروح

تكتب ظبية خميس وكأنها تُهَنِدس الروح، تكتب بمزاجِ غيمةٍ صيفيّةٍ تفرغ حمولتها على أرض الشِعر الخصبة، فتزيدها خصوبةً وشِعراً، تقول: “ما الروح؟! تجوالٌ جاءَ من عالم الغيبِ، نفخة السماء، هواءٌ يتردَّدُ فينا، ثم يتوقَّفُ للأبد”.

الجمل الشعريَّة التي تكتبها الشاعرة، تنبعث من روحٍ على الأغلب قد تكون عانت في هندسة ذاتها بذاتها وهي تكتب، إن اتفقنا أنَّ الكتابة إلى حدٍّ بعيد يعتبر هندسةً للروح والأشياء في نسق واحدٍ متكامل، هندسةٌ للكون بغية ترتيبه في الخيال، أو في الذاكرةِ كي لا تتفاجأ الروح بالفوضى الكامنة في العالم الحقيقي، هندسةٌ للأشياء وكأنَّ أحدهم يرتِّب خزانته في فندقٍ فخمٍ أتى إليه كي يستريح من الصخب المتجذِّر في العالم، أو لعلَّه نوعٌ من أنواع الاتِّكاء على الجملة، الكلمة، المفردة، الكتابة بغية نسيان الفوضى المحيطة والركون إلى الخيال الهادئ، والعالم الداخلي الذي لا يشوبه شيءٌ آخرُ غير التنظيم والهندسة.

فنّ الجُملة القصيرة

ما تكتبه ظبية خميس لا يمكننا إدراجه ضمن ما يسمّى بالكتابة “الشذرية” الدارجة والمتداولة بكثرة هذه الأيّام، على الرغم من أنّ جُمَلتها الشِعريّة قصيرة ومكثّفة، لكنّها ليستْ شذريّة وأشبه بالحكم، بل جُملةٌ شِعريّةٌ نابضةٌ بالحياة ومشحونةٌ بصور شِعريّة مدهشة، ذات معانٍ ودلالات جمّة، تلك الجُملة التي وصفها النفّري (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة)، لذا يجوز لنا أن ننعت كتابتها بفنّ الجُملة القصيرة.

تقول صاحبة “خطوة فوق الأرض (1981)”: “كلّ شيءٍ يبدو كحُلم”، وفي مكانٍ آخر تقول: “دائماً هناك الصقور والنسور تركض وراء غزالة هاربة”، تقولُ أيضاً: “كلٌّ يحملُ قبرَه بداخله”.

تكادُ ظبية خميس أن تكون حلماً في كتابتها، أو لعلَّها جزءٌ من حلم أي قارئٍ قد يركُن إلى قراءة ما تكتبه كنوعٍ من الهرب، أو أن تكون كتابتها ملاذاً آمناً، إن جزمنا أنَّ الكتابة ليست سوى ركن من الأركان المفضِّلة أو زاويةً من الزوايا الأثيرة التي يتمسِّك بها الفرد كي ينتهي من الفوضى التي تحيط به وبالعالم. 

ظَبْية خميس

شاعرة وكاتبة قصصية إماراتية؛ عملت نائبة مدير التخطيط في مدينة أبو ظبي. ثم مشرفة على البرامج الثقافية في تلفزيون دبي. عملت أيضًا دبلوماسية باحثة بجامعة الدول العربية منذ 1992 حتى 2010 فهي أول سفيرة إماراتية مثلت جامعة الدول العربية في دولة الهند، وأول مواطن إماراتي يعمل في جامعة الدول العربية على الإطلاق.

لها دواوين شعرية عديدة ومؤلفات قصصية ودراسات أدبية وغير أدبية، نذكر منها: في الشِعر: “خطوة فوق الأرض”، و”صبابات المهرة العمانية”، و”قصائد حب”، و”جنة الجنرالات”، ومن أعمالها القصصية: “عروق الجيرو الحنة”، و”خلخال السيدة العرجاء”، ومن مؤلفاتها الأخرى: “الشعرية الأوروبية”، و”ديكتاتورية الروح”، و”الشعر الجديد”، و”شعراء البارات والمقاهي والسجون”.

***

ظبية خميس تنشدُ للحبّ والحياة والحريّة، بقلم عماد الدين موسى

الشاعر والأديب الكردي السوري عماد الدين موسى

ظبية خميس

قنّاص – أهوى الهوى كتاب

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى