عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

من نهري العاصي والكبير الشمالي.. التشكيلي جميل قاشا يُفشي أسرار الحجارة للمرة الثلاثين | علي الرّاعي

رغم أن قاشا غالباً ما يختار الصلب من الأحجار التي ينحت منها تكويناته، غير أنه يعتمد مُفارقة جمالية عالية، وهي تطويع كل تلك الصلابة لإنتاج ملمسٍ ناعم

ثمة ذاكرة للأشياء القديمة؛ ذاكرة تختزنُ في أدراجها على الكثير الكثير.. لكن إذا ما أزحنا غير الجميل من هذا المخزون؛ بمعنى إذا ما قشرنّا عن جوهر الذاكرة كل ما ليس جميلاً؛ فيُمكن للقيم الجماليّة المُخزّنة أن تُعطي فنّاً عالياً إذا ما استثمرها فنانٌ مبدع.. فما بالك إذا كان هذا (الشيء) حجراً عمره من عمر المكان الذي وجد مُلقاً عليه، أو كان المكان يُخبئه في زاويةٍ ما، كقاعِ نهرٍ، أو تحت تُراب وادٍ أو جبل..

من المعرض | qannaass.com

حجرٌ كان شاهداً على وقائع المكان؛ وقائع مرّت بحزنها وفرحها، فكان أن امتلك هذا الحجر؛ كلَّ هذا الغنى الذاكري – من الذاكرة، وما كان على جميل قاشا (1958)، النحات السوري الذي اعتاد على إقامة حواراته الطويلة مع الحجر؛ إلا أن يطلب من حجارته التي اختارها من مكانٍ أصرّ أن يكونَ قلبَ سوريّا – سهول حمص وحماه، وجسر الشغور؛ المكان الذي يمرُّ منه السوريون في تنقلاتهم بين جهات سوريّا المُختلفة، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، والعكس أيضاً.. والذي يشرف أيضاً على ساحلٍ وبادية وجبالٍ وأنهار؛ تصرُّ هي الأخرى أن تجري عكس سير المياه بكلِّ شقاوة “عاصيها” وجماله والذي يُقدم التحية المائية لسوريّا من جنوبها لشمالها، هنا حيث يأتي الفن كانتماء، أو بملامح هوية مُعينة..

كان على الفنان جميل قاشا، أن يُقيم مثل هذه الحوارات الطويلة مع هذه الحجارة “الكائنة” في هذا المكان، ليجعلها في سيرورةٍ طويلة تحكي كل ما لديها من ذاكرةٍ بعيدة للمكان بناسه وحيواناته وطيوره ليصل بها إلى “صيرورةٍ” جمالية، وقد كثّف كلَّ تلك الذاكرة البعيدة بكتلةٍ تُحاور هي الأخرى مُتلقي في فضاء صالةٍ فنية.. من هذا المُختبر الواسع؛ قدّم قاشا معرضه ذي الرقم ثلاثين في صالة جورج كامل بدمشق مؤخراً.. منحوتات تراوحت بين المتوسطة والمنحوتة الصغيرة، فيما كثُرت شواغل المنحوتة، وتعددت تقنياتها.. فمن نهري العاصي والكبير الشمالي؛ غاص قاشا في البداية؛ ليستخرج كنوزه الحجرية، فاختار منها الحجارة التي تدخلت فيها يدُ الطبيعة لتقوم بواجبها النحتي أولاً، أو لتقدم للفنان الماكيت أو البروفا الأولى لذلك “الكائن” الذي صمتَ طويلاً، ومن ثمّ لجعله ينطق بكل هذا الجمال، ثم ليخرج من مجرى النهر فيما بعد، ويُفتش لتلك الحجارة التي تفاعلت مع عوامل الطبيعة من اتحادات وتجمعات كلسية ومعادن على حجارةٍ صلبة ربما تكون صواناً أو تُقاربه، ومن ثمّ ليُقشر تلك التركمات، أو ليُبيقيها في مطارح أخرى ليحصل على تكوينه النحتي الذي تكون الطبيعة قد أشارت له إليه، أو دلتّه عليه.. بمعنى سيُقيم قاشا “شراكة” فنية مع الطبيعة لإنتاج عمله النحتي، شراكة تكادُ تكون مُناصفة بين الفنانين – الطبيعة وقاشا- في مسيرة الحجر من كينونته إلى صيرورته الجمالية الأخيرة.. ربما؛ من هنا، استطاع قاشا أن يُسجّل منحوتته في المشهد التشكيلي السورية بعلامة فارقة، علامة لها خصوصيتها بغير مستوى.. سواء لجهة تعامله مع الحجر، والذي غالباً ما يترك فيه بعضاً من عمل الطبيعة السابق، بمعنى أنّ الفنان هنا، لم ينتظر بمن يأتيه بحجر الرخام البارد من إيطاليا أو غيرها، أو حتى من مقالع الرخام في سوريّا، ليقدَّ ويصقل من ذلك الحجر الضخم منحوتته أو عمله النحتي، وإنما ذهب بنفسه يُفتش عن حجارة لها ذاكرة المكان، وقد أضافت الطبيعة بعواملها النحتية الكثيرة من تعريةٍ وصقلٍ للرياح والمياه وتفاعلات كيمائية وفيزيائية كثيرة على الحجر نفسه.. حتى أنه يستثمر كل تلوينات الطبيعة التي أضافتها على الحجر من ألوان توحي بكل هذه القدامة الجميلة، ومن ثمّ ليُقدّم كلَّ ذلك في تكوينه النحتي الجديد، يبدأ ذلك من الحصاة الصغيرة وصولاً إلى الحجر التي لها شأنها في الحجم.. حتى أنه يُضيف إلى كل تلك الإجراءات النحتية الكثير من الأسلاك والحلقات والخرز ليزيد في القيم الفنية والتزيينية للعمل النحتي..

أعمالٌ فنية ذهبت بغير منحى؛ المنحى الأول: الأشكال التي نوّع عليها الفنان قاشا بين حيوانية وإنسانية، وإن كان أنسن الكثير من التكوينات الحيوانية، كما لجأ إلى الكثير من “حيونة الإنسان”، واللافت في هذا المجال منحيان آخران أيضاً؛ هو لجوئه إلى “التحوير” والاختزال فيما يتعلق بالمنحوتات البشرية، والتي اختصرها على الوجوه، أو الرأس فقط، فيما جاءت المنحوتات الحيوانية شبه واقعية وبأقلِّ ما يُمكن من التحوير والاختزال.. واللافت الآخر في كل هذه المناحي؛ إنه عوّل على المنحوتات الحيوانية لتكون الساردة للحكايا الفنية والجمالية بالدرجة الأولى، ولاسيما الميثولوجيا القديمة قدم الحجارة نفسها في هذا المكان الضاربُ في القدامة، والمفعم بالميثولوجيا.. فالإنسان هو المتلوّن الذي يأتي بأقنعة كثيرة، وبوجوهٍ مُتعددة، ومن هنا كانت هذه الحدّة النازلة من الجبهة مروراً بالأنف والمواربة، والمائلة لجهةٍ ما، في الوجوه البشرية التي اشتغل عليها، سواء كانت نسوية، أو ذكورية، وجوه ترفض أن تفتح عيونها، وإنما هي في حالةٍ من الإغماض، وكأنها تصرُّ على هذه الحالة حتى لا تفضحُ هذه النوافذ إذا ما فُتحت جوانياتها..

ومن هنا أيضاً كان هذا الاحتفاء الكبير بطائرٍ طالما نُسجت حوله الحكايات والقصص، وأقصد بذلك طائر “البوم” الذي كثُرت تكيوناته وتعددت تموضعاته وحجومه في مُختلف زوايا الصالة.. مرةً يظهرُ بحجمٍ كبير، أو يتلوّن بحجوم صغيرة، أو قد يأتي قابعاً على رأس امرأة أو على كتفها.. وما على المُتلقي إلا أن يقرأ تاريخاً من الحكايا التي رافقت طيران هذا الكائن من أعلاها مرتبةً كالحكمة، إلى أدناها كالتطيّر والشؤم ونذر الخراب، وهو في تجسيداته الحيوانية؛ يختار تلك الحيوانات التي لها تاريخ من المثولوجيا، أو التي تُشارك البشر في بعض الصفات كالتلوّن، والقوة والحرية كمثل الحرباء على سبيل المثال، أو الثور في مختلف فضاءاته الحكائية من جلجامش، والثيران المُجنحة والسماوية، أو التي برأس أو وجه بشري.. وموضوع الثور؛ طالما شكّل إغواءً جمالياً عند عدد لابأس به من الفنانين السوريين، وتحديداً النحاتين منهم، وأقصد بذلك: محمد بعجانو، أكثم عبد الحميد، فؤاد أبو عساف، غازي عانا، وكذلك الفنان جميل قاشا؛ فكل منهم؛ كان قد أطلق (ثيرانه) بتكوينات تُفارق في بعض السطوح، والحجوم، وربما في طريقة التكوين نفسه هنا حيث يذهب به دون أن يبتعد عن أسطرته صوب كائنات حيوانية بكل أفعالها البشرية، وأكثر ما يُركز قاشا هنا على تكوين “الثور”، هذا الكائن الذي طالما شكّل غواية للفنان التشكيلي السوري على وجه التحديد؛ الثور الذي كثيراً ما يكون شخصية أساسية في مختلف مدونات البلاد السورية القديمة.. وحكاية الثور بعيدة، وقديمة قدم سوريّا نفسها، ولعلّ أقدم النصوص السردية في هذا العالم التي تناسلت منها كل الحكايا الميثولوجية، وأقصد بذلك أسطورة الخلق أو ملحمة “جلجامش” التي ربما تكون الأقدم في تجسيد الثور، الذي كان مرسلاً سماوياً وكان على جلجامش وصديقه أنكيدو الصراع معه وصرعه في أول قتال بين إرادتين أرضية وسماوية.. وحكاية الثور المُجنح على الأسوار والجدران القديمة لأور والكثير من ممالك ومدن العراق القديمة مُفعمة هي الأخرى بالجمال سواء لجهة المضمون السردي، أم لجهة المتعة البصرية، ولعل أجمل الحكايا التي سيُعيد قاشا روايتها بأسلوب جمالي جديد كانت حكاية الأميرة أوروبا السورية، وحادثة خطفها إلى بلاد اليونان من قبل الإله زيوس وقد انتحل هيئة ثور, فيما ثيران قاشا الأخرى فهي بعكس المفهوم العام عن القوة، فهو يختزل الثور لمنحوتة، وأحياناً يُبقي منها الرأس، هنا ثمة حالة من الانكفاء والتقوقع على قوة زائفة تضمحلُّ يوماً عن آخر في أقوى تعبير عن ذكورة هي رغم زيفها لاتزال قوة هدّامة على مدى الحروب والتفكير، وربما من هنا كان اختيار الحجر ذي القلب القاسي لنحت ثيرانه، وهي ثيران تميلُ للحجم الضخم غير أنها دائماً بقرون صغيرة ومكسورة النظرات..

ورغم أن قاشا غالباً ما يختار الصلب من الأحجار التي ينحت منها تكويناته، غير أنه يعتمد مُفارقة جمالية عالية، وهي تطويع كل تلك الصلابة لإنتاج ملمسٍ ناعم، لكن ليس بالنعومة التي يُقدمها الرخام على سبيل المثال بإيدي فناني النحت الذين تميزوا بهذا الملمس في منحوتاتهم، فكما أسلفنا يترك قاشا في منحوتته ما قامت به الطبيعة من عمل نحتي، وهو غالباً الجزء العفوي من العمل الفني، عفوية يُقارب فيها قاشا جماليات الفنون البدائية في الحضارة السورية القديمة، وهو ما يجده الكثير من نقاد الفن العالميين تجلي الجذر القديم للحضارات البعيدة في الأعمال الفنية الحديثة، ومن هنا يُمكن للمتلقي أن يقرأ الكثير في هذه التحويرات والاختزالات التي يُقدمها في عمله النحتي، هذا النحت الذي يكون الباعث له المادة الخام نفسها، حيث ينظر الفنان في البداية وبعد أن يجد (الحجر) الخام الذي سيكون الحامل لعمله النحتي، حينها يقرأ في خطوطه، وتعاريجه، وقشوره، وألوانه، أي يبحث بتلك المُعطيات التي قدمتّها الطبيعة في تضاريس الحجر وتكويناته، ثمّ بعد ذلك؛ يقرأ ما في جوانياته من خبرة فنية بحثية وجمالية ليُكمل حكاية الطبيعة بتكوينات مُبتكرة، لاسيما من خبرات فنون شرقية، وحتى من خبرات فنية من حضاراتٍ مُختلفة في العالم، كل ذلك يخضعه قاشا لمختبره النحتي؛ فيروح يُكوّر ويحني، بل ةيذهب بعيداً في منحنيات لولبية خاصة مُبتكرة لتجسيد كل هذه الكائنات من بوم وأسماك، وثيران، وغيرها، والكثير الكثير من الوجوه التي تأتي أشبه بتماثيل نصفية، لكن بعد إجراء الكثير من التحوير والاختزالات بحيث يتماهي المؤنسن مع المتحيون، فميا يُشبه أنسنة الحيوان، وحيونة الإنسان، وذلك بالرموز والإشارات التي يُضفيها على تكويناته النحتية بما يوحي بشمولية الوجود، ووحدة جذور الكثير من الكائنات التي تدبُّ اليوم على وجه الأرض، هذه الوحدة التي تظهر في سلوك وتصرفات الكائن من أي عالمٍ كان، سواء كان حيواناً أم بشراً، فطالما خبأ هذه الكائن البشري مُعادله الحيواني في داخله، وغالباً ما يطلقه في حالاته العاطفية من حزن وغضب، وغيرهما، وهكذا الحيوان حيث يفصح عن الكثير من السلوكيات البشرية، إن لم نقل “إنسانية” في الكثير من حالات الوفاء التي تسلكها بعض الحيوانات تجاه بني البشر.. أمر آخر، لابدّ من الإشارة إليه، وهو تلك المسحة من الكاريكاتير التي تشي بها الكثير من المنحوتات لاسيما تلك التي يتوجه بها إلى ذكورية بائسة تطلقها تكشيرة لوجه بشري برأس ثور، وقد تخلخلت أسنانه، واقتُلع بعضها، وربما تبرز أكثر في تجسيده لأزمنة الفرسان، بما يُعادل ما قام به كاتب أسبانيا الكبير (سرفانتس) في رائعته الشهيرة (دونكي شوت)، وسخريته من زمان الفرسان، وإن جاءت هنا ضمن مناخات من زمن فرسان بيزنطة، والتي شكّلها قاشا من معادن مُختلفة، كل ذلك ضمن اتجاهات واقعية صرفة أحياناً، أو بسوريالية بملامح ساخرة، وأخيراً المزج المتناقض بين التجريد والواقعية؛ كل اتجاه بلمسات الآخر..

علي الرّاعي؛ كاتب وصحفي سوري | midline-news.net

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى