فصل من رواية: احتضار الفرس | خليل صويلح

 

 

رواية احتضار الفرس، ستصدر عن “شركة المطبوعات للنشر” في بيروت، للروائي السوري خليل صويلح

كان السائق الكردي الذي أقلني من المطار رجلاً أربعينياً يدعى جنكو إبراهيم، خبرَ وقائع مؤلمة في حياته، وفقاً لما رواه لي طوال الطريق نحو قرى الجنوب، قبل أن يتنسَّم هواء الحرية بالاستماع إلى الأغاني الكردية علناً، من دون أن يخشى اعتقاله والتنكيل به، وفي المقابل لم ترق له فوضى الأحزاب الكردية، والأجندات المتضاربة، والميليشيات المتحاربة التي تتقاسم الغنائم في المنطقة. في الطريق المتعرّجة جنوباً، باتجاه مدينة الحسكة، كنت أتأمل القرى الطينية المتناثرة، والتلال المحيطة بها، والكنائس المدمّرة، إثر هجوم كتائب التنظيمات التكفيرية على القرى الآشورية وتحويلها إلى أنقاض. حقول قمح أطاحتها الحرائق الموسمية على جهتي الطريق، وتلال أثرية منهوبة. خريطة مقطّعة الأوصال، يتقاسمها الأكراد والعشائر المحلية، تحت مظلّة أمريكية، وروسية، وإيرانية، وتركية. ناقلات جنود عابرة، وعربات “hummer” أمريكية، و عربات  tiger روسيّة. بابل لغات ولهجات وبارود وعملات، تتمازج وتفترق، تبعاً للأهواء والمصالح. بعد نحو ساعتين، انعطفت السيارة إلى طريق فرعي متهالك لاختزال مسافة الرحلة، وتجنّب الحواجز الأمنية، كما أفهمني السائق، ثمّ ترجم لي معنى كلمات الأغنية التي كان يستمع إليها «سدَّد المتحاربون من الجانبين فوهات بنادقهم تجاهي، ولأنني لم أُقتل، ها إنني الآن أعيش في جسد مثقوب، وكلما تحرّك الهواء تصدر عني أنغام حزينة مثل ناي». أوقف جنكو إبراهيم شريط الأغاني الكردية فجأة، وأشار إلى يساره نحو طريق فرعية قائلاً :هنا يقع مخيّم الهول. كان المخيّم يبعد نحو 45 كيلو متراً شرق مدينة الحسكة، وكنت أعلم جيّداً بما يحدث من جرائم في هذا المكان الجهنمي، بعد أن تدفّق إليه آلاف اللاجئين من الرقة والموصل والأنبار، خصوصاً زوجات المقاتلين التكفيرين بعد هزيمة هذا التنظيم المتشدّد، نساء وأطفال بلا قيد نفوس، من مختلف أنحاء العالم، وحوادث عنف يومية، وحالات اختفاء، وتصفيات جسدية، وحرائق مفتعلة، وموت طفلين كل أسبوع، ووقائع زواج وهمية للخروج من منجم الجحيم، باستخدام الرشى. بالإضافة إلى صيارفة لتحويل الأموال. قال السائق ضاحكاً: ما رأيك بزوجة من المخيّم؟ ستجد نساء وأرامل أجنبيات أجمل من حوريات الجنّة. كنت قرأت تقارير مفصّلة عما يحدث داخل المخيّم الذي يضم نحو ستين ألف لاجئ، بينهم مئات من الذين ينتسبون إلى خلايا تكفيرية نائمة، ما تزال تحلم بتأسيس دولة الخلافة انطلاقاً من هذا المخيّم، بالإضافة إلى جهاديين من الإيغور والقرغيزيين والطاجاكستانيين، وعلى الجهة المقابلة تنشط عصابات التهريب في ابتكار طرق جديدة لإخراج النساء من هذا السجن الكبير، سواء عن طريق سيارات الإسعاف أو صهاريج المياه التي لا تخضع للتفتيش، فيما يغامر آخرون بحفر الأنفاق، رغم وجود سياج كهربائي، ونقاط حراسة تحيط المخيم من جهاته الأربع. جهاديون عالقون هنا، ومطلوبون في بلادهم، يخضعون لحراسة مشدّدة، وأطفال يتدربون على حمل السلاح في معسكرات سريّة، وعقوبات صارمة لمن تجرؤ من النساء على خلع الزي الشرعي، أو حتى التفكير بارتداء نظارة شمسية أثناء هبوب عواصف العجاج. ب

عد رحلة مضنية، ودروب ترابية متعرّجة، وعواصف رملية، توقّفت التاكسي قرب المقبرة، بتوقيت الغروب. اقتربتُ من قبر أمي،  بخطوات متعثّرة، بعد أن أرشدني إليه أحد زوّار المقبرة. أسندتُ رأسي راكعاً فوق حجرة كلسية بيضاء كانت بمقام الشاهدة، وقد داهمتني نوبة بكاء طويلة، لم أشفَ منها إلى اليوم. كانت أمي ترقد بطمأنينة  في حفرة على عمق متر فقط، بلا خاتمها الفضّة في بنصر يدها اليسرى. من الذي خلعه من اصبعها لحظة اغتسالها الأخير؟ هل تخاطب جدتي التي ترقد إلى جانبها الآن؟ لم تعد بحاجة إلى الأدوية لضخ الدم في عضلة القلب الواهنة منذ سنوات، ثم هل ستُمحى الوشوم البدوية المنقوشة فوق وجهها، وتذوب مع الجلد؟ كنت أهذي بأسباب الفقدان، وكيفية أفول الجسد إلى كومة عظام ناحلة؟ لا شواهد للموتى هنا، مجرد حجارة ناتئة فوق القبور، تتوزعها سلالة أطاحتها الشيخوخة، والأمراض، والطعنات، منذ أن أسّس الجدّ الأكبر هذه المقبرة ليدفن أحد أبناءه الذي عاد من غزوة خاسرة مجندلاً فوق فَرَسه الشقراء، ودفنهما معاً، متجاهلاً تحذيرات الأولياء، إذ ماتت الفَرَس في الليلة ذاتها حزناً على خيّالها. يذكر الرواة أن الفَرَس ظلَّت تطلق صهيلاً خافتاً، ووقع حوافر، كان يسمعهما العابرون قرب المقبرة ليلاً! أطلق جنكو إبراهيم نحنحةً عالية، منبهاً إياي إلى أن الوقت بات متأخراً بالنسبة له، وعليه العودة إلى القامشلي. ساعدني على النهوض، متأبطاً ذراعي بقوة. ألقيت نظرة أخيرة نحو القبر، ثم صعدتُ إلى مقعدي بنشيج أربك مرافقي. قبل أن يدير السائق محرّك السيارة، وصلت عربة عسكرية تحمل تابوتاً، واتجهت إلى الجهة الشمالية من المقبرة، ثم تبعتها شاحنة صغيرة أفرغت حمولتها من رجال ونساء يندبون فقيدهم، غير مكترثين بتهديدات العسكري، وضرورة الصمت أثناء الدفن. انتظرنا قليلاً لمعرفة ماذا يجري في تلك الجهة من المقبرة، ولماذا كلّ هذا الصخب؟ لكن سائق التاكسي حسم الامر بضرورة مغادرة المكان قبل أن يحلّ الظلام. أرشدته إلى احداثيات الطريق الترابية نحو القرية، وفقاً لما أتذكّره، محاولاً محو التضاريس الجديدة التي طرأت على المكان. في صمت عتمة المساء، استعدت مشهد التوابيت في طائرة اليوشن. على الأرجح، إن ثلاث قرى، تقاسمت التوابيت الثلاثة، وهذا التابوت كان من حصّة هذه المقبرة.  

 

خاص قنآص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى