جَدَل القراءاتمكتبة بورخيس

مقاربات فن السينما في رواية «بقايا رغوة» لـ جهاد الرنتيسي | د. أحمد عقيل

السينمائي والأكاديمي الأردني د. أحمد عقيل يحلل أسلوب وتقنيات فن السينما في رواية «بقايا رغوة» لـ جهاد الرنتيسي:

***

كان قد طلب مني منذ مدة أن أقوم  بتقديم جلسة حوارية كأحد نشاطات نادي السينما في أحد المؤسسات الثقافية، ولأنه كان قد ترك لي حرية اختيار الموضوع فقد وقعت على موضوع الأفلام اللاخطية، وفي البداية كنا قد اتفقنا على تعريف لهذا البناء من الأفلام، ولأن هذا الموضوع لابد له أن يقودنا للسرد، فقد عرّجنا على موضوع السينما والرواية عبر الحديث بشكل تلقائي، وفي الصف الأول كان يجلس كاتب بوجه مألوف، عارض كلام أحد النقاد الجالسين في الصف الأول أيضا ولكن في مكان آخر، ودار الجدل حول رواية «رجال تحت الشمس» لغسان كنفاني، وفيلم «المخدوعون» للمخرج توفيق صالح، والسؤال الذي غالبا ما يتكرر، هل استطاع الفيلم إيفاء الرواية حقها؟

وبعد انتهاء الجلسة، تحدثنا أنا والكاتب الذي كان يشاطرني الرأي إلى حد ما في الرواية والفيلم، وأيضا في الإجابة على السؤال، وقادنا الحديث إلى رغبته بتقديم روايته، التي كان على وشك إشهارها عبر وجهة نظر سينمائية، ولأن هذا الأمر كان يستهويني، فقد كان هذا ما حصل.     

سأبدأ الحديث وأنا أفترض أيها المتلقي أنك قرأت رواية «بقايا رغوة»، وربما يحفّزك هذا على القراءة تجنّبا للإحراج، وكي لا تضطر لأن تهز رأسك موافقا على كل ما نقول، وأتخيل أنك توافقني الرأي، عندما أقول أن قراءة هذه الرواية تتطلب تركيزا وجهدا أثناء التلقّي، وللحق تتطلب جلدا ومجاهدة حتى مع قلة عدد صفحاتها، ولأننا بصدد الخوض في مقاربتها لفن السينما تحديدا، فسترى معي كيف أن السينما تتواجد فيها على عدة مستويات، ومع أنها وفي المستوى السطحي لا تشكل هاجسا كبيرا، إلا أنها تؤكد حضورها بشكل كبير، مثلا عبر وجود صالة «سينما الأندلس»، التي تشكل فضاءاً عاطفيا للقاء «غادة» الشخصية الأكثر بروزا مع نبيل، ويأتي وجود الأفلام رافدا للرغبة في موضع آخر فنقرأ: «استعانت بخزين ذاكرتها من الأفلام العربية ذات نهار، قررت أن تكون عروسا في ليلة دخلتها وهي تخطط للقائهما في فندق المسيلة بيتش»[1] ، استعدادا للقائها مع شخصية رشاد، وبعدها وفي الصفحة التالية نقرأ كيف «فاق أداؤه ليلتها ما جرى خلال لقاءاتهما في بيت أم عامر … وخمنت حين استيقظت على قبلاته صباحا مشاهدته أفلاما إباحية»[2]. فكما نرى هنا تؤثر الأفلام على سلوك الشخصيات، وتفاعلاتها معا في إطار حيوي، أما  تواجد «سينما الفردوس» أيضا وفي مكان آخر، وعرض فيلم (الفك المفترس) فيها، فإن فيه توثيقا لحقبة تاريخية، ومؤشرا على تواجد طقوس السينما فيها، وإن كان في ذلك إشارة إلى نمط اجتماعي استهلاكي، فهذا الفيلم سيكون أحد أهم الأسباب التي ستؤدي لنشوء نظام أفلام (Blockbuster)، الذي سيقوم بتحويل مشاهدة الأفلام، إلى فعل ترفيهي استهلاكي بحت، وينهي موجة هوليوود الأمريكية الجديدة، ولكن وللحق فما يهمنا في مقاربتنا هنا، هو تواجد السينما على المستوى الأسلوبي والتقني في السرد الروائي في النص.

فن السينما بقايا رغوة رواية جهاد الرنتيسي

في «بقايا رغوة» يتسلل الأسلوب السينمائي عبر مجموعة من التقنيات، ففيها تطغى الكتابة التصويرية ويتم الانتقال الحدثي عبر مقاطع سردية تشبه الانتقال السينمائي.

(الصورة: المؤلف جهاد الرنتيسي facebook.com)

 

كما نعلم تُدخلنا أغلب الروايات، كما هي أغلب السرديات في رحلة من الأسئلة والإجابات، وعلى ما يبدو فإن هذه الأسئلة تضعنا أمام تحدٍّ ذاتي في سبيل إعادة التوازن لهذا العالم، وإعادة الترتيب والسيطرة على البنية المتخيلة، وفي العموم فإن هذه الأسئلة تتعلق بأفعال الشخصيات، وبالتزامن والتعالق وبناء شبكة العلاقات بين الشخصيات.

وفي السرديات الصورية وعلى رأسها السينما، موضوع الحديث هنا فإن، هذه الأسئلة لا تختلف كثيرا، ولكن شكل العلاقة التواصلية يختلف بسبب الاختلاف في الوسيط الناقل للرسالة، أي أن بنية الرسالة المختلفة تفرض اختلافا في صيغة التلقي، وقبل أن نعود لروايتنا لنجيب على سؤالنا الأساسي في مقاربة الأسلوب السينمائي، فلنتحدث قليلا عن نقاط التشابه والاختلاف بين الرواية والسينما؛

فإذا تحدثنا عن نقاط التشابه :

  • كلاهما فن زمني.
  • كلاهما يختار الإنسان موضوعا له.
  • كلاهما يخلق واقعه السردي بالاعتماد على الواقع الحقيقي كمادة للإبداع.
  • كلاهما يعمل على توثيق الذاكرة البشرية والثقافية للمجتمع .
  • كلاهما يكشف عن أبعاد الذات الإنسانية.

أما نقاط الاختلاف :

  • وكما قلنا سابقا اختلاف نظام التواصل.
  • اختلاف زمن التلقي.
  • اختلاف زمن الوصف بين الرواية والفيلم .
  • وجود مؤلف واحد مسؤول عن العمل في الرواية بينما هناك اختلاف على المسؤولية الإبداعية في السينما.[3]

ولأن الرواية والفيلم خطابان مختلفان، لكل منهما دلالاته الخاصة وأنظمة تواصله المختلفة، فتأخذ الرواية القارىء في رحلة ذهنية تخيلية في البحث عن الصورة الذهنية للكيان المتخيّل، بينما يأخذ الفيلم المشاهد في رحلة بصرية سمعية، في التعرّف على مثال الكائن المتخيّل، وربما كان هذا سبب غضب العديدين لدى إنتاج رواياتهم المفضلة سينمائيا، لصعوبة مقارنة المثال الذهني المتخيل، بالمثال البصري الأيقوني، وإذا أخذنا بمقترح (د.صلاح فضل) في تقسيم الأساليب السردية في الروايات العربية إلى ثلاث أساليب، غنائي ودرامي وسينمائي، بحيث ترتكز هذه الأساليب على عناصر روائية هي الإيقاع الناجم عن حركتي الزمان والمكان، والمادة المكتوبة وطبيعة لغتها، والرؤية التي تظهر من خلال عمل الراوي وتوجيه المنظور السردي، فنجد المنظور في الأسلوب السينمائي يفرض سيادته على ما سواه[4]، وفي «بقايا رغوة» يتسلل الأسلوب السينمائي لهذه الرواية عبر مجموعة من التقنيات، ففي هذه الرواية تطغى الكتابة التصويرية ويتم الانتقال الحدثي عبر مقاطع سردية تشبه الانتقال السينمائي، ولو نظرنا إلى بداية الرواية وفي الفصل الأول فسنرى الكاتب يخبرنا، بتصريح ضمني بأننا أمام رواية تتكىء على السينما في أسلوبية افتتاحها فيكتب: «كان جسده عاريا يرتشف الظلال حين توقف عن مداعبتها، فاجأها نهوضه، خطا خطوة هادئة إلى الوراء. تبعتها ثانية في الفراغ، وثالثة قبل أن تبتلعه سحابة سوداء أخفت ضوء القمر، أذهلها ذوبانه كذرات ملح في كوب ماء، لم تستر عريها وهي تنهض عن السرير، لتحاول اللحاق به، اختفت محتويات الغرفة، بقيت وحيدة في العتمة، قدماها ثقيلتان، ولا تقوى على مناداته».[5] يظهر هنا استخدامه لأفعال حركة بصرية تتكيء على الإضاءة في بناء التكوين، ودلالات الزمن نلتقطها بصريا عبر اختفاء القمر، ونرى العناصر الآدائية التي تضبط الإيقاع في حركة رشاد، ولحاق غادة به التي يتقصد أن يخبرنا بعريها للتأكيد على رسم المنظور، رغم بقائها وحيدة في العتمة، ثم يباغتنا بانتقال مونتاجي بالتصريح قائلا: «مرة أخرى يباغت شريط كابوس الليلة الفائتة لحظات استرخاء غادة الأسمر»، ليضعنا علنا أمام استخدامه لشريط سينمائي، وليقدم شخصيته الرئيسة عبر فن المونتاج السينمائي، وتتابع المنظور لندرك أننا كنا في ذهن غادة دون أن نعلم، وهذا النمط من الافتتاحيات نراه مستخدما في العديد من الأفلام، حيث تبدأ بمشهد غرائبي بعض الشيء أو سريالي، ليخبرنا الانتقال للشخصية في سريرها أننا كنا نشاهد حلما، كما في فيلم «نسيم الروح» للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد وفيلم «البجعة السوداء» للمخرج دارين أرنوفسكي.

بالنسبة لتقنية الراوي في منظور الأسلوب السينمائي للسرد، فالروايات الأخرى تستخدم الصوت المفرد أو المتعدد لتحقيق وظائف جمالية متعادلة. أما السرد البصري فإن الراوي فيه هو الكاميرا المتحركة[6]، وتعتمد رواية بقايا رغوة وعبر هذه البداية وفي أغلب أجزاءها في مقاربتها على نمط سرد سينمائي ذاتي، يتخذ من غادة وأفعالها بؤرة للرؤية، ويتخذ من الفعل المضارع منهجية معادلة لعملية التصوير، فيكمل الكاتب في الصفحة ذاتها: «تنهض عن الكرسي الهزاز في غرفة نومها، نظرة عابرة إلى زجاج نافذتها المعتم، أخرى إلى آلة تسجيل وأشرطة كاسيت ملقاة على كومودينو قرب السرير، وتتجه ثانية إلى الحمام»[7]، ليوجّه القارىء وعبر أسلوب كتابة يقارب في أسلوبه هنا أسلوب كتابة السيناريو وليؤكد وجهة النظر السينمائية.

ويأتي وصف الأماكن في الرواية محدودا مقتصرا على أن يؤدي غرضه في الإحاطة بوجهة نظر غادة، فتتشكل الأماكن كجزء من فضاء متزامن، يتجسد عبر رؤيتها وذاكرتها البصرية، وعلاقاتها مع رشيد ونبيل ورشاد وبشكل أقل مع باقي الشخصيات، فالانتقال الزمني يتم غالبا عبر أحد هذه العلاقات، ويضبط الإيقاع بناء على تفاعلها معها، وبالأخص تقسيم الزمن التاريخي وتوثيق الأحداث فيه إلى حقب لكل علاقة، ولأن الانتقال يتم تلقائيا وبسلاسة، وبشكل يبدو عشوائيا فيعطي احساسا عاليا بالمونتاج مجازا، وربما يبدو ذلك واضحا في الفصل الأخير، حيث نرى سردا تناوبيا عبر الانتقال بحرية بين خط زمني متعلق بحدث جلوس غادة في القنصلية الفرنسية بانتظار دورها، فيتم الحذف والتنقل بحرية مع خطوط زمنية ومكانية أخرى، ويتنقل بنا الكاتب ما بين الكويت وعمان وطريق بغداد، لتنتهي غادة في صالون البيت متجنبة بقايا الرغوة على الأرض، التي تشكل عبر أجزاء الرواية ثيمة بصرية تتكرر .

إن كانت الرواية تقترب من الأسلوب السينمائي فإنها في واقع الأمر وعبر تعاملها مع الزمن والمكان وتجزئة وتشتيت الحدث، تقوم على التجريب، وهي تجريبية واقعية يدخل فيها التجريب مستوى إدخال الحقيقي مع المتخيل، خدمة لهذا المتخيّل، فنرى الشخصيات الواقعية تتفاعل في قصة متخيّلة لتأكيد الواقعية، كما فعل المخرج روبرت زيميكس في فيلم (فوريست جامب)، مع أننا في هذا الفيلم نسمع فوريست الراوي في البداية يخبرنا القصة، أما في روايتنا هذه فتغيب دلالات وضوح صوت الراوي في خدمة المنظور، ويصبح متواريا لدرجة يصبح معها الحوار ملتصقا بالوصف والحدث، مختفيا دون دلالات لفظية كأنما هناك شخصيات تؤديه على الشاشة، وللحق فإن هذا التشتيت ومع أنه يعزز حالة الشتات المركب التي تعايشها الشخصيات في الرواية، ويعلّق على الحالة الاجتماعية والسياسية التي تتناولها الرواية، إلا أنه يجعل عملية القراءة صعبة، وتحتاج منا إلى تركيز مضاعف، ومن الأرجح أننا سنستمد المتعة من القراءة عن الروايات التجريبية الصعبة أكثر من قراءتها  نفسها[8].

عندما قرأت هذه الرواية لأول مرة وجدتها تشبه كثيرا الأفلام اللاخطية التي كنت قد بدأت الحديث وأنا بصدد الاتفاق على تعريف لها، ولا يأتي هذا التشبيه جزافا فإحساس التشتت، الذي يصبغ أروقة كلماتها، يضفي عليها إحساسا بالنهاية حتى قبل أن تبدأ، فكما رأينا تأتينا عتبات نص هذه الرواية وعبر العنوان بتنبيه لما ستكون عليه، ولما ينتظرنا أثناء خوضنا في قرائتها، فكما هي  بقايا الرغوة تأتينا هذه الرواية أقرب إلى بقايا رواية. ولكن يحسب لهذه الرواية محاولتها تحريك المياة الراكدة في العديد من أساليب السرد الروائية المتداولة، التي تأخذ صفة القداسة برفضها للتجديد المنهجي المراعي للمعيارية، وكما يوضح كتاب الرواية الهزلية لسكارون عملية زوال القداسة التي فرضها الأدب السردي المعاصر على مجمع الأرباب العتيق[9]، فنأمل أن تعود الرواية لتقوم بدورها الحقيقي ووظيفتها في مجتمعنا، عبر توثيق ذاكرتنا البشرية والثقافية، وأن تكشف عن أبعاد ذاتنا الإنسانية.  

هوامش :   

[1] جهاد الرنتيسي، بقايا رغوة، البيروني للنشر والتوزيع،  عمان، 2021، ص 36 . 

[2] جهاد الرنتيسي، بقايا رغوة، البيروني للنشر والتوزيع،  عمان، 2021، ص 37 . 

[3] د. جهاد نعيسة، الرواية والسرود السمعية والبصرية: الرواية والسينما .. مسارات مقارنة، الرواية العربية .. ممكنات السرد، أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي الحادي عشر ج 1، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2008 ، ص (206 – 212) .

[4] د. صلاح فضل، أساليب السرد في الرواية العربية، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 2003، ص (8-11) .

[5] جهاد الرنتيسي، بقايا رغوة، البيروني للنشر والتوزيع،  عمان، 2021، ص 7 . 

[6] د. صلاح فضل، مرجع سابق، ص 205 .

[7] جهاد الرنتيسي، بقايا رغوة، البيروني للنشر والتوزيع،  عمان، 2021، ص 7 . 

[8] ديفيد لودج، الفن الروائي، ت ماهر البطوطي،المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002، ص 125.

[9] برنار فاليت، الرواية : مدخل إلى المناهج والتقنيات المعاصرة للتحليل الأدبي، ت عبد الحميد بورايو، دار الحكمة،الجزائر، 2002، ص 10 .

د. أحمد عقيل: سينمائي وأكاديمي أردني له عدد من الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة.

فن السينما بقايا رغوة رواية جهاد الرنتيسي و د. أحمد عقيل

خاص قناص

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى