فصاحة الجسد في المسرحية العُمانية “لقمة عيش” | ياسر دريباتي

الصورة: مشهد من المسرحية

البطل في هذه المسرحيّة هو جسد الممثل

استضافت مديرية المسارح والموسيقا في دمشق، فرقة الدن المسرحية العمانية لتقدم عرضها المسرحي “لقمة عيش”، من تأليف جمال صقر ودراماتورج وإخراج محمد سعيد الرواحي. وذلك على خشبة مسرح الحمراء في دمشق يومي ٢٧/ ٢٨ /٢ /٢٠٢٢.

“لقمة عيش” حكاية بسيطة لمواطن (ع) نسميه اصطلاحاً المواطن العربي الذي يقضي أيامه في البحث عن لقمة عيشه، وفي متاهة استبداد السلطة من حوله. السلطة بكافة أشكالها وفروعها والتي تستحوذ على كل شيء؛ وتقبض أيضاً على مخيلة هذا المواطن(ع)، الذي لا يبغي من حياته سوى ملئ جوفه، ولا يسمح له أن يشغّل عقله في أسئلة وجودية كثيرة كانت ستوصله إلى اكتشاف كيمياء الفساد والفاسدين، وتدخله أتون الرفض لما حدث ويحدث ليس في واقعه المعاش فقط. وإنما في تحولات تاريخه الطويل الذي نقله من سيء إلى أسوأ. هكذا هي مصائر هذا المواطن (رمضان، ع) الذي فاجأ الجمهور السوري الذي يعاني جوع الحرب اللعينة منذ سنوات، وهو القادم من بلد لا يعرف عنه أكثر من أنه يرفل بالسعادة والحبور والعيش الرغيد.

الجسد هنا هو الحامل الدرامي لانفعالات الشخصية وعواطفها

في”لقمة عيش” الممثل هو مولد الحقيقة ومختبرها على خشبة المسرح. حقيقة استطاع المخرج محمد سعيد الرواحي إيصالها لممثليه الشباب الستة وجعلهم يعيشون هواجس الشخصيات ويبنون الصراع الدرامي الذي يؤثر في الحدث، صراع وجودي مساحته الجسد فقط. الجسد هنا هو الحامل الدرامي لانفعالات الشخصية وعواطفها. جسد استطاع خلق الحقيقة المسرحية على خشبة المسرح عبر قوة الحركة الفنية المدروسة والتي أغنت حوار النص البسيط. وقدمت منهج عمل الممثلين في رسم الشخصيات وفهمهم للفن الكوميدي. استطاعوا إقناعنا بحقيقة ما يجري وبأن هناك من يحاول استغفالنا وسرقة قوتنا اليومي. سلسلة من الأحداث اليومية البسيطة قدّمها جسد الممثل. أحداث يعرفها المتفرج العربي جيداً والذي يفتك به الفساد؛ ” الفساد أشدّ فتكا من الحرب” ممثل مسرحي يعرف كيف يخفي فنه بالفن، ويمتع مشاهديه بجمال الصوت وصدق الإشارة ومرونة الإيقاع، والطريقة السهلة والطبيعية في القول والفعل. ممثل يعطي مبرر وجوده على خشبة المسرح ويمده بالشغف الذي لا حدود له؛ إنه شغف الممثل بالحياة أولاً وبالأداء والفرجة ثانياً. شغف ينشره الممثل على مساحة العرض في حالاته كافة، قوته، يأسه، ضعفه.

الفضاء المسرحي الشرطي ليس مجرد شكل أو وعاء؛ وإنما طاقة لتوليد العلاقات بين الممثل واللغة، وبين الممثل والجمهور. وهذا يقتضي بالضرورة الدقة والإتقان والرهافة وقدرة تخييليه عالية، وقوة ذهنية قادرة على بث الحياة في كل كلمة وفي مساحات الصمت أيضاً. وقادرة أيضا على خلق الواقع وكسب تعاطفنا كمتفرجين واشراكنا في بناء الحكاية ضمن مناخ مسرحي كوميدي. أجاد الممثلون الستة توظيف أجسادهم في بناء مشهدية مسرحية متقنة.

أليست تراجيديا خاصة بنا نحن العرب؛ تراجيديا رحلة البحث عن لقمة عيش؛ درب آلامنا الطويل كما هو حال/ رمضان/ بطل الحكاية؛ حكاية ” لقمة عيش” حكاية “رمضان” هي حكاية المتفرج اليومية. يأكل، يتبرّز، يعمل بوظيفة بائسة كي يحصل على راتب بائس. يدفع عمره في طوابير الانتظار. بمرور الوقت ينسى الأشياء، يعيش الصراع بين الحياة والموت؛ صراع بدائي لأجل البقاء. محاصر داخل تفاصيل حياته اليومية؛ الخبز، الغاز، المازوت، السكر…

ثمة الكثير ليفكر فيه كلّ يوم، ثمة على الدوام ما يكفي لإشغاله. تراجيديا يومية قدّمها فريق العرض ضمن بناء مسرحي شرطي تجاوز مفردات الواقع وقدّم لغة مسرحية متقنة العناصر من موسيقا وإضاءة وحركة ممثلين. ربما تكون حياة المتفرج العربي كما هي حال شخصية “رمضان” بطل العرض نوع من الأدب الرديء لكنّ أهمية المسرح هي إعطاء هذه الرداءة جسداً فنياً حيّاً يستحق العيش على خشبة المسرح. جسداً حيّاً قدّمه العرض ليملأ فضاء مسرح الحمراء بدمشق. جسداً متعدد الاستخدام والدلالات؛ كان ديكوراً وغرضاً مسرحياً واكسسواراً؛ جسداً قدّم روحاً حيوية متدفقة في الكوميديا. كوميديا احترافية. ابتعدت عن التهريج رغم الإغراءات الشديدة المتاحة في بنية العرض وظرف المتفرج هنا والآن.

البطل في العرض المسرحي “لقمة عيش” هو جسد الممثل. جسد حكى، غنىّ ورقص. جسد لم تنقصه الفصاحة على مساحة العرض.

ياسر دريباتي؛ مخرج وناقد مسرحي سوري، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق. من أعماله: مسرحية (تانغو).

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى