مهرجان فبراير الشعري في مدريد.. القصيدة في مواجهة الرصاصة | ميسون شقير

في مواجهة زجاج الحرب الذي نُثر في العيون والقلوب، وجد الشعر، وفي المسافة بين صوت إطلاق القذيفة، وصوت ارتطامها بالبيوت والأرواح والصراخ، وجد الشعر، في عيون طفلة لم تمهلها الرصاصة حتى تكمل تمشيط شعر دميتها الجميلة، وجد الشعر، وبمواجهة أرتال الدبابات، وجدت المهرجانات الشعرية، ولأجل من ترتطم قلوبهم بأرجلهم وهم ينزحون، وجدت القصائد.

تنوّع ثقافات الأرض

هكذا احتفت مدينة مدريد بفعاليات “مهرجان فبراير الشعري الدولي الخامس، شرق – غرب”، في دورته الخامسة، بعد أن كان هذا المهرجان قد توقف لسنتين بسبب وباء كورونا، علما بأن المهرجان هو دعوة حية لتقديم منجز أبداعي يمثل تنوع ثقافات الأرض، ودعوة للتقارب بين هذه الثقافات على الرغم من تباعدها الجغرافي، فالانسان هو الانسان، يجرحه الظلم أينما حل، ويجرحه البعد والحنين، مثلما يجرحه الحب، ويضيئه، في كل جهات الله الضيقة، والشعر هو الشعر في كل مكان، صوت الانسان الأول، وملاذ روحه الأخير.

طيلة يومين احتفى الشعر بنفسه، كائناً خرافياً لا يجيب على الأسئلة بل يؤججها ويثيرها، طيلة يومين اثنين، أطلقت القصائد صدورها على الرصاصات، وتحدّت بأصابعها البيضاء الصغيرة أنياب الوحش، حيث توزعت فعاليات “مهرجان فبراير الشعري الدولي الخامس، شرق – غرب”، في دورته الخامسة، التي ينظمها الشاعر والمترجم العراقي عبد الهادي سعدون، على يومي الجمعة 25 فبراير، في صالة البيت العربي،والسبت 26 فبراير 2022، في صالة روندا دي سيغوبيا، بمشاركة 22 شاعرًا من خمسة عشر بلدا هي الأرجنتين وكولومبيا وكوبا وتشيلي والصين وإسبانيا والعراق والمغرب ونيبال ونيوزيلندا وبيرو وصربيا وسوريا وأوروغواي. 

الشّعر صوت الحياة

ابتدأ المهرجان بكلمة موجزة لمنظمه، الشاعر عبد الهادي سعدون، أكد فيها على أن الشعر هو صوت الحياة المعاكس لأصوات الحرب والموت، وعلى أن القصيدة هي وجه السلام الذي تعبث به الحكومات والطغاة، مشيرا إلى أن المهرجان قد اعتاد على أن تخصص كل دورة له باسم شاعر مؤثر في الشعر العالمي، مثل لوركا، وبابلو نيرودا، لذا فقد خصصت هذه الدورة للصوت الأنثوي الشعري، الممثل بشاعرة بلاد ما بين النهرين “إنهيدوانا” التي تعتبر أقدم شاعرة معروفة في التاريخ و “الكاهنة العليا” في معبد الإله نانار، إله القمر في الأساطير السومرية والبابلية، ومعتبرا أن الصوت الأنثوي الواضح من غلبة عدد الشاعرات المشاركات، يمثل صوت حفيدات الشاعرة السومرية الأولى التي دعت في نصها إلى الحب والسلام، وإلى عشق أمنا الأرض بكل ما فيها.

وقبل بدء القراءات الشعرية، دعا سعدون إلى تكريم الصوتين الشعريين اللذين فقدتهما الساحة الأدبية في مدريد خلال أقل من شهر من قبل بدء المهرجان، الأديب والمترجم والباحث الفلسطيني، الدكتور محمود صبح، أستاذ الادب العربي في جامعة كومبلوتنسي، الذي رحل يوم الأربعاء الماضي 22 شباط، والشاعر الاسباني المعروف، أنخيل غينيدا الذي يعتبر من أهم الأصوات الشعرية المعاصرة في اسبانيا، والذي رحل في نهاية شهر كانون الثاني الفائت، حيث تمت قراءة قصائد للشاعرين المذكورين باللغتين العربية والاسبانية.

صورة من فعاليات مهرجان فبراير الشعري في مدريد الذي ينظمه الشاعر والمترجم العراقي عبد الهادي سعدون

ثم ابتدأت الفعاليات الأساسية بعرض فيديو ثم بدأت القراءات مع الشاعرة السورية المقيمة في باريس والتي جاءت مدريد بدعوة من البيت العربي في مدريد، مرام المصري التي قرأت قصائدها الموجوعة، بصوتها الهادئ والعميق، حيث حملت في صورها الشعرية، صور أطفال سوريا الذين ناموا معا ولم يكبروا، وصور أطفال سوريا الذين ولدوا في المعتقل لأم معتقلة، كما قرأت الشاعرة الصربية دوسيكا نيكوليتش ​​دان التي قالت أن من يزرع القمح يأكل الخبز، ومن ينتج السلاح لا بد أن تصيبه الأسلحة، مؤكدة أن الشعوب هي ضحايا الطغاة، وضحايا الحكومات التي تنتج الأسلحة وتصدرها، مصرحة أنها من يوغسلافيا، البلد الذي لم يعد موجودا، الأرض التي عرفت الحرب وذاقتها بأرواح ناسها، وبأصابع أطفالها، وصارخة: “أني حزينة جدا اليوم، أنا اليوم لست من يوغسلافيا، ولست من صربيا، أنا اليوم من كرواتيا، من سوريا، من العراق، ومن اليمن”، ثم قرأت الشاعرة الصينية التي ولدت في اسبانيا بالوما تشين (إسبانيا – الصين) قصائد تنادي بالاحتفاء بالحياة، وتعري وجه الحرب البشع،  ثم قرأ الشاعر الاسباني المعروف خوان كارلوس دي سانشو ليتبعه الشاعر والمترجم العراقي محمد الأمين المقيم في هولندا، الذي قدم نصوصا طاعنة الشاعرية، حيث تلاحق الصور أخواتها في ركض رشيق بين الواقع والمجاز، ليعيد استحضار بغداد التي تعيش بين الرموش، بغداد التي لم ينقذها شعراؤها الألف، وليحاول الهروب من وحش الحنين الذي ينام في بين رؤوسنا ووسائدنا، ثم قرأت الشاعرة إيتشا جيري قصائدها بلغتها النيبالية ثم بالانكليزية، ليقرأ بعدها الشاعر القادم من البيرو والمقيم في اسبانيا، ألفريدو بيريز ألينكارت، والشاعرة سيلفيا كويفاس موراليس (تشيلي)، والشاعرة مارتا لوبيز فيلار (إسبانيا)، والشاعرة سلمى بشار عاطف (المغرب)، والشاعر بيدرو إنريكيز (إسبانيا)، والشاعر إيما روميو ريانو (كوبا – الولايات المتحدة الأمريكية).

تكريم عباس كيارستمي

أما اليوم الثاني من المهرجان فقد كان مخصصاً لتكريم شخصية الشاعر والسنمائي الإيراني، عباس كيارستمي، وذلك بعرض سلسلة من الافلام القصيرة لمجموعة من طلبة معهد السينما، بالاضافة إلى عرض خمسة افلام شاعرية تتضمن أسلوباً من أساليب السينمائي كيارستمي.

كما كان اليوم الثاني أيضا مخصصاً لمجموعة من الشعراء ينتمون لجهات مختلفة مثل الشاعرة السورية، ملك مصطفى، والشاعر العراقي حسن نابا، والشاعرة المغربية سناء المقدم، والشاعر البيرواني ليو ثيلادا، والأورغواي خوان تاخيس، والشاعر الكوباني بيو سيرانو، والشاعر الكولمبي جيسون غارثيا، اضافة لأصوات من شعراء إسبانيا مثل خوسي مانويل مخياس، وخوان كارلوس دي سانشو ومارتا مار وفلي موينو، وعايدة أكوستا، وراكيل ساراساغا.

ومن الجدير بالذكر، أن هذا المهرجان في دورته الخامسة جاء بمساندة وتعاون من جهات ثقافية متعددة مثل البيت العربي في مدريد، وبيت آسيا ومنتدى التبادل الثقافي العربي الإسباني الذي قدم شهادات تقديرية للشعراء من خلال شخصية عبدو التونسي رئيس النادي، بالإضافة إلى مؤسسة البيت ومؤسسة الركن العربي، وشركة آنتينا بلو السينمائية، ومهرجان الهايكو في لاهاي ومجموعة لازورد الثقافية.

خاص مجلة قنآص

ميسون شقير؛ شاعرة وصحفية سورية، حاصلة على درجة الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة من جامعة مدريد المستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى