حواراتمسارات

حوار مع الشاعر العراقي ماجد موجد: كيف تتحقق الدهشة الشعرية؟

يقول الشاعر الفرنسي جان كوكتو: إن الشاعر الحقيقي مطالب دائماً أن يدهشنا بما لم نعرف من قبل، ولا يمكن أن يكون مثل ذلك الساحر التقليدي الذي في كلّ مرة يخرج لنا أرنبا من قبعته

حوار مع الشاعر العراقي ماجد موجد

حاوره: إبراهيم فوزي

ماجد موجد شاعر وكاتب عراقي، من مواليد 1971. عمل في الصحافة العراقية، وتولى منصب محرر الصفحة الثقافية في جريدة الصباح (الجريدة الوطنية الرسمية العراقية). صدر له العديد من المجموعات شعرية بالعربية في العراق ومصر. هاجر من العراق بسبب العنف الذي استهدف الصحفيين، وعاش في مصر لمدة خمس سنوات، ثم انتقل إلى دبلن بأيرلندا منذ عام 2015. حصل ماجد موجد على عدد من الجوائز في العراق وأيرلندا. يدعو موجد في كتاباته القراء إلى التفكير في الحياة والحب والسلام من خلال إدانة الحروب وما تسبببه من دمار. قصائد موجد مشبعة بالحب حتى وإن صورت الحب.

هنا حوار معه …

*ما هو تعريفك للشعر؟ وإلى أي مدى يعد الشعر قادراً على التغيير؟

ذلك الشعور الذي يتدفق من بؤرة الفن، من كلِّ ما هو جمالي مضيء وخلاق. الشعر هو ذلك الشيء الذي يحمل جينات الصيرورة البشرية الصافية، ويخاطبها بكل أمثلتها الإلهية، وبنصوص نواميسها القارة في أصل الوجود. إن شعراً مثل هذا بكلِّ تأكيد سوف يترك أثراً واضحاً بمزاياه الجمالية والفنية المبتكرة، أثراً يجعل رؤيا الوعي أكثر اتساعاً وعمقاً، أكثر توهجاً للذهن في إدراك الحقيقة، واستيعابها، وتقبل عواقبها. بالتالي، من خلال هذا التأثير يكون الالتفات للجوانب الإنسانية له الأولوية قبل أيِّ خيار عنفيٍّ آخر أو أيِّ سلوك متخلّف ومضطهِد للإنسان. عندما نقول الفن يغير العالم فنحن نقصد يغيّر الإنسان، والإنسان يمكن لطريقة تفكيره وثوابته الأخلاقية غير السليمة أن تتغير. كذلك، يمكن تغيير مناخ فهم التلقي الثقافي والفني؛ حيث يسعى المبدع الخلاق دائماً الى خلخلة نظم الفهم والمعرفة الاجتماعية والاخلاقية من خلال عمله لصالح تسيُّد قيم العدالة والشراكة في الخير والعطاء.

*كتبت أنه لا يمكن للشخص أن يفهم الحياة بالكامل دون تجربة الموت. هل يمكنك مشاركة أفكارك حول الترابط بين الحياة والموت؟

لدي علاقة غريبة مع الموت حددتها ظروف بعينها واستمرت إلى فترات طويلة. حدث هذا لأول مرة -ولا أنسى ذلك- وأنا في سن السابعة عندما ماتت أختي التي تصغرني بعامين بسبب تفاقم إصابتها بمرض شلل الأطفال، لقد رأيتها ممددة على مصطبة المغتسل، ثم لُفّ جسدها الهش الأصفر بقماش أبيض. أتذكر كيف حُملت إلى المقبرة، ووضعت في حفرة صغيرة، وأُهيل عليها التراب، ذلك الانهيار المروع الذي أصاب عائلتي بسبب موت أختي جعلَ سؤال ما الموت؟ يمتص كلَّ حواسي في اليقظة والمنام حتى أكل شيئاً من صفو بهجتي وبراءتي. بعد عامين من وفاتها، اندلعت الحرب بين العراق وإيران. التهمت نيران تلك الحرب اللعينة على مدى ثمان سنوات الكثير من أقاربي وجيراني. ومن الظروف الغريبة أيضاً أن يكون مغتسل الموتى قريباً من منزلنا، ولذلك كنت -وأنا في العاشرة أو أكبر قليلاً- أرافق جنازات قتلى الحرب ممن أعرفهم وحتى الذين لا أعرفهم أحيانا لأتحرى ما يفعله الموت بهؤلاء الناس. هناك أتأمل التوابيت التي تحمل أجسادهم المصابة بإصابات مروعة، نادراً ما أرى جثة أحدهم كاملة بينما في أحيان لم يكن في هذه التوابيت سوى رأس الجندي القتيل وبقايا أعضائه. بعصف غريب يضرب الروح والقلب كنت أرى الأشخاص الذين أعرفهم كيف تحولوا إلى قطع ممزقة منتهَكة وبشعة فقدت جمال وسمات شكل البشر، لا أظن أن أحداً بعمري يمكنه تحمل مثل تلك المشاهد المروعة دون أن يصيبه الجنون، لكن مشاعري كانت في وادٍ آخر.

*هذا أمر فظيع! كيف أثّر الموت على كتاباتك؟

حسناً، أنا الشخص الذي امتلأت طفولته وشبابه بكل رعب الموت الشنيع ذاك. هل كنت خائفاً؟ أبداً! فقط كنت حزيناً وغاضباً ومنفعلاً ومتسائلاً أي أسباب تلك التي تستحق أن يسحق البشر بعضهم بعضا هكذا؟ لكن في الجانب الآخر -وهذا بشكل مبكر- أعطاني فكرة جوهرية وهي التعلق بالحياة وتقديرها، التمسك بكل لحظة منها وفهمها والتأمل في مزاياها وجمالها. طبعاً، لا أريد أن أتورط أكثر في سرد ما رأيت من عنف بشع وكارثي بعد ذلك، سواءً كان ذلك في حرب الخليج الأولى عام 1991 إبان دخول العراق الى الكويت وما تبعها من دمار في كل مبنى وقلب، أو في حرب اجتياح أميركا للعراق عام 2003 وما سببته من دمار حقيقي لكل ملامح الدولة لتشتعل في خضم ذلك الخراب الحرب الطائفية التي حدثت ما بين 2006 و2008.

في تلك الفترة كانت هناك مجازر شبه يومية وحفلات شواء بشري في الأسواق والأحياء بالسيارات المفخخة والعبوات والأحزمة الناسفة التي يرتديها الانتحاريون ويفجرونها بين حشود الناس المدنيين العزل، لقد نجوت من بعضها بأعجوبة، لكنها أخذت الكثير من الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل. هذه هي علاقتي التي يصعب وصفها مع الموت.

*نقرأ في مطلع كتاب الهوامش (الحب هو أن يكون لديك امل). ما العلاقة بين الحب والأمل، من وجهة نظرك؟

في الواقع، كان من الممكن أنْ أقلب هذا الاستنتاج وأقول (الأمل هو أن يكون لديك حب). لا انفصال بين الأمل والحب، كل منهما في مسار لإتمام الآخر، وهما مسبار للوصول الى غاية بعضهما. في الفلسفة الشرقية الروحية، كل محبة بما فيها تلك التي تتجلى لله تحتاج إلى جهد وتمارين جادة لكي تظل عالقة ومتواصلة بعمق. على قدر المداومة بتحمل ثقل شعور الصبر وتدريب النفس على عدم الانصياع الى الشهوانية تشرق الخفايا السرية للمحبة وتزداد مسراتها وغايتها الأبدية. هذه الغاية، أعني غاية الوصول إلى هذه المحبة، تحتاج إلى أمل، وهذا الأمل بحاجة إلى المحبة لكي يكون ويتواصل ويتم، بقدر قوة الأمل يتحقق الحب، وبقدر قوة الحب يكون الأمل ويظهر أثره، ولعل تلك الميزتين لهما حضور واضح في مهمة الشعر والفن بشكل عام، الأمل في الإبداع الخلاق من أجل المحبة، والمحبة العالية في الحضور والجود من أجل الأمل.

*أيضًا، ينتهي الكتاب بعبارة: (حتى تكبر القصيدة ويصير فيها شعر). كيف يتحقق الشعر؟

ليس بالضرورة أن يتحقق الشعر بتخطيط من قِبَل الشاعر. ربما يحدث في بعض الأحيان مثل هذا الأمر، ولكن في أحايين أخرى يتسلل الجوهر الشعري ويفرض وجوده دون تخطيط بعينه. ذكرت ذلك في مقال عن الاختلافات العميقة في عملية التعبير الشعري الفني بين ما تنتجه حكاية القصيدة، وبين ما تصنعه العلاقات الخاصة والحساسة بين الكلمات، ونوع هذه الكلمات من كينونة شعرية متوهجة من خلال مجاورات خلاقة ومختلفة عن المجاورات التي يتطلبها الكلام المعياري؛ وهي كينونة جمالية موازية للكينونة الجمالية المفترضة في مضمون القصيدة السردي. في بعض الأحيان يكتفي النص الشعري بحكايته الشعرية أي مضمونه السردي دون أنْ تكون هناك فعالية لغوية شعرية. فيما يخص علاقتي أنا وفهمي للتعامل مع اللغة بوصفها وسيطا للتعبير عن شعور النص وفكرته.

*ما علاقتك باللغة، وكيف تعمل على قصائدك؟

 في أكثر الأحيان، أقفز بالتوهج الشعري الذي تحدثه المجاورات الجمالية للكلمات على جسد حكاية القصيدة لتشتيته بطريقةٍ حذرة آمل فيها عادة إشراك المتلقي في متعة الكشف والتواصل الخفي للقبض بلذة على الفكرة الجمالية. تغريني كثيراً فكرة الكيمياء الساحرة التي تسببها اصطدام كلمة بأخرى بشكل مفاجئ، ويكون المجاز الذي تحدثه غير متوقع. دائما أحاول أن أفلت من التكرار بخلق مجاورات جديدة وأي اشتغال من هذا النوع جرى تداوله أحاول تجنبه بقوة، حتى المجازات التي ظهرت من اشتغالي الخاص أبقى مخلصاً في محاولة عدم تكرارها. هناك مجازات تموت؛ أعني هناك استخدام غير معياري للغة، وهناك استخدام مجاورات مختلفة لكنها من كثرة استخدامها تفقد بهجتها وسحر تفردها. وعلى ذكر السحر يقول الشاعر الفرنسي جان كوكتو: «إن الشاعر الحقيقي مطالب دائماً أن يدهشنا بما لم نعرف من قبل، ولا يمكن أن يكون مثل ذلك الساحر التقليدي الذي في كلّ مرة يخرج لنا أرنبا من قبعته». أنا في الواقع لا أحفل إلا بالقصيدة التي تحملها آليات بناء مبتكرة تتمثل الحداثة الحقيقية المتطورة باستمرار وبالتالي مضمونها يكون خلاقا ومبتكراً، ولا أملُّ من مطاردة التجريب الإبداعي الحقيقي.

*كيف تصف حياتك الكتابية. هل تنتظر وصول الإلهام ثم تكتب؟ أم أنك تجلس على كرسيك وتستمر حتى تبدأ في الكتابة؟

يقول نيتشه: «نحن نهرب الى خيال الفن من عذاب الحقيقة». وفي مكان آخر يقول: «لا يوجد فنان يطيق الواقع». كأن الكتابة، ببساطة، محاولة لتقبُّل الواقع والمضي قدماً في ممارسة الحياة. هذا فضلا عن الكشف عن كل ما يعتري الحياة من صعوبات وخلل في فهم مقاصدها الشائكة. الطفولة، والحرب، والموت، والحب، وكل الارهاصات التي تتشظى من هذه العناصر ومما علق ويعلق بها في الفكرة تتجلى في أحايين لا ميعاد لها وتخترق الروح والقلب وتحتك بكل كدرها وتوهجها في خفايا تكوين الذات وصيرورتها ومواقفها. ومن ثمَّ، في تلك اللحظة التي يهتاج فيها كل هذا الكورال الشعوري بين خفايا اللاوعي وصحوة الوعي يسطع الشعر. ولكن لا تحين كتابته دائماً في لحظة تدفقه، لابد من محفز ما يستل الدفق الشعري، ربما يكون أن تقرأ قصيدة ما في كتاب، أو ترى منظراً، أو تشم رائحة، أو تسمع مقطعاً موسيقياً أو أغنية. ولكن هل يمكن أن تشع حاجة الكتابة دون مؤثرات؟ نعم يمكن. دعني أقول لك الأمر شائك للغاية في الشعر تحديداً، في أنواع الكتابة الأخرى يمكن أن يكون الأمر أكثر انتظاماً، أما في حالة الشعر، لا يمكن أن ينتظم ميقات الكتابة وتجلياتها. بالنسبة لي الأمر فوضوي. لقد قرأت سير العديد من شعراء العالم وعرفت أنهم يستغرقون في طقوس كتابة جنونية.

في السابق، كان معنى كتابة قصيدة هو أن يتجلى لك موضوع واحد ولذلك عندما يأتي الإلهام تكتب القصيدة كاملة بما يتطلب موضوعها. أنا الآن بين الحين والآخر، أكتب أفكاراً ومقاطع أدونها في هاتفي. لا أعرف متى يأتي هاجس آخر لأكملها وأرتب الأفكار وأجعل لها شكلاً متفرداً وغير مكرر كما أريد، وحين لا أجد أدعها وأعود لها مرات كثيرة حتى انتهي منها، ربما في آخر المطاف أمحو مقاطع كنت أظنها الأجمل، وأغيّر مكان مقاطع، وأضيف لمسات لم تكن في لحظات التجلي الأولى. تعرف، أحياناً، عندما أعود لقراءة القصيدة بعد كل هذا الجهد ومحاولات الإصلاح أقوم بمحوها تماما. ربما أكتب قصيدة في يوم واحد أو خلال أسبوع، وربما يأخذ مني الأمر وقتا أطول. أدع قصيدة دون أن أكملها وأشرع في كتابة قصيدة جديده. هذا هو ديدن العقل النقدي في كل مبدع حقيقي، عادة لا يقتنع بسهولة. وأظن أن شيطان الشعر متلبس بي بشكل أكثر جدية من مجرد كتابة يفرضها موضوعها. في الكتابة الأخرى، أية كتابة، الأمر مختلف. أحياناً لا يحتاج الكاتب المبدع الموهوب سوى فكرة وجهاز كمبيوتر. وأهم شيء أن يبدأ، وربما يبقى مستمراً يكتب بلا انقطاع حتى ينتهي من عمله. أقول (أحياناً)؛ لأن أمر الإبداع في الفن بشكل عام إنما هو وهج من الجنون، وتفرد في سعة المخيلة، وثراء في المعرفة الثقافية. كل ذلك يصل بالمبدع أحيانا إلى تقلبات مزاجية تعيق روتينه، سواءً كان في الوقت أو المكان أو أية آليات يتبعها.

*****

إبراهيم سيد فوزي مدرس مساعد الأدب الإنجليزي بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب بجامعة الفيوم. حصل على جائزة iRead فرع مراجعات القراء لروايات نجيب محفوظ في عام 2021.

خاص قنّاص – حوارات

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

تعليق واحد

  1. حوار ثري وملهم مع الشاعر ماجد موجد، يكشف عن عمق تجربته الإنسانية والشعرية، وكيف صاغت الطفولة والحرب والموت رؤيته للحياة وللغة. إجابات تحمل صدق الاعتراف ودهشة الاكتشاف، وتضع الشعر في قلب معركة الجمال ضد العنف والخراب. قراءة هذا الحوار تشبه الدخول إلى ورشة شاعر حقيقي؛ حيث تتجاور الفلسفة مع الحساسية المفرطة، والتجريب مع الوفاء لجوهر القصيدة. شكرا لإبراهيم على هذا الحوار، وشكرا للمجلة على نشره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى