كتاب «محمد الزواوي متعة السخرية»: كوميديا ساخرة في سيمفونية الألوان | عبد السلام الزغيبي

فاطمة غندور في كتابها «محمد الزواوي متعة السخرية» إضافة قيّمة للمكتبة التوثيقية عن فن الكاريكاتير الليبي

يوثق كتاب «محمد الزواوي متعة السخرية» تحرير الكاتبة فاطمة غندور٬ تجربة رسام الكاريكاتير محمد الزواوي (1935 -2011) باعتباره الفنان الذي مهد لنا الطريق للتعرف وتذوق فن الكاريكاتير، وأدهشنا بلوحاته التي استعرضت تقاليد وعادات المجتمع الليبي بسلبياته وايجابيته، بسخرية وحرفية رائعة.

 فمنذ كتابه الأول “الوجه الأخر” الذي تربع به الزواوي بجدارة في مكتبات البيت الليبي٬ إذ يعتبر أحد أهم رسامي الكاريكاتير في عالمنا العربي٬ فلو قادته الظروف للعيش في بلد آخر لأصبح من أعظم رسامي الكاريكاتير في العالم من دون مبالغة.

 شكّل الكتاب الصادر حديثاً عن دار نشر (مجموعة الوسط) اضافة قيمة للمكتبة الليبية التي تفتقد مثل هذه الاصدارات التوثيقية عن فن الكاريكاتير في ليبيا.

 أهدت المحررة غندور الكتاب إلى محمد الهنيد، أستاذ محمد الزواوي في المرحلة الابتدائية، وفؤاد الكعبازي، رسام كاريكاتير ورئيس تحرير مجلة المرآة التي تعني بالرسم الساخر، وكتبت مقدمة بعنوان “السيمفونية الزواوية” وهي مقسمة إلى خمس فقرات.

الكاتب الراحل يوسف الشريف كتب مقالاً بعنوان «محمد الزواوي مؤرخ الانسان»: «من السهل أن تكتب عنه، أيضاً من الصعب، الحل أن تكتب عنه كما يرسم هو، لا تعريفات ولا نظريات في فن الرسم، ولا مدارس ولا مدرسون، هو لم يتأهل من مدرسة أو نظرية معينة، كما لم يشرف عليه مدرس ويمنحه إجازة تخرج، لكن هذا لا يعني أنه لم يستفد من التجارب الأخرى، ثم بكيفية أخرى صار هو مدرسة، لا أقول متميزة لكنها مختلفة، ولعل في الاختلاف تميز، ففي البدء كانت الموهبة ثم الممارسة ثم الوعي، من هذا الوعي تشكلت نظرته للناس والحياة، ومنها تشكلت أسئلته، أسئلة اصطدمت بواقع اجتماعي متخلف، ومن هنا صار لكل سؤال عنده موقفا، تحول إلى مؤرخ لليومي في حياة الناس، هو جزء منها وشاهد عليها».

  تقترح المحررة  في مقدمة الفقرة الأولى «في مقترح التخرج» مسرحة لوحات الزواوي: في خطوط عريضة قدمتها لمشرفنا، ما أتذكره دفاعي عن لوحات مختارة للزواوي، وفرضية البحث التي تنشغل بالحكاية الدرامية تراجيدية سوداء أم كوميدية ساخرة على مسرح اللوحة، فيها الحدث الرئيسي والفرعي، والزمان والمكان، والإيقاع الذي يحقق الضبط والتوازن، كما التشكيل الحركي، والسينوغرافيا بعناصرها، هناك إضاءة وهناك إظلام، وظلال.

   وتضيف «هذه المقاربة عن مسرحية لوحات صاحب المدرسة الساخرة، كانت تعني لي كطالبة مسرح، تخيلت كيف رتب الزواوي شخوصه، وكتله، وكل تفاصيل بانوراما الحدث (الفكرة / الموضوع) الذي في ظني يكتبه، أو يمنطقه ذهنياً، ويتدبره بمخيلته، ذلك النص الذي يحيله بريشته إلى كتل بشرية وجمادات».

  وفي الفقرة الخامسة من المقدمة وتحت عنوان «الزواوي علم نفسه» تشير فاطمة غندور إلى أنه: «لا يمكن الحديث عن تجربة إبداعية من دون التطرق لمرجعياتها، التي تمثل الزوادة الأولى للخيال والوعي الجمالي والمعرفي، وعند الزواوي بيئته الريفية، وكتاب الطبيعة، وهو الموهوب منذ طفولته، العصامي من علم نفسه بنفسه، مذ اختلى راعيا بـ «وادي القطارة» قرب مدينة بنغازي، متفاعلا مع الطبيعة، حكى كيف أنه أتخذ من الصخور أرضية لرسوماته،ثم انتقى أعشابا بعينها ودقها مكتشفا عصارة اللون وأخلاطه، تلك الملهمات بانت لعين داعمه ومشجعه، معلمه محمد الهنيد، فمن سياحته بالطبيعة منفردا، سيدمجه بجلسات زوايا التصوف، هناك تأمل، المشاهد المزدحمة المتتالية مع من يأخذهم الوجد، فتصير حركاتهم متباينة على وقع الايقاعات، الزواوي يهتم بالحركة في كتلة على اللوحة، من يجري، من يدفع بشئ، من يقفز بغير توقع، بل حتى جماداته لا يتركها مصمتة (سخان الشاي، الأحذية، الحيوانات الأليفة، أسماك البحر،….) تتخذ مواقعها بلوحاته، بهندسة تتعمد إدهاشنا، وبث التعجب الضاحك، كيف تأتي له أن يؤنسنها فنتخيلها غاضبة محتجة، أو هاربة من يد لا تحبها، أو عارضة لنا موقفها، فننحاز لها!”.

  تستعرض المحررة، أول لقاء لها مع الفنان التشكيلي الكبير أثناء زيارته إلى كلية الفنون والإعلام بجامعة طرابلس وعن إجراء لقاء قصير معه ثم لقاء أخر يوم تكريمه، وفي سؤال أجابت عليه غندور في الكتاب بعنوان «لماذا هذا الكتاب»، قالت: يندرج كتاب محمد الزواوي في سلسلة استعادة الذاكرة الوطنية، عبر الإبانة عن رموز ليبيا الفاعلين في مسارب عدة، نأمل أن نقدم لذكراه بيننا، تحية وعرفاناً بجهده المُبرز في مجال الفن الساخر، الذي وصل به لمصاف العالمية وهو من قاد سيمفونيته التشكيلية “الساخرة” باقتدار، وإن غبن حقه، وإحياء أثره من بعده، كغياب دراسات تقرأ إرثه، وتبحث في آلياته الفنية عبر نصف قرن من ممارسته الرسم وبين زمنين، في لوحاته بخطوط الأبيض والأسود ثم نقلته للألوان وثراء التفاصيل فيها، فيصير من الواجب والدور أن نعرف به على مدى توالي الأجيال، وأنه مخلصا لريشته من ودع مرسمه، فتوفى وهو في ركنه يباشر عمله الذي يتقن ولم يمارس غيره”.

  الزواوي يهتم بالحركة في كتلة على اللوحة، من يجري، من يدفع بشئ، من يقفز بغير توقع، بل حتى جماداته لا يتركها مصمتة (سخان الشاي، الأحذية، الحيوانات الأليفة، أسماك البحر،….) تتخذ مواقعها بلوحاته، بهندسة تتعمد إدهاشنا، وبث التعجب الضاحك، كيف تأتي له أن يؤنسنها فنتخيلها غاضبة محتجة، أو هاربة من يد لا تحبها، أو عارضة لنا موقفها، فننحاز لها!”.

يضم الكتاب أيضاً دراسة موسعة للروائي إبراهيم الكوني، بعنوان: «الزواوي»، وهي مجموعة مقالات، منها «روح الطفولة خطوطه» الذي كتبها في وارسو شتاء 79، يروي فيها عن اللقاء والجلسات مع بعض شخصيات بولندا الثقافية، الذين عبرت عن إعجابها برسوم عبقرية فنان الكاريكاتير محمد الزواوي، المؤهل لان يحقق نجاحاً عالمياً لو لم يولد في ليبيا، حسب رأيه.

نقرأ أيضاً داخل مجموعة من الدراسات والمقالات حول رسومات الزواوي كتبها عدد من الكتّاب الليبيين والعرب من بينهم: يوسف الشريف، أحمد إبراهيم الفقيه، فتحي العريبي، منصور بوشناف، والكاتب الفلسطيني رشاد أبو شاور، والشاعر التونسي المنصف المزغني، والتشكيلي السوري رائد خليل، والناقد أحمد الفيتوري وطارق القزيري وطارق الشرع وابتسام اغفير. والكاتب الراحل يوسف الشريف الذي كتب  بعنوان «محمد الزواوي مؤرخ الانسان»: من السهل أن تكتب عنه، أيضاً من الصعب، الحل أن تكتب عنه كما يرسم هو، لا تعريفات ولا نظريات في فن الرسم، ولا مدارس ولا مدرسون، هو لم يتأهل من مدرسة أو نظرية معينة، كما لم يشرف عليه مدرس ويمنحه إجازة تخرج، لكن هذا لا يعني أنه لم يستفد من التجارب الأخرى، ثم بكيفية أخرى صار هو مدرسة، لا أقول متميزة لكنها مختلفة، ولعل في الاختلاف تميز، ففي البدء كانت الموهبة ثم الممارسة ثم الوعي، من هذا الوعي تشكلت نظرته للناس والحياة، ومنها تشكلت أسئلته، أسئلة اصطدمت بواقع اجتماعي متخلف، ومن هنا صار لكل سؤال عنده موقفا، تحول إلى مؤرخ لليومي في حياة الناس، هو جزء منها وشاهد عليها.

فن الإضحاك من سلوكيات الناس وتسليط الضوء على مشكلاتهم، ليس فقط من أجل السخرية فحسب، بل تكمن خلفه رسالة، أراد الفنان أن يوصلها.

وفي وداع الزواوي تأتي مرثية الكاتب الفلسطيني رشاد ابو شاور، الذي كتب: «وحيدا في مرسمه، صامتاً لا يكلم أحداً، ولا يرد على الهاتف، انزوى الزواوي مقهوراً، وهو يرى بلده يدمُر، وينتهك، ويخرُب، وناسه يعيشون في رعب، ودم أهله ينزف».

وأضاف أبو شاور: «كنت دائما أسمع صديقنا الراحل الكبير ناجي العلي، وهو يتحدث عنه بحب وإعجاب، وقد تواعد معه على إقامة معرض مشترك، ولكن ناجي رحل برصاص الغدر والخيانة، فرثاه الزواوي بلوحة لا تنسى، وظل يتحسر لانهما لم يلتقيا في معرض واحد، وعوًض الزواوي بلوحته المرثية التي كانت تعرض في كل معارضه وفاء لصديقه الذي لم يلتق به».

في الكتاب نطلع على الانطباع الذي خرج به الفنان التشكيلي العراقي وليد نايف محمد،الذي مكث أياما ضيفا في بيت الزواوي وكتب مقابلة أجراها معه عام 1994، نشرها بعد وفاة الزواوي، كتب في مقدمتها: «مثلما لا يمكن الحديث عن الشعر العربي دون المرور بالمتنبي فلا يمكن لأي باحث أو معني بالكاريكاتير العربي ألا أن يمر عبر الزواوي الفنان العربي الليبي الكبير». 

 

يصف الشاعر التونسي منصف المزغني بين طيات الكتاب: «ريشة محمد الزواوي، بأنها كانت طائراً واسع الجناحين، ظلت توجُه سهامها النقدية في بلاده وخارجها، وهو يعد من جيل الكاريكاتوريست العمالقة الذين عرفته الصحافة العربية منذ الستينيات، وكانت رسومه منتظرة».

  يضم الكتاب أيضاً محاورات قيمة أجراها الصحفيون: وليد نايف وفتحي بن عيسى وأحلام الكميشي وفاطمة غندور مع الفنان الراحل وملاحق لرسوماته ومقدمات كتبه٬ إضافة إلى لوحاته٬ وهي «الوجه الآخر وأنتم ونواقيس» وخاتمة كتبها الصحفي والوزير السابق عبد الرحمن شلقم، بعنوان: «الزواوي.. معزوفة اللون التي لا ترحل» يروى فيها حكايات عن فترة عملهما معاً في صحف مختلفة، يقول في مقدمتها: «الفنان المبدع محمد الزواوي، عزف بالألوان ملحمة المجتمع الليبي، غاص في جيولوجيا تكوينات المزاج الليبي، وتجلياته في الأفراح والأتراح، بعفوية الألوان، تطابق عفوية الزردة، والزحمة والغضب الطافح من الرجال والنساء. زخرف (النمط) الليبي، الرجل البدوي بالشنب والعصا، والجرد المتجبر على من حوله وبهم في ذات الوقت».

 ما تعلمناه من فن الكاريكاتير عند الفنان الزواوي هو أن فن الإضحاك من سلوكيات الناس وتسليط الضوء على مشكلاتهم، ليس فقط من أجل السخرية فحسب، بل تكمن خلفه رسالة، أراد الفنان أن يوصلها، علها تنجح في إصلاح الكثير من العيوب الكامنة، بدافع الحب لهذا المجتمع وليس من أجل أدانته لمجرد الإدانة وكشف عيوبه للآخرين.  نحت محمد الزواوي بريشته وقلبه وفكره وجدان الشعب الليبي عبر مسيرة تجاوزت أكثر من نصف قرن من العطاء، فكانت كل لوحة تاريخاً وتوثيقاً عكس حياة الناس ورصد الأحداث  والتغييرات التي مر بها المجتمع، سلباً وإيجاباً. لهذا أعتبره الناس فنانهم الأول، الذي عبر عن قضاياهم وهمومهم اليومية ببراعة وعفوية.

عبدالسلام الزغيبي: كاتب ليبي

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى