ما يدين به الفن اليوم لبول سيزان | عزالدين بوركة

الصورة: الفنان بول سيزان

«إن سيزان عظيم سواءً في قلة براعته أو في عبقريته»

 – بيكاسو –

سيزان والتكعيبية

تدين العديد من تيارات الفن في القرن العشرين، إن لم تكن جلها، بالكثير لبول سيزان (1839-1906). هذا العبقري الذي عانت تجربته، في بداياتها، من التجاهل. قبل أن يُنصفه الزمن والتاريخ. إنه بالنسبة للكثيرين مكتشف أرض الذهب الأسطورية، الأرض المفقودة، إنه ذلك البحار المغامر الذي قاد سفن الفن إلى عوالم غابرة ووعرة مليئة بكنوز غير مسبوقة الرؤية والحدس.

رأى فيه النقاد والمؤرخون والفنانون، سواء الذين خبروا تجربته في آخر سنوات حياته أو الذين جاؤوا من بعده، على أنه الأب الروحي للانعطاف الجمالي الكبير الذي حدث على مستوى الفن التصوير الصباغي في القرن الماضي. على مستوى تيارات فنية كبرى أهمها ما بعد الانطباعية والتكعيبية والوحشية والتجريدية والتعبيرية التجريدية وغيرها… إذ سيقول بول سيزان لزميله إميل برنار E. Bernard، أن “كل الأشكال التي توجد في الطبيعة يمكن معالجتها في فلكة (كرة) sphère أو مخروط أو أسطوانة، فكلها توضع في منظورية”[1]. ينبغي البدء من هذه العناصر الأساس، لنستطيع من بعد ذلك القيام بما نريده، إذن. فلا ينبغي إعادة نقل الطبيعة، بالنسبة لهذا الفنان، لكن تمثيلها بواسطة عناصر الأشكال والألوان.

التقط رواد الفن التكعيبي هذه النظرية السيزانية.. لهذا توجد علاقة وطيدة بين رؤية سيزان للفن وما أحدثه من ثورة كوبرنيكية فيه، وما أراد التكعيبيون الانطلاق منه. إذ سيؤكد بيكاسو بأن ما فعله سيزان بالواقع “يُعدّ تقدما أكبر وأهم مما فعلته الآلة البخارية”. وقد سبق وأن تعرف رائد التكعيبية على مرشده من خلال عمله الصباغي “المستحمات الثلاثة” سنة 1899، في بيت هنري ماتيس، الذي كان يمتلك هذا العمل.

نلمس عند التكعيبيين، تلك البساطة التصويرية التي انتهجها سيزان واتبعها كل من ماتيس وديران Derain. فعند مقاربة السيدات المستحمات لسيزان –وهي سلسلة أعمال صباغية- وآنسات أفينيون Les Demoiselles d’Avignon لبيكاسو، يتضح لنا جليا تقاطعات مدهشة بين المنجزيِن: يجعل سيزان من الخطوط التي تمر عبر جذعيْ شجرتين خيمة (وهمية) تحيط بالنسوة، بينما تتحول تلك الخطوط في لوحة بيكاسو إلى ستارة للخلفية. ويمكننا أن نلحظ وضعية النسوة، التي تتشابه في كل من اللوحتيْن. وخاصة عندما نقارن لوحة الفنان الإسباني مع لوحة المستحمات (التي رسمها سيزان عام 1885). إذ ومنذ المعرض الذي أقيم في صالون [الخريف]، [سنة 1904]، كان سيزان قد أصبح فنانا حديثا ومحبوباً. وكان براك [جورج] يسعى إلى مصالحة سيزان مع بيكاسو، في حين تابع ديران أسلوبه المنفصل والمرتكز على أسلوب سيزان والمذهب البدائي، بشكل أكثر ارتباطا بالنحت وأقل غنى بالألوان من الوحشيين. وعمل بيكاسو على نسخ أخرى من مستحمات سيزان، وهذا أدى إلى سلسلة لوحات ورسوم مجملة بلغت الذروة في أعمال من مثل “ثلاث نساء“. (…) و[هذه اللوحة] هي، رغم كل شيء، حركة أخرى في اتجاه الأشكال الهندسية أكثر صرامة مما في لوحة “آنسات أفينيون[2]. لقد أعاد بيكاسو دراسة سلسلة “السيدات المستحمات”، ضمن تخطيطات ورسومات أولية في دفاتره. ليعيد تركيب النسوة عبر ما طوّره من رسومات تكعيبية وما التقطه من سيزان (من مربعات ودوائر، من جهة الوجه والجانب). فحتى تلك المرأة المستحمة والجالسة في عمل سيزان، حوّلها صاحب “آنسات أفينيون” إلى آنسة إيبيرية الملامح، لكنها قادمة من لوحة “الحريم”الدولاكروية: “نساء جزائريات”.

روح سيزان في الوحشية والتعبيرية

لقد شكلت تجربة بول سيزان تجربة ثورية في تاريخ الفن،  لأنها عكست رؤيته الحداثية في التصوير الصباغي، فنا غير مسبوق، بهذا المعنى. إذ لم يعد يتكئ التصوير الصباغي مع سيزان، على التَوْهيم، لكن على هندسية بصرية picturale، استطاعت أن تتجاوز المنظورية العلمية، وتخترق نقط التلاشي المعتادة، وأيضا تخطت كل تلك التفاصيل الدقيقة والمضامين البصرية السردية القديمة… فعبر اشتغاله العصامي وبحثه المنعزل، ابتكر هذا العبقري نوعا من الرؤية “الروحانية” للطبيعة، وهو الذي اعتبر الفن تناغما يوازي الطبيعة.

لم يقتصر فضل سيزان على التكعيبيين ومدرستهم فحسب، لأن نظرياته وجدت صدى عند الوحشيين أيضا. هؤلاء الذين أسسوا فنهم احتفاءً باللون الخالص، ويُعتبر توجههم أول ثورة فنية حقيقية في القرن الماضي. وإن لم يشكل مدرسة ذات منهج ونظرية، لكنها نتجت عن اقتران عفوي لعدد معين من الفنانين تحركهم النوايا نفسها، ومحملين بالرغبة في تجاوز كل تلك الحركات التي بدأت في الخمود أو خمدت نيران لهيبها. حدث ذلك سنة 1905 في صالون الخريف، حيث التف حشد من الفنانين التصويريين حول ماتيس، مدركين لتقارب وجهات نظرهم الفنية، فأظهروا أنفسهم إلى العلن كقوة متفجرة. مشكلين نوعا من “الفضيحة” المعلنة أو الصدمة. وهو ما دفع أحد النقاد –الناقد لوي فوكسيل Louis Vauxcelle- من باب السخرية، أن يلقب صباغاتهم بالوحشية.. وقد أخذ رواد هذا التوجه هذا اللقب، كرد فعل معاكس من لدنهم على انتقاداته لأعمالهم. وقد امتازت الوحشية بجدّة أشكالها المبسطة، التي تحد بينها خطوط واضحة للغاية، مع جرأة كبيرة في استعمال الألوان عبر نوع من “العنف” والحيوية: فن قائم على الغريزة، كما يصفونه.

جاءت، إذن، الوحشية، ضد المتعارف عليه عند الانطباعيين المحدثين أنفسهم، وضد كل السائد بخصوص الألوان والأشكال في الفن… وهو ما بدأه سيزان بالتحديد. وفي هذا الصدد يمكن ربطها، أيضا، بالتعبيرية التي ظهرت في ألمانيا في الفترة ذاتها. هذه النزعة الفنية، التي يخبرنا المؤرخ الفني ويلهلم وورنجر wilhelm worringer، بأن تجربة بول سيزان كان لها الأثر الكبير عليها، بل قد صنفه ضمن روادها إلى جانب إدفارد مونش وفان غوخ وماتيس… قبل أن تتخذ الصفة الألمانية نعتا لها في ما بعد. وفعليا قد عكس معرض Sonderbund بمدينة كولونيا Cologne، سنة 1912، التأثر الصباغي الهام والواضح، الذي طبع ثورة التعبيرية، بتجارب كل سيزان وفان غوخ وحتى غوغان، هؤلاء المصنفين برواد ما بعد الانطباعية.

بالتالي، شكلت “روح” سيزان مصدر إلهام مهم لكل من التعبيرية والوحشية، وبالمقابل تأثر ماتيس هو أيضا بتجربة هذا الرائد الحداثي، إلى جانب ديران أيضا، والذي نلمس هذا التأثر في لوحته “الرقصة ” La Danse (1906). ومن ثم بيكاسو كما سبق وذكرنا… وغيرهم، ما يجعل من صاحب “المستحمات” ذا فضل كبير ومهم في جل ما سيأتي من بعده من تيارات الفن التصويري الصباغي.

تناغم الفن والطبيعة

لم يأتِ سيزان ليخون الطبيعة تصويريا، أو حتى لينقلها، بل ليعيد لها الاعتبار فنيا. وقد اكتسى منجزه طاقة وحيوية، نابعيْن من التهميش الذي تعرض إليه في بداياته، ليحول العزلة والانعزال إلى شحنة متفجرة، وأيضا استمد الأمر من البحث عن التفرد، كنوع من تحدي كل من همشه. ما جعله فنانا واقعيا أكثر من الواقعيين، وطبيعيا بطريقته الخاصة، لا التي أراد رؤيتها صديقه إميل زولا. إذ سعى إلى ملامسة تلك المشاعر الدقيقة، القابعة في ما وراء “الأحاسيس الصغرى”، وهذا ما لم ينتبه إليه صاحب رواية “المنجز”. فقد أبصر سيزان ما لم يراه الانطباعيون وما لم يقدر أن يعبر عنه الطبيعيون. وقد سبق وكتب المفكر والناقد الفني الانجليزي كلايف بِل Bell، في أوائل القرن الماضي، بأنه “بدون سيزان ربما كان توقّفَ الفنانون ذوو العبقرية والموهبة الذين يمتعوننا اليوم بدلالة أعمالهم وأصالتها، ولبثوا حبيسي المرفأ إلى الأبد لا يتبينون هدفهم، ولا يملكون خريطةً ولا دفة ولا بوصلة. إن سيزان هو كريستوفر كولمبس لقارة شكلية جديدة. وُلِدَ سيزان عام 1839 في إكسان-بروفانس Aix-en-Provence، وظل أربعين سنة يرسم بدأبٍ على طريقة أستاذه بيسارو Pissaro. وبدا في نظر ذلك الحين، بقدر ما بدا على الإطلاق، انطباعاً صغيرا موقَّراً، معجبا بماني Manet، وصديقا إن لم يكن تابعا لزولا Zola، وتلميذا مخلصا خامل الذكر. لقد وقف سيزان إلى الجانب الصحيح، أعني بالطبع جانب الانطباعية، أي جانب الفنانين النزهاء، ضد الآفات الأكاديمية الأدبية. لقد اعتقد في فن التصوير، واعتقد أنه يمكن أن يكون شيئا أسمى من مجرد بديل مكلِّف للتصوير الفوتوغرافي، أو رفيق متمِّم للشعر الرديء. لذا كان سيزان عام 1870 واقفاً إلى جانب العلن ضد الابتذال (الإسفاف) العاطفي”[3].

لقد عبّر منجز سيزان عن حيوية طبيعية وأحاسيس صلدة، حوّلها إلى كيانات ملموسة وقابلة للمشاهدة عبر صباغته، عبر طريقته التي ابتدعها في عزلته، بعيدا عن أي انزياح وانجراف صوب ما كان يراد منه إتباعه. لقد بنى عالماً يضمن كل من شكله وبنيته ولونه الدوام والكينونة. عامرا بالدلالات وهو ما قاد كلايف بِل لاعتبار سيزان أهم اسم فني في القرن التاسع عشر، وأن صداه ودَيْنهُ سيظل قائما في كل ما سيأتي من بعده.

قاده بحثه الفني هذا إلى إيجاد اختيارات بديلة للتصوير، فالسماء والبحر والأشجار والمنازل… في مشاهده الطبيعية، تتمتع بالقوام نفسه والقوة ذاتها، معالجا الطبيعة عبر أشكال هندسية، سوف تجد طريقها إلى باقي التيارات التي وُلدت في منعطف القرن العشرين. جاعلا من الفن تناغما موازيا للطبيعة. لا ينقلها أو يحاول مضاهاتها، بل إنه يمشي وإياها جنبا إلى جنب. وقد شكلت رؤيته الفنية هذه ثورة سابقة عما توصل إليه التكعيبيون، غير أنها ظلت مخلصة لثلاثية الأبعاد وإن كانت منفلتة من نقط التلاشي.

أشكال سيزان التجريدية

ضمت هذه الهندسة التصويرية، أشكالا ثنائية الأبعاد من مربعات ومثلثات… إلى جانب تلك الأحجام المشار إليها. وهي التي سوف تجد طريقة إلى الفن التجريدي، وضمن أعمال التجريديين سواء الهندسيين أو الغنائيين، على حد سواء. وقد كان أيضا السباق إلى ربط تلك علاقة “الروحانية” بين الشكل واللون. وأليس سيزان هو القائل: “عندما يكون اللون في كامل ثرائه، يكون الشكل في كامل امتلائه”. وهذا القول هو الرؤية الجوهرية الذي استكانت عليه التجريدية في بعدها الروحاني. إذ في الفن التجريدي، تنتهي الألوان والأشكال بتحرير نفسها من النظام المرجعي، الذي هو العالم الخارجي للأشياء.

يذهب في هذا الصدد مجموعة من المؤرخين، الذين يرون بأن البحث الممنهج من أجل عالم مجرد، قد بدأ مع تلك المشاهد الطبيعية والطبيعة الصامتة لسيزان. معيدا عبرها تركيب الطبيعة، من خلال بنية تحليلية للأجسام الفضائية الحجمية، بدل صياغتها من نموذج، إذ يعيد بهذا سيزان تحديد أولويات الترتيب التصويري، معتمداً لذلك على مفردات مجردة. ولم يسعَ إلى إعادة وإنتاج الطبيعة من خلال نقل أو محاكاة، بل إلى تمثيلها، أي تحويلها إلى معادل تصويري مستقل بذاته.

لقد حرر سيزان اللون من قبضات الرسم dessin، مشيدا لوحاته انطلاقا من اللون عينه مباشرة، حيث لم تعد تأويلا مختلف الأشكال خاضعة إلى القاعدة الأساس لفن التصوير التشخيصي القديم: لعب الظل والضوء. وهو ما استثمره التجريديون جيدا، وخاصة في التوجه الغنائي، حيث يصير للّون كامل حضوره متحررا من تبعيته للأشكال. فبالنسبة لهذا الفنان الفرنسي، ينبغي الإعلاء من اللون في ذاته، معتقدا بأن الموضوع والتفاصيل، مجرد ذريعة فحسب. وهذا ما ساعد كل من التجريديين والتكعيبيين قبلهم، هندسيا وتحليليا، للتحرر من قيود التمثيل و”الحضور”، من أجل السعي نحو “الإظهار”. فاللوحة يمكن أن تفقد الإشارة إلى الواقع المرئي دون أن يحدث فيها أي تشوه. لهذا فحينما نُقدم الفن التجريدي كحد أقصى للتشخيص، أو بالأحرى قلبا له وقطعا معه. فإننا لا نغفل أن كل هذا الفعل يستند إلى جل ما أراد سيزان بلوغه متحررا من قيود التصوير القديم.

سوف تتحول، إذن ، أفكار صاحب لوحة “الرجل ذو الغليون” إلى نموذج ومثال يحتذى به.. من قبل الأجيال اللاحقة، بما فيها جيل التجريديين وإن كان منجزه منتميا كله إلى التشخيصية figurative. فسيزان يُعدُّ أولَ فنان وضع تصورا حول فن التصوير الصباغي حيث الأنماط والتفاصيل الصغرى المرسومة تنعزل عن نموذجها في الواقع. إذ تأسست نظريته الفنية على كون الفن والطبيعة يُقدَّمان إلى الناظر على أنهما متناغمان، ومتوازيان؛ وبالتالي، فإنهما متساويين.

سيزان، بيكاسو واينشتاين ثورة واحدة

لقد تغلغلت رؤى سيزان في جل التيارات الفنية التي خرجت إلى الوجود كثورات وقطائع، في بدايات القرن العشرين. إذ التقط بيكاسو هذه الرؤى والأفكار ليجربها ضمن نسق فني جديد. وُلِدَت من دفاتر كانت تشرح وتحلل لوحات سيزان. آخذا كسر المنظورية الذي بدأه سيزان إلى أقصى الحدود التشخيصية، أو لنقل إلى أقصى حدود الفضاء عينه. ليجعل من اللوحة مرآة تعكس كل الأبعاد في الآن ذاته. غير مهملين الدور الذي لعبته نظريات أينشتاين في الفيزياء آنذاك، في خلخلة مفهوم المكان والفضاء والزمان… وقد ألقت بأضوائها على أعمال صاحب لوحة “غرنيكا”. الذي كان مثل “إسفنج” يمتص كل ما تلتقطه عينه وما يقرأه عقله، وإن بطريقة مختلفة أحيانا، أو كما يقول عن علاقته بفيزياء العالم الألماني: “حينما أقرأ كتابا عن فيزياء أينشتاين؛ والذي لا أفهم فيه شيئا، فهذا لا يغيّر شيئا: فالأمر يجعلني أفهم شيئا آخر[4]. وإذا وسّعنا نظرتنا إلى أصول “آنسات” بيكاسو، يقول آرثر ميللر، حتى تشمل العلوم والرياضيات والتكنولوجيا، نكسب نظرة أعمق إلى مجهودات بيكاسو الضخمة[5].

لقد كسر كل من أينشتاين وبيكاسو القواعد الكلاسيكية للفضاء. انطلق الثاني من الخرق والتجاوز الذي أحدثه سيزان، بإلغائه لنقط التلاشي ودمجه الخلفية بالمقدمة في مستوى واحد، عبر تقنية لقبها بالانتقال le passage. بينما أكمل الأول ما بدأه معلمه الروحي بوانكاري الذي استطاع أن يتلاعب بأبعاد الفضاء. “فقد اعتقد بيكاسو وأينشتاين أن الفن والعلم هما وسيلة لاكتشاف عوالم تتعدى الإدراكات، تتعدى المظاهر”[6]. لقد جمع بين الثلاثة، سيزان وبيكاسو وأينشتاين السعي نفسه، أي البحث عن فضاء جديد يحل بديلا عن كل الفضاء الكلاسيكي، ليستطيع استيعاب التغير الحاصل ويجيب عن أسئلة جديدة. بل ثلاثتهم اشتركوا في العزلة، التي ساهمت في ميلاد ثوراتهم.

شكلت التكعيبية قطيعة نهائية وجذرية مع التوهيم المركزي والمنظور المركزي للتصوير الصباغي. وهو ما سيدفع إلى ظهور تيارات فنية استثمرت أفكار سيزان وتجارب بيكاسو، للذهاب بعيدا في الإنهاء مع كل سلطة التمثيل والمنظورية، وحتى التشخيص… إذ سوف تشكل التجريدية أهم هذه التيارات. فقد بدأ العالم الحديث، منذ انعطافة القرن العشرين، أكثر تعقيدا وأكثر تجريدا. لقد أصبح مجرد رؤية متشظية للعالم. رؤية ومضية، مجزأة ومجردة. فلم نعد في حاجة لتمثيل الواقع وتشخيصه، بل تجريده، لإظهار غير المرئي فيه، وإبراز جانبه الروحاني، ورؤيته من زوايا غير مسبوقة ونسبية. ومما لا شك فيه فإن سيزان قد هزَّ قواعدَ الفن، وكل ما سبقه، ومَهّدَ الطريق لما بعده… محدثا ثورة فنية كبرى ومنقطعة النظير، كما يشهد رائدا التجريد مودريان وماليتفيتش، هذا الأخير الذي صرّح قائلا: “السيزانية هي إحدى النقاط التي توجت تاريخ الفن، لأنها جعلت الحساسية التصويرية للعالم بديهة، في كل نقائها”. لقد استطاع سيزان، إذن، أن يخلق واقعا موازيا، وأن يجعل من الفن طبيعة بديلة، وأرضا أخرى ضاجة بالحياة، محررا الفن من سلطة التقليد، وفاتحا الآفاق نحو كل ما جاء من بعده.


[1]Gilles Plazy, Cézanne, éd. Chêne, Profils de l’art, 1991, p. 25.

[2]  أرثر أي. ميللر، أينشتاين وبيكاسو، المكان والزمان والجمال الذي ينشر الفوضى، ترجمة عارف حديفة، منشورات هيئة البحرين للثقافة والآثار، الطبعة الأولى، 2017، ص. 256-257.

[3]  كلايف بل، الفن، ترجمة عادل مصطفى، منشورات رؤية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2013، ص. 222-223.

[4] Claude Roy, L’amour de la peinture, éd. Gallimard, folio essais, 1987, p. 139.

[5]  أرثر أي. ميللر، أينشتاين وبيكاسو، م. م.، ص. 17.

[6]  المرجع نفسه، ص. 21.

عز الدين بوركة؛ باحث وناقد مغربي

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى