عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

منطقة الأمان Comfort zone | حسام سالم

إنّها المرةُ العَاشِرَةُ ـ حَسَبَ مَا يذكرُ ـ خِلالَ النصفِ ساعةِ المنقضيةِ التي يفتحُ فيها حسابَهُ الخاصَ على (الفيس بوك) ليضغط َعلى أيقونةِ الإشعاراتِ ثم يسحبُ بإبهامهِ شاشةَ الهاتفِ لأسفلِ حتى يقومَ بتنشيطِ الإشعاراتِ علَّها تأتيَ بجديدٍ هذهِ المرة.

هي قصتُه الأولى التي يجدُ في نفسِهِ الشجاعةَ لينشرَها على أحدِ المواقعِ التي كانت قد أعلَنَتْ ـ منذُ الأمسِ ـ عن إقامةِ مسابقةِ في القصةِ القصيرةِ والتي يتحددُ نتائِجُها بناءً على تفاعلِ الجمهورِ معَ القصصِ المُقَدَّمَةِ.

إطْمَئَنَّ على تنسيقِ قصتِه، راجعَ حروفَ كلماتِه للمرةِ الرابعةِ أو الخامسةِ مثلاً بعدَ أن وجدَ خطأً في كلمةِ “ثانية” والتي كتَبَها في البدايةِ على هذهِ الشاكلةِ “ثايِنَة” وعندَها ارتبَكَ ـ كما يفعلُ دوماً ـ وأعادَ مراجعةَ كافةِ الحروفِ، بل وأقدمَ على استدعاءِ زوجتِه كي تقرأَ ما كتبَهُ وتكتشفَ الأخطاءَ الإملائيةِ التي يجزمُ أنها موجودةً بكثرةٍ ولكن عيناهُ أصبحتَا عاجزتَين عن اكتشافِها، غير أنْ زوجتُه أشاحتْ بيدِها بينما كانت تتوجهُ للمطبخِ لإتمامِ عملٍ مَا.

تَنَهَّدَ، حاولَ طمأنةَ نفسِه أنَّ كلُ شيءٍ على ما يُرام، لعنَ في سرِّه تلك الشروطِ التي تَقْضِيْ بضرورةِ الالتزامِ بقواعدِ النحوِ والإملاءِ وعلاماتِ الترقيمِ كما لو كانَ مطلوباً من الجميعِ أن يصبحوا فقهاءً في اللغةِ حتى يتمكنوا من دخولِ مثلَ تلك المسابقات. انصرفَ ذِهْنُهُ إلى أ. مختار مدرسِ اللغةِ العربيةِ في صفِّه الأولِ من المرحلةِ الثانويةِ، كيف كان يتأنَّى في كتابةِ أحرفِ كلماتِه فوقَ (السبورةَ) مشدداً على ضرورةِ وضوحِها ومؤكدًا على أهميةِ ضبطِ التشكيلِ فوقَ نهاياتِ الجملِ. كمْ تمنى حينَها لو أنه كان يملكُ رقمَه إذن لَهَاتَفَهُ من فورهِ طالباً مِنْهُ مراجعةِ قصتِه قبلَ نشرهِا، لكنَّه يعلمُ جيداً أنّهُ لم يهتمْ بالاحتفاظِ برقمِ الهاتفِ حينِ التقاهُ منذُ شهرين في محطةِ المترو.

بسملَ وحوقلَ ثمَّ ضغطَ على علامةِ الإرسال.

بعد أن اكتملتْ دائرةُ التحميلِ بلونِها الأزرقِ أغمضَ عينَيْه، ليفتحَهُمَا ـ بعد ثوانٍ ـ ببطءٍ ويبدأُ في القراءةِ باعتبارِهِ شخصًاً غريبًا عَن ذلكَ الذي كتبَ القصةَ.

قصتُه بعنوانِ (قرارٌ أخير) تحكي عن ذلك الرجلِ الذي كان ينتظرُ واقفاً على محطةِ الحافلاتِ عائدًا إلى بيتِه بعدَ يومِ عملٍ طويلٍ، ليدورَ داخلَ عقلِه صراعاً حولَ كلِ ما عاشَهُ فيما مضَى، عن تلك الأمنياتِ التي حلمَ دوماً بتحقيقِها. عن تلك الأعمالِ التي بدأَها ثم توقفَ عن إنهاءِها خوفًا من تقييمِ الأخريينَ لَه، فمن وجهةِ نظرِ بطلِ القصةِ ـ والتي جاءتْ على لسانِه ـ أن العملَ الناقصَ هو عملٌ غيرُ قابلٍ للتقييم. لكنَّه ـ وفي تلك اللحظةِ التي يقفُ فيها منتظراً حافلةَ العودةِ ـ يتخذُ قراراً بالتحركِ، حتى وإن كان ذلك التحركُ يؤدي بهِ إلى قارعةِ الطريقِ وسطَ صراخِ المحيطينَ بِه.

أتمَّ قراءةَ القصةِ للمرةِ الثانيةِ شاعرًا بأسى تجاهَ بطلِ قصتِه متعجباً من أولئِك الذين يضيعون أعمارَهُم مقيَّدُينَ في حبالِ ترَدُّدِهِم وخوفِهم من المُضِيِّ قُدُمَا. هو بالطبعِ لا يذكر الملابسات التي دفعتهُ لكتابةِ هذهِ القصة حينها، كلَ ما في الأمرِ أنه استخرجها من بين قصصهِ القديمةِ التي كتبها منذُ زمنٍ بعيدٍ دون أن يشغلَ تفكيرهُ بإطلاعِ أي شخصٍ عليها.

أخيراً، تظهرُ تلكَ الدائرةِ الحمراءِ فوقَ أيقونةِ الإشعارتِ تحملُ الرقمَ (1). ترتجفُ شفتُه السفلَى وتتسارعُ ضرباتُ قلبِه. يُبعدُ الهاتفَ حتى امتدادِ ذراعِهِ ثمَّ يعيدُهُ مرةً أخرَى بعدَ أن ضمَ قبضتَهُ الأخرى الفارغةَ. ببطءٍ يقتربُ من الدائرةِ ويضغطُ عليها ليتفاجئَ بأن أحداً ما قد قامَ بالتعليقِ على قصتِه. يدخلُ سريعاً على التعليقِ فيجدُ إحداهُنَّ قد كتبتْ رأيَها في القصةِ بوصفِها سخيفةً ونمطيةً ولا تقدمُ جديداً، كما أن لغتَها ركيكةٌ مفتعلةٌ لا يمكنُ بحالٍ أن تجتذبَ القارئَ.

وقبل أن يستوعبَ ما قرأَهُ منذُ لحظاتِ، بدأتْ التعليقاتُ الأخرى في التوافدِ رداً على التعليقِ الأولِ ـ والذي من الواضحِ أنَّه كان إشارةَ البدءِ بالنسبةِ لها ـ رافضةً لذلك الرأيِ ومشيدةً بروعةِ البناءِ القصصي، وكيف أن الكاتبَ قد أبدعَ في رسمِ شخصيةِ بطله بشكلِ أوصلَ حالةَ الترددِ التي يمرُ بها ذلك البطلُ بكلِ وضوحٍ ودونَ فلسفةٍ لا مبررَ لَها.

تمتزجُ المشاعرُ داخلَ صدرِهِ بقوةٍ ليبرزَ من بينِها شعوراً بالغبطةِ ينعكسُ على شكلِ بريقٍ يحتلُ عينَيهِ اللتين تلتهمانِ ما كتبَ من تعليقاتٍ منحازةٍ لصفِّهِ.

بسعادةٍ لا يشُوبُها شعورٌ أخرٌ، وجدَ نفسَهُ مدفوعاً إلى تلكَ النقاطِ الثلاثِ المتجاوراتِ في الزاويةِ العلويةِ للمنشورِ ليضغطَ عليها بتأنٍّ ـ في الوقتِ الذي كانت زوجتُه تَعْبُرُ من أمامِه حاملةً وعاءً جمعتْ فيهِ الملابسَ التي جفتْ من فوقِ (حبلِ الغسيلِ) ـ ويذهبُ إلى كلمةِ “حذفْ” ويؤكدُ على ذلك الحذفِ في الرسالةِ التي طالبَته بتأكيدِ اختيارِه.

فورَ اختفاءِ قصته من فوقَ الشاشةِ، ألقى بهاتفِهِ المحمولِ جانباً مُتَمْتِماً بِهدوءِ “هكذا لن يتمكنَ أحدُهم من الحكمِ على عملٍ لم يعدْ موجوداً بالفعلِ”.

حسام سالم: كاتب من مصر

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى