حواراتفضاءات

لوك ليفجرين.. متحدثاً عن الترجمة، وعن نجوى بركات، والسقوط في حب ترجماته

لوك ليفجرين: تنطوي ترجمة رواية كاملة على لعبة نفسية مع الذات، والعربية أكثر انفتاحًا في معانيها التي تمنحها للأزمنة

حوار مع لوك ليفجرين.. متحدثاً عن ترجمة مستر نون، وعن نجوى بركات، وعن الوقوع في حب ترجماته

ترجمة عاطف الحاج سعيد

نشرت دار (And Other Stories) في شهر مايو 2022 ترجمة لوك ليفجرين لرواية نجوى بركات «مستر نون» إلى الإنجليزية، وقد حصلت هذه الترجمة في يناير 2024 على جائزة سيف غباش بانيبال لترجمة الأدب العربي. سبق أن حصل لوك ليفجرين، وهو مساعد عميد في كلية هارفارد، على ذات الجائزة في العام 2018 عن ترجمته لرواية محسن الرملي «حدائق الرئيس». في هذا الحوار الذي أجرته معه ليوني راو لصالح موقع (Arablit & Arablit Quarterly) يدلي ليفجرين بإفادات حول بدايات عمله بالترجمة الأدبية، وكيفية تعامله مع الأزمنة النحوية في اللغة العربية، ويشرح لماذا تنطوي ترجمة رواية كاملة على «لعبة نفسية مع الذات». 

***

*لقد استمتعت حقًا بقراءة رواية «مستر نون»، كما استمتعت حقًا بترجمتك لها. بوصفي مترجمة أدبية في بداية مسيرتي المهنية، أهتم دائماً بمعرفة كيف ولماذا وصل الآخرون إلى حيث هم اليوم، هل يمكنك أن تخبرني قليلاً عن كيف ولماذا أصبحت مترجمًا أدبيًا؟

لوك ليفجرين: بدأت الترجمة منذ نحو أثني عشرة عامًا. كنت أعد بحثا للدكتوراه في الأدب المقارن، وكنت تعلمت اللغة العربية خلال دراستي الجامعية، لذا كان لدي حب للغة ورغبة متزايدة في تعلم المزيد وتحسين مهاراتي فيها. خلال كتابة رسالة الدكتوراه، كنت بحاجة إلى شيء أكثر متعة للقيام به، أحتاج مَخْرجًا إبداعيًا. قدمت ترجمة قصيرة لقصة في مسابقة هارفيل سيكر للمترجمين الشبان لعام 2011، وكان ذلك ممتعًا للغاية. في ذلك الوقت تحديدًا، سألت أحد معلمي اللغة العربية حول عملية الدخول إلى مجال الترجمة. كان هذا الشخص هو خالد المصري، الذي ذكرته في مذكراتي كمترجم. كنا قد قرأنا شيئًا في صف خالد حيث سألت، تعلمت في ذلك الوقت أنه يمكن للشخص أن يترجم شيئًا إذا لم يكن ثمة ترجمة إنجليزية له، فسألته «هل يمكن للشخص أن يترجم شيئًا إذا لم يكن ثمة ترجمة إنجليزية له؟»، لم أكن أعرف شيئًا في تلك الفترة. شرح لي أنه يجب أن أحصل على إذن من الكاتب. كان عنده معرفة بالكاتبة [كاتبة القصة] وعلم أن لديها شخص آخر كان قد بدأ بالفعل في ترجمة العمل، لكنه قال لي: «لدي صديق، اسمه محسن الرملي، يبحث عن مترجم لروايته الثانية. لماذا لا تقرأها وإذا أعجبتك، يمكنني أن أكتب المقدمة للترجمة». قرأت الرواية، وأثناء قراءتي لها كنت أستمع في ذهني إلى الكيفية التي يبدو بها صوت الراوي في اللغة الإنجليزية، وظننت أنه بإمكاني التقاطه، لذا بدأت في الترجمة ثم اكتشفت أنني أحببت فعل الترجمة أكثر من الكتابة الأكاديمية. بعد أن قمت بترجمة رواية محسن الرملي، اقترح خالد رواية «يا سلام» لِـ نجوى بركات، فأصبحت مشروعي الثاني. وجدت نفسي بعدها راغب في الاستمرار بالترجمة. كنت محظوظًا بترجمة رواية محسن التالية “حدائق الرئيس”، ومن ثم انفتحت أبواب أخرى للقاء كتّاب آخرين والعثور على فرص ترجمة أخرى.

مستر نون

*هل كان من المصادفة بدرجة ما أن تجد نفسك تترجم في الغالب أعمال لكتّاب عراقيين؟

نعم، كانت صدفة. بدأت مع محسن الرملي، ثم جاء مشروعي الرابع، ترجمة رواية «ساعة بغداد» لشهد الراوي، صدفة أيضاً. تواصلت مع شخص ما لأرى ما إذا كان مهتمًا بكتابة تعليق على رواية «حدائق الرئيس»، وقال إنه أحب الرواية، ولكنه سرعان ما قدم لي فكرة عن مشروع آخر لشهد الراوي. وكان هو أيضًا الذي قدم لي فكرة حول مشروع شلش العراقي. لدي اهتمام بأدب العراق، أعتقد أن التدخل الأمريكي في العراق يجعلني أرغب في رؤية جوانب أخرى لتلك البلاد ومعرفة ما لا نسمعه في الأخبار.

*هل يمكنك القول بأن رواية شهد الراوي تختلف جدًا عن روايتي نجوى بركات اللتان قمت بترجمتهما؟

في الواقع، لقد قمت بترجمة رواية ثالثة لها، وهي (باص الأوادم) وستصدر عن دار And Other Storiesبعنوان The Bus، يعني أنني قمت بترجمة ثلاث روايات لنجوى بركات، وثمة تشابهات في الثيمات بين أعمال نجوى وبعض الكتّاب العراقيين الذين ترجمت أعمالهم. أفكر في بيروت والحرب الأهلية اللبنانية التي تلعب دورًا هامًا في أعمال نجوى، وأعتقد أن ثمة تشابهات ومقارنات يمكن عقدها مع الحرب الأهلية في العراق ودرجة العنف التي شهدتها لبنان، والتي كانت ثيمة بارزة في أعمال نجوى.

مستر نون

*إذاً هل يمكنك أن تحدثني قليلاً عن هذه الرواية «مستر نون»؟ ما الذي جذبك إليها ولماذا ينبغي على الناس قراءتها؟

أعتقد أن الأدب العظيم يتناول الأسئلة الخالدة، والأشياء التي نعود إليها مرارًا وتكرارًا. أسئلة الهوية والعلاقات، أن نعرف من نحن وكيف نتصل بالأشخاص الآخرين، أو العالم من حولنا. تتعمق هذه الرواية في تلك الأسئلة بطريقة فريدة ومثيرة. ثمة شخصية تكافح بشدة للإجابة على سؤال هويتها الخاصة وفهمها وتتعامل مع أسئلة حول الألم العميق والمعاناة في التفاعل مع الآخرين، وما طبيعة العلاقة بين الذات والآخرين. كما تمتلك الرواية ذلك الهيكل الأدبي الفريد الذي يمنح المزيد من المرح لاستكشاف تلك الأسئلة وحل بعضها، على الأقل في سياق العالم الخيالي الذي أنشأته نجوى. بالإضافة إلى ذلك، هناك مواضيع ميتا خيالية تثيرها الرواية، وماذا يعني للكاتب أن يواجه جسديًا بعض من شخصياته الخاصة في شوارع مدينته.

*أعتقد أنها سمة مثيرة جدًا في هذه الرواية. أثناء قراءتي لها، أذكر أنها جعلتني أفكر قليلاً في أعمال كامل داود، أو رجاء عالم، أفكر في تلك العلاقة بين الكاتب والشخصية الروائية، بين الخيال والواقع. كيف ترى أن هذه العلاقة تتجلى على نحو خاص في رواية «مستر نون»؟

يتيح الخيال فرصة لكتابة واقع مختلف، أو استكشاف واقع بديل. أعتقد أن ذلك يسمح باستكشاف تلك الأسئلة التي كنا نناقشها سابقًا؛ حول المكان والعلاقات مع الآخرين، وفي هذه الرواية يتعلق الأمر أيضًا بتاريخ المدينة والعناصر المختلفة التي تتجمع في بيروت. من المثير أن أي شيء يقع بين دفتي كتاب، ينبغي عليك فهمه على أنه خيالي على نهجه الخاص، ولكنه عندما يمثل صدى وثيق للواقع، فإنه يجبرنا على تقييمه، أو يجبرنا على النظر مرة أخرى إلى الواقع، والتفكير: إلى أي مدى هو حقيقي؟ إلى أي مدى يبدو حقيقياً؟ وغير حقيقي؟

في «يا سلام»، الرواية السابقة التي قمت بترجمتها، وفيها لقمان [شخصية في رواية مستر نون]، تشعر بشكل كبير بأن القصة تدور في بيروت وأنها تحيل إلى الحرب الأهلية اللبنانية، لكن هذه المدينة غير مسماة في الرواية. ويتيح لك ذلك الفرصة للتفكير حول «ما الحالات الأخرى التي يمكن أن ينطبق عليها ذلك؟» تفترض الرواية أنه ليس أمرا مهم جدًا، إنها لا تتحدث بشكل محدد عن بيروت، ولكن عن العلاقات العامة بين الشخصيات وطرق تعامل الناس مع بعضهم البعض، وهذا شيء يمكن أن يحدث في أي وقت ومكان. أما رواية مستر نون فإنها مختلفة قليلاً بأنها تدور بشكل كبير في بيروت وتقدم للقارئ معلومات حول تاريخ بيروت وكيف أصبحت ما هي عليه اليوم، ولكننا لا يمكن أن نأخذ ذلك كحقيقة تاريخية أيضًا. يجب علينا تقييم ما يقال وما يُرى من خلال أعين هؤلاء الشخصيات، وما يجرب من قبل مستر نون، إنها تدعونا إلى إجراء المزيد من البحث والتعلم أكثر. أعتقد أن هدف الرواية ليس إعطاؤنا تاريخًا لبيروت، ولكنها تقدم لنا أفكارًا لنستكشفها.

مستر نوون

*أتفق معك، هذه نقطة جيدة جدًا. بالتأكيد، ليست هذه الرواية نوعًا من روايات التاريخ كتلك التي كتبها صنع الله إبراهيم، لكنها تتأصل بشكل كبير في المكان، مكان وزمان محددين تمامًا. وهذا السؤال حول الزمن مثير للاهتمام جدًا في هذه الرواية. بصفتي قارئة، كان عليّ في بعض الأحيان قراءة الفقرات مرتين أو ثلاث مرات لفهم متى كانت تجري الأحداث تباعًا. لا أزال غير متأكدة تمامًا مما قرأته، ويجب أن يكون ذلك أكثر صعوبة حتى للمترجم. كتبت في مذكراتك كمترجم أن أزمنة الأفعال كانت صعبة جدًا، لأن العربية أكثر انفتاحًا في معانيها التي تمنحها للأزمنة. هل لديك أمثلة على مواضع كانت صعبة بشكل خاص؟

تغير فهمي للرواية من القراءة الأولى إلى القراءة الثانية، وحتى بعد ذلك. استغرق الأمر وقتًا وفهمًا للكل لأتمكن من فهم أجزاء الكتاب بسبب الطريقة التي نسجت بها إطارات الزمن المختلفة معًا، ولا نحصل دائماً على علامات حول الزمن الذي نلجه عند بدء قراءة قسم معين. حتى إذا كنت تعرف زمنيًا أين موقعك، إلا إنك لن تعرف علاقة صوت المتحدث إلى الزمن: من هو بالضبط الراوي ومن أي وجهة يروى ذلك القسم؟ لذلك فإن هيكل الرواية يمتلك ذلك الملمح المزعزع والطابع المُلغّز، وتسهم اللغة العربية نفسها في هذا الأمر. تستخدم نجوى بركات إمكانيات أزمنة الأفعال في اللغة العربية بمهارة في جميع أنحاء الرواية. في العربية، يمكنك سرد الماضي باستخدام أفعال المضارع – غالبًا عن طريق صياغة الحدث بوضوح في الماضي في البداية، ولكن نجوى لا تفعل ذلك دائمًا. في بعض الأحيان، فهي تنشئ هذا الإطار الزمني في قسم سابق في مكان آخر من الرواية، ثم نعود إليه دون أن ندرك ذلك، وكان يصعب أحياناً التقاط ذلك باللغة الإنجليزية؛ أولاً وقبل كل شيء، صعوبة في تفسير أين موقعنا نحن بالضبط، ثم صعوبة في التعبير باللغة الإنجليزية عما يحدث في الرواية باللغة العربية، لأن الإنجليزية ليست لديها أحيانًا المرونة التي تتمتع بها العربية. لذلك نحن بحاجة إلى اتخاذ قرارات، ومحاولة اتخاذ قرارات لا تَسْتبعد الاحتمالات الأخرى أو الغموض الموجود في النص. يمكنني القول بأن ذلك كان تحديًا ممتعًا. واحدة من الأمور الخاصة التي تتبادر إلى ذهني – ربما في آخر التحريرات التي أرسلتها قبل أن تطبع الترجمة – كانت تتعلق بهذه المسألة. في الصفحات الأولى المبكرة من الجزء الثالث، حيث يستيقظ مستر نون في مستشفى؛ أولاً، كانت تلك الفقرة التي تصف جنونه وشعوره بذاته ومكانه، وبعد ذلك تلك التجارب المتعلقة بدخول وخروج الممرضات، وتلك الحشرات التي تزحف على جسده، والتي سردت كلها في زمن المضارع، ولكن عند نقطة ما، تنتقل نجوى إلى زمن الماضي، ومعرفة متى وكيف أفعل ذلك [بالإنجليزية] كان تحديًا خاصًا، فتنقلت ذهابا وإيابا داخل النص عدة مرات.

*هل لديك معالجة خاصة لمسألة تسجيل الملاحظات، أو كيف تقارب مثل هذه الأمور؟ هل تقوم، على سبيل المثال، بتسمية أجزاء معينة بطريقة ما؟

عند التفكير بشكل عام في حرفة الترجمة، فإن مهمة ترجمة رواية هي أمر هائل. أقوم بإعداد مسودة تقريبية جدًا، ربما في بعض الأحيان 500 كلمة في الساعة أو أبطأ، 800 كلمة في الساعة عندما تسير الأمور على ما يرام حقًا. ولكن عندما يكون لدي مشروع رواية طويلة، فإن هذا يعني الكثير من الساعات المركزة للحصول على مسودة تقريبية، وغالبًا ما تكون تلك المسودة تقريبية للغاية. الخطوة التالية هي العودة ومحاولة تحويل تلك الجمل العربية إلى جمل تبدو كأنها كتبت أصلاً بالإنجليزية، الابتعاد عن الترجمة الحرفية إلى شيء قد يكون قد كتب أصلاً بالإنجليزية، ثم العودة إلى العربية وتقييم كل سطر لرؤية ما إذا فاتني شيء، وإذا ما كنتُ قد فسرت الأمور بطريقة خاطئة في تنقيحاتي الأولية. وأيضا لتسليط الضوء على الأسئلة التي لدي، يمكن أن يحدث ذلك في المرور الأول أو الثاني، في كثير من الأحيان سأستخدم ملف (بي دي اف) أو ملف (وورد) وأقوم بتحديد الكلمات أو العبارات في النص العربي التي أرغب في العودة إليها، وأقوم بالعديد من عمليات التحرير والعودة إلى الخلف. أقوم، عند نقطة معينة، بإعداد قائمة بالأسئلة التي أحتاج إلى استشارة شخص ما حولها، سواء الكاتب أو شخص يتحدث اللغة الأم، وفي بعض الأحيان أحدد الأسئلة ذات الأولوية وارتبها حسب الأهمية، لأنه ربما يصبح الأمر مرهقًا قليلا إذا قمت بإرسال 50 سؤالًا إلى كاتب! هل سيجيب عليها جميعًا؟ هل سيرد فقط على تلك التي يعتبرها أكثر أهمية؟

تعليق آخر حول العملية، هو الشعور بأنها تنطوي على نوع من اللعبة النفسية مع الذات، أو هناك عقبات نفسية يجب التغلب عليها، وأحيانًا يمكن أن تلعب ألعابًا مع نفسك لتحفيز نفسك للمضي قدمًا؛ التخطي إلى الأمام لقسم أسهل، والعودة إلى قسم أكثر تحديًا، الحفاظ على الزخم بطريقة ما، وأحيانًا العمل من نهاية فقرة أو فصل. فيما يتعلق بتحديات النفس، هناك لحظة في معظم مشاريع الترجمة الخاصة بي أشعر فيها بفقدان الحب للكتاب الذي أعمل عليه، حيث أعتقد أن ما أقوم به لن يقرأه أي شخص ولا ينبغي أن يقرأه أي شخص. ولكن هناك لحظة لاحقة أثناء عملية التحرير عندما تبدأ الأمور في الانسجام وترى الهيكل العام ويمكنك البدء في قراءته كأدب، عندها أبدأ في الإيمان مجدداً بالمشروع.

مستر نون

*بخلاف أزمة أزمنة الأفعال والهيكل العام، هل ثمة شيء آخر وجدته صعبًا بشكل خاص في ترجمة هذه الرواية؟

لغة نجوى وصفية وحيوية للغاية، لذا لم يكن من الصعب تخيل المشاهد وفهم ما تصفه. كنت قد علقت على بعض الكلمات. كان هناك مصطلح أخذت وقتًا في البحث عنه، وكنت سعيدًا جدًا لأنني فعلت ذلك! كان سيكون خطأً محرجًا إذا افترضت أنني أعرف ما يحدث. ثمة كلمة اضطررت أن أسأل عنها نجوى، وأنا سعيد جدًا بأني فعلت ذلك! كانت كلمة واحدة واجهتني صعوبة في العثور عليها في أي من القواميس، لكنني اعتقدت أنني فهمتها من السياق. كانت هذه الكلمة جيغولو (gigolo) وتم تحويلها إلى فعل عربي من النوع الثاني واستخدامها كمصدر، ما هو مصدر «جيغولو» هو سؤال في حد ذاته، لكنني لم أدرك تمامًا ما كان يحدث، لذا أنا ممتن لاكتشاف ذلك بمساعدة نجوى!

*بدأت تتحدث عن العلاقة بين الكاتب وشخصياته سابقًا، وكنت أتساءل فقط – الكاتب وشخصياته، وفي حالة نجوى، حتى العلاقة مع شخصيات من روايات لها سابقة، لديهم علاقة خاصة جدًا في هذه الرواية. كيف تشعر أنك تلج ذلك بوصفك مترجم؟ هل تشعر وكأنك شاهد، أم هل يمكننا القول إنك ألقيت بنفسك في الصراع؟

أعتقد أنها قليلا من كليهما، وهذا جانب مثير في الأدب. أعتقد أن الترجمة نوع من أنواع القراءة، قراءة وثيقة جدًا. كقراء، يمثل حصولنا على فرصة مشاهدة مشهد أو الدخول فيه، أو ربما حتى الدخول في عقول الشخصيات التي تشارك، وتعيش تجربة ما، واحد من مصادر قوة الأدب. ويمثل استيعاب تلك المشاهد والشخصيات بشكل وثيق جدًا واحدا من مصادر قوة الكتابة، أنك تقترب منها، تخترع، تتحدث بلغتهم. الترجمة تجبرك على القيام بكليهما.

أتذكر في تجربة ترجمة رواية يا سلام – أعتقد أنني ذكرت ذلك في مذكرات المترجم – في البداية لم أكن أرغب في ترجمة تلك الرواية، لأنني وجدت شخصيات الرواية غير مرغوب فيها جدًا. لم أكن أرغب في قضاء الوقت معهم. ولكن بعد ذلك، أثناء عملية ترجمة تلك الرواية، كان هناك متعة معينة، ربما متعة ملتوية، في محاولة تخيل قول أشياء لم أكن سأقولها أبدًا عادة، أنا. كفرد في حياتي الخاصة، كان عليّ أن أجد كلمات لبعض الحالات التي لا أشارك فيها، وأصف أشياء لم يسبق لي رؤيتها أو عيشها، أشياء لن أقوم بها. إن هذا شيء آخر يمكن أن يقوم به الأدب، ويمكن لترجمة الأدب أن تقدمه لنا.

*قرأت أنك أيضًا تقدم دورة في الترجمة، وكنت أتساءل – وهو سؤال مبعثه اهتمام شخصي – ماذا تقول لطلابك: ما هي الصفات الأكثر أهمية التي يجب على المترجم الأدبي أن يسعى لاكتسابها؟

تم تصميم فصلي لمساعدة الطلاب على فهم الترجمة بدلاً من تدريبهم على أن يصبحوا مترجمين أدبيين، لذا لا أبدأ بهذا السؤال. نقرأ كل أسبوع أكثر من ترجمة إنجليزية واحدة لنفس النص الكلاسيكي أو القصيدة، وكل أسبوع نعمل على لغة مختلفة، لذلك لا أحد لديه إتقان لجميع اللغات، وقد يأتي بعض الأشخاص بتجربة قليلة جدًا في اللغة الأجنبية، ولكن من خلال عملية المقارنة تلك يمكننا رؤية بعض الأسئلة التي ينبغي أن يكون المترجمون غالبوها، ومن خلال رؤية كيفية استجابتهم لتلك الأسئلة بشكل مختلف لينتجوا أشياء مختلفة تمامًا، يمكن رؤية نظريات الترجمة المختلفة التي يمارسها المترجمون المختلفون. ومع ذلك، يتطلع بعض الأشخاص في تلك الفصول – بعضهم، كما أظن – إلى القيام ببعض الترجمة، ويشجع جميع الطلاب على إجراء ترجمات، حتى لو كانوا يعتقدون في البداية بأنهم غير مؤهلين للقيام بذلك. آمل أن ألهمهم بحب للترجمة كما أحبها.

كل ذلك هو مقدمة للقول إنني لا أدخل إلى تلك الفصول بفلسفة معينة للترجمة الأدبية أرغب في نقلها. ولكن، إذا كنت سأعبر عن أفكاري، استنادًا إلى سؤالك، سأوصي الأشخاص بالبداية بحب الأدب والاستمتاع بهذا الحب الذي يتضمن عملية البحث وتعلم اللغة، والتعلم المستمر حول اللغة والثقافة، ألغاز لا حصر لها يجب حلها على الصفحات وعبر الكتاب. لذا سأقول إنه من الضروري الاستمتاع بهذه العملية وبحب الأدب، لأن ذلك سيمنح الترجمة مكافأة داخلية، وهو أمر مهم للغاية عندما تكون المكافآت الخارجية متواضعة وغير مضمونة.

بعد ذلك، أعتقد أن الشيء المهم هو أن يفهم المترجمون أنهم كُتَّاب، وأنهم يقومون بإنشاء عمل أدبي في اللغة الجديدة. أنت لا تفسر المعاني فقط وتنقلها في لغتك المستهدفة، ولكنك تحاول التعبير عن تلك المعاني بأكبر قدر من الفن والأسلوب كما فعل الكاتب الأصلي. وهذا يدعو المترجم ويتيح له الإبداع كما الكاتب.

*أنا شخصيًا أحب حقًا القيود على الإبداع التي تمتلكها كمترجم، لأنك مبدع في استخدام اللغة وفي طرق التعبير عن المعنى، ولكن المعنى… مفتوح للتفسير، ولكن هناك شخص قد كتب قصة يجب أن تنقلها بطريقة ما على أن تكون وفية للأصل.

تلك الفكرة عن القيود هي جانب مهم أيضًا. أنت لا تخترع شيئًا، يجب أن تكون مخلصًا، يجب أن تكون قادرًا على رفع الاثنين جنبًا إلى جنب والقول، بطريقة ما هذا هو ذاك. شخصيًا، أجد أن هذا القيد مفيد في عملي. عندما كنت أصغر سنًا، كنت أحلم بأن أصبح كاتبًا بسبب حبي للأدب وما تعنيه قوة القصص في حياتي، أردت أن أشارك بطريقة ما في هذه العملية. الترجمة تسمح لي بالمساهمة في تلك العملية، الاشتراك، دون تحمل بعض أعباء الحرية الهائلة التي يتمتع بها الكاتب الأصلي. قد يكون هناك تشابه في كتابة الشعر، حيث يفرض شكل السوناتا بعض القيود والهياكل التي تجعل إبداع الشاعر ممكنا. كمترجم، يُتيح لي هيكل النص الذي أعمل عليه كتابة أشياء لا أشعر بالقدرة أو الثقة لكتابتها بمفردي.

لوك ليفجرين: أعتقد أن الشيء المهم هو أن يفهم المترجمون أنهم كُتَّاب، وأنهم يقومون بإنشاء عمل أدبي في اللغة الجديدة. أنت لا تفسر المعاني فقط وتنقلها في لغتك المستهدفة، ولكنك تحاول التعبير عن تلك المعاني بأكبر قدر من الفن والأسلوب كما فعل الكاتب الأصلي. وهذا يدعو المترجم ويتيح له الإبداع كما الكاتب.

*لقد ذكرت بعض الأعمال التي تعمل على ترجمتها أو التي ستظهر قريبًا – هل تمانع في تلخيص ما سيظهر قريبًا وربما تخبرني عما تعمل عليه من ترجمات بعد ذلك؟

نشرت دار (And Other Stories) رواية مستر نون، وستنشر ترجمتين أخريين؛ «شلش العراقي» والتي من المفترض أن تظهر في الربيع المقبل، وبعد ذلك، رواية باص الأوادم لنجوى بركات، التي أتحمس لها جدًا. على الرغم من أن نجوى كتبتها في عام 1996، إلا أنه تجد إلى الآن أشخاصًا يقولون إنها كانت روايتهم المفضلة عندما كانوا صغارًا، ولم تُترجم بالكامل، فقد تُرجمت منها مقتطفات عدة مرات. أنا حقًا متحمس للقيام بذلك. رواية أخرى قمت بترجمة مسودة لها وأتحمس لتنقيحها والعثور على دار نشر لها وهي رواية “النبيذة” لإنعام كجه جي، التي رُشحت لجائزة البوكر العربية قبل بضع سنوات. إنها رواية تاريخية تتضمن ثلاث شخصيات متميزة تتداخل حياتهم في الجغرافيا وعبر الزمن بطريقة مثيرة للاهتمام. المشروع الذي أعمل عليه حاليًا، والذي تم توقيع عقد بشأنه مع دار Other Press، صدر باللغة العربية في عام 2022م عن دار الآداب، هو رواية «حكاية جدار»، للكاتب ناصر أبو سرور، الذي نشر مجموعة شعرية في العام الماضي. ناصر نشأ في مخيم للاجئين الفلسطينيين بالقرب من بيت لحم وكان في السجن في إسرائيل منذ عام 1993، بعد إدانته بقتل ضابط من الشاباك خلال الانتفاضة الأولى. كتب «حكاية جدار» أثناء احتجازه ثم أملاها في تسجيلات عبر الهاتف لابنة أخته، التي قامت بنقلها بعد ذلك. يجمع الكتاب بين السيرة الذاتية والفلسفة والتاريخ والشعر، بالإضافة إلى الرسائل المتبادلة مع محامية يقع في حبها. إنه سرد مؤثر لحياته مكتوب بأسلوب أدبي جدًا.

***

حوار حوار مع لوك ليفجرين.. متحدثاً عن ترجمة مستر نون، وعن نجوى بركات، وعن الوقوع في حب ترجماته، ترجمة عاطف الحاج سعيد

الروائي والمترجم السوداني عاطف الحاج سعيد

أغنية النبي

خاص قنّاص – حوارات

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى