حوار مع الراحل نغوغي وا ثيونغو
ترجمة: رفيدة جمال ثابت
يُعد الروائي الكيني نغوغي وا ثيونغو، الذي رحل مساء الأربعاء الماضي، عن عمر ناهز 87 عاماً، من أعمدة الأدب الإفريقي الحديث، إذ ترك بصمة عميقة عبر أعماله التي امتدت تأثيراتها إلى أجيال وبلدان ولغات مختلفة. وكان من أبرز المدافعين عن استخدام اللغات الإفريقية الأصلية في الأدب، ورفض الأنظمة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية التي اعتبرها امتداداً للقمع الثقافي والسياسي.
في حلقة مهمة من بودكاست «بين دفتي الكتب»، والتي أُذيعت في أبريل 2023، استعرض الكاتب ديفيد نايمن قضايا الاستعمار وتداعياته على الهوية والثقافة مع الروائي الكيني نغوغي وا ثيونغو. وتطرق النقاش إلى دور اللغة والهيمنة الثقافية في تشكيل تجارب الشعوب المستعمَرة.
وفيما يلي، مقتطفات من هذا الحوار:
نايمن: نناقش اليوم أحدث كتب نغوغي وا ثيونغو «لغة اللغات»، وهو مجموعة من مقالاته ومحاضراته التي كتبها وألقاها على مدى العشرين عامًا الماضية، ويُعد أول كتاب يُخصص بالكامل لاستكشاف أفكاره حول الترجمة وتأثيراتها. تحتل الترجمة مكانة جوهرية وأساسية في اهتمامات نغوغي السياسية والأيديولوجية، سواء في أدبه الروائي أو غير الروائي، والموجه لكافة الأعمار. فهي تمثل جوهر أفكاره المتعلقة بالهوية ومعرفة الذات وتقرير المصير، ورؤيته للرأسمالية وتبعات الاستعمار. كما تتجلى فيها تصوراته عن العلاقات الدولية وطموحه لبناء مستقبل أكثر عدلاً، ما يجعلها العمود الفقري لمسيرته الأدبية والفكرية. إن الحديث عن الترجمة بمعناها الأوسع هو الحديث عن نظريات ما بعد الاستعمار لدى نغوغي، وعن الارتباط بين الرأسمالية والاستعمار، وعن اللغة وعلاقتها بمعرفة الذات وتقرير المصير، والعديد من القضايا الأخرى.
بالنظر إلى قرارك الذي اتخذته قبل 45 عامًا بالكتابة بلغة الكيكويو من ذلك الحين فصاعدًا، أردت أن أتناول وضع اللغات الأفريقية اليوم. لقد ذكرت سابقًا أن أجسادنا هي مصدرنا الأول للمعرفة، وأن نظرتنا السلبية إلى شعرنا أو بشرتنا ما هي إلا أحد أشكال العبودية. وأظن أنك عبرت عن فكرة مشابهة بشأن اللغة، إذ وصفت انفصال الإنسان عن لغته الأم بأنه نوع من العبودية أيضًا. كما تحدثت عن اللغة بوصفها وعاءً للذاكرة، وبيّنت أن من دونها لا نستطيع بناء علاقاتنا مع الآخرين أو الطبيعة، أو حتى مع أجسادنا وذواتنا. وذكرت كذلك أن أحد آثار فرض المُستَعمِر لغته هو تأثيرها على ذاكرة الشعوب، وأنه أينما ذهب الأوروبيون غرسوا ذاكرتهم غرسًا، وأن هذا الاندماج في الذاكرة الأوروبية كان له، وما زال، عواقب وخيمة على إفريقيا. أود أن تستفيض بالحديث عن مفهوم الجسد بوصفه مصدرًا للمعرفة، وعن ذاكرة اللغة، وأن تشاركنا وجهة نظرك حول التحولات، أو عدمها، التي طرأت على وضع اللغات الإفريقية خلال السنوات الخمس والأربعين التي قضيتها في الكتابة بها.
نغوغي وا ثيونغو: أحد مظاهر دهاء المُستَعمِر كان إدراكه أن اللغة هي مفتاح الاستعمار الحقيقي. بمعنى أنك إذا استعمرت لغات الشعوب، فإنك بذلك تستعمر عقولهم، وكان هذا جوهر كتابي «تحرير العقل من الاستعمار». لقد دفعتني هذه الأفكار إلى كتابة روايتي عن العلاقة بين اللغة والاستعمار. وخلصت إلى أن المُستَعمِر، حتى وإن كان هدفه الأساسي هو السيطرة على الأراضي والموارد والأيدي العاملة، يجد في اللغة وأنظمة التسمية وسيلة أكثر فعالية. على سبيل المثال، عندما استعمرت اليابان كوريا بين عامي 1910 و1945، فرضت اللغة اليابانية على الكوريين وأجبرتهم على استخدام الأسماء اليابانية. وانتهج الفرنسيون الأسلوب ذاته أينما ذهبوا، وكذا فعل البرتغاليون والإسبان والإنجليز. إنني أرفض جميع الأنظمة الهرمية، بما في ذلك تلك التي تميز بين اللغات. أرفض الافتراض القائل إن بعض اللغات أرقى من غيرها. وبرأيي أن جميع اللغات تحمل شيئًا فريدًا تقدمه للعالم. الإشكالية الحقيقية في علاقة اللغات تكمن في تصنيفها ضمن تسلسل هرمي. ولكن عند وضع اللغات في شبكة من التفاعل والعطاء المتبادل، فإنها تخلق طاقة وحياة وتضيف شيئًا جديدًا. التسلسل الهرمي يخنق اللغات، أما النظام الشبكي فيسمح لها بالتنفس والازدهار. وعندما تتنفس اللغات، تتبادل العطاء، وهنا يأتي دور الترجمة، فأنا أكتب بلغتي الكيكويو، ويمكن ترجمة هذا الإبداع إلى الماندرين أو الروسية أو الإنجليزية أو الإسبانية أو أي ثقافة أخرى.
نايمن: تتمثل السخرية في أن جائزة أدبية أفريقية تشترط كتابة الأعمال باللغات الأوروبية، أو كما ذكرت، في أنك قد سُجنت بسبب انتقادك للحكومة وكتابة ذلك بلغة أفريقية. والأكثر سخرية أن الحكومة التي ناضلت ضد الاستعمار البريطاني من أجل الاستقلال هي نفسها من هاجمت ناشرك وقطعت إصبعه لمجرد نشره لروايتك الأولى بلغة أفريقية. هذا التناقض واضح للعيان. ففي الماضي، كنت تُضرب وتُهان وتُجبر على ارتداء لافتة مكتوب عليها (غبي) إذا تحدثت بلغتك الأم في المدرسة، والآن، وبعد الاستقلال، لا تزال بعض الحكومات الأفريقية تمارس السياسات نفسها. أود أن أربط هذا بما ذكرته في مقابلتك مع الكاتبة الزامبية ناموالي سيربل لمجلة ذا باريس ريڤيو. عندما سألتك عن عناوين كتبك، أوضحت أنك تميل في البداية لإعطاء جميع رواياتك العنوان ذاته، وهو «الصراع مع الملاك»، لأنه منذ صغرك كنت مفتونًا بلوحة يعقوب يصارع الملاك، وأن هذا المشهد ترك أثرًا عميقًا في نفسك، وأنه لطالما جذبتك فكرة صراع الإنسان مع قوة أعظم، وفكرة أن الصراعات هي محرك التقدم. وعندما درست أعمال ماركس وإنجلز، ثم فرانتز فانون، بدأت تفهم لماذا لم يتغير نمط الاستغلال حتى بعد الاستقلال. هلا حدثتنا عن هذه الظاهرة، أي عن حالة ما بعد الاستعمار؟ وكيف أن ما يحدث اليوم في أفريقيا يمكن فهمه بجلاء عند تأطيره بفكر فانون؟ ولماذا، برأيك، تستمر بعض أشكال العقوبات التي كانت قائمة في عهد الاستعمار، بالرغم من انتقالنا إلى حقبة ما بعد الاستعمار؟
نغوغي: دعني أضيف بدايةً شيئًا آخر بخصوص اللغة. أحب الأصوات التي تحمل كل شيء بالنسبة لي. العبودية هي أن تعرف جميع لغات العالم ولا تعرف لغتك الأم أو لغة ثقافتك. أما إذا كنت تعرفهما وأضفت إليهما لغات العالم الأخرى، فهذا هو التمكين. فأنا أرى في تعدد اللغات قوة، بشرط أن يكون متجذرًا في اللغة الأم الأصلية.
نايمن: هل تعتقد أن سياسة اللغة في جنوب أفريقيا خطوة في الاتجاه الصحيح؟ فقد كانت لديهم، إبان فترة الاستعمار، ثلاث لغات رسمية، وكلها من أصل أوروبي، والآن لديهم سياسة تشمل إحدى عشرة لغة رسمية، منها اثنتان فقط من أصول أوروبية. هل تراه توجهًا صائبًا من جانب الحكومات الأفريقية؟
نغوغي: لكل إنسان الحق في التحدث بلغته الأم أو لغة ثقافته، وعندما يتعلم لغات أخرى فإن ذلك يعد مصدر قوة وتمكين. غير أن البعض حين يسلك النهج المعاكس، فإنه يطمس اللغات الأخرى. لغة المُستَعمِر هي اللغة الحقيقية الوحيدة. ولذلك يزعم الفرنسيون أن الفرنسية هي اللغة الحقيقية الوحيدة، والإسبان والبرتغاليون يدعون الأمر نفسه. هذا النهج الهرمي في التعامل مع اللغات خاطئ بلا ريب. لا يهم إن كانت اللغة هي الكيتشوا في أمريكا اللاتينية، أو لغة مختلفة أخرى، حتى داخل أوروبا هناك لغات مهمشة بالقدر ذاته، مثل لغة شعب السامي في الدول الإسكندنافية.
نايمن: أود أن نتناول تجربتك في الكتابة والنشر بلغة الكيكويو، بكل ما حملته من متعة وتحديات. إلى جانب العنف والتهديدات التي واجهتها بسبب الكتابة بلغة أفريقية، هناك تحديات أخرى للكتابة بهذه اللغة. على سبيل المثال، أشرت في حوارك مع ناموالي سيربل إلى ندرة التراث المكتوب بهذه اللغة، وأنه في البداية، كان هناك (شيطان) يجثم على كتفك ويغريك دومًا بالاستسلام والعودة إلى الإنجليزية كلما واجهت صعوبة في العثور على الكلمة المناسبة.
نغوغي: أسميه «الشيطان الصغير»، ولهذا أعدت نشر مذكراتي في السجن تحت عنوان «الصراع مع الشيطان»، وما أعنيه هو أن الكتابة باللغة الإنجليزية تجعلك معتادًا عليها. والواقع أن المشكلة لا تكمن في الإنجليزية أو الفرنسية أو أي لغة أخرى، بل في الاعتياد عليها. وعندما تحاول التعبير بلغتك الأم، تجد ذلك الشيطان يوسوس في أذنك: «أنا هنا، لماذا تواجه كل هذه الصعوبات؟». قد يصيبك الإحباط وتستسلم قائلًا: «حسنًا، تعال، دعني أواصل الكتابة بالإنجليزية وأتجاوز ذلك». ما يغيب عن بالنا أحيانًا هو أننا أمضينا سنوات طوال نتعلم الإنجليزية ونتكيف معها حتى أصبحت مألوفة كما هي الآن. لم تلج نظامنا بسهولة؛ بل استغرق الأمر أعوامًا كثيرة من التدريب والتكييف المدرسي وغير ذلك. وهذه إحدى المشكلات. إننا نعيش الآن في عالم أُطلق عليه «الانحراف المُطبَّع»، حيث أصبح النظام الاستعماري انحرافًا مُطبَّعًا. لكنه في الحقيقة لم يكن طبيعيًا، فقد عاقب السكان الأصليين في أمريكا وكندا وأستراليا وكينيا وكذلك الأفارقة لمجرد تحدثهم بلغاتهم. الإنجليزية والفرنسية تأسستا على قبور اللغات الأفريقية، وهذا ما أراه خطأً فادحًا. وهذا الانحراف أضحى وضعًا طبيعيًا بعد الاستقلال. بيد أن كل لغة تحمل في طياتها إمكانيات هائلة وتملك موسيقاها الفريدة، ولديها ما تقدمه وتضيفه إلى اللغات الأخرى. ولكن عند وضعها في نظام هرمي، فإنها تُخنق وتُقمع.
نايمن: حدثنا عن سبب رغبتك في ترجمة أعمالك بنفسك عوضًا عن الاعتماد على مترجم آخر. لماذا ترى أن من المهم أن تقوم بهذه المهمة بنفسك؟ وما هي فلسفتك الخاصة في الترجمة؟ أعلم أنك عندما بدأت الترجمة، كنت تسعى إلى توعية القارئ بلغة المصدر وإيقاعاتها، ولكن ذلك تطور مع مرور الوقت. كيف تصف تجربتك كمترجم إلى الإنجليزية؟ وما الذي دفعك لاتخاذ هذا المسار؟ وكيف تصف نهجك وأساليبك في الترجمة؟
نغوغي: قررت تولي ترجمة أعمالي بنفسي بدافع الضرورة، لأنني لم أجد وقتذاك أحدًا يمكنه، أو يرغب في، ترجمة كتبي إلى الإنجليزية بالسرعة المطلوبة، باستثناء كتاب واحد وهو «ماتيجاري»، الذي ترجمته إلى الإنجليزية وانجي وا غورو. في البداية، أردت دحض الفكرة السائدة آنذاك، والتي تقول إن الكتابة بلغة إفريقية تعني الإقصاء والتهميش. ومن ثم، إذا كتبت بلغة الكيكويو، سأغلق الباب أمام القراء الأفارقة الذين لا يتحدثون هذه اللغة. لذا، أردت هدم تلك الفكرة. كان مهمًا لي أن تكون أعمالي متاحة بالإنجليزية، ولهذا توليت مهمة ترجمة أعمالي بنفسي.
بيد أن ترجمة عملك الخاص هي مهمة شاقة، لأنها أشبه بإعادة كتابة العمل مرتين. في المرة الأولى، تكون التجربة ممتعة لأنها تشبه رحلة استكشافية. لكن في المرة الثانية، تقول لنفسك: يا إلهي! [ضحك]. لا أجد أي متعة في ترجمة أعمالي بنفسي، لذا لا تحمل الترجمة بالنسبة لي أي إثارة. ومع ذلك، سيأتي يوم يصبح فيه لدينا العديد من المترجمين البارعين الذين بوسعهم الترجمة من الكيكويو إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو إلى الإجبو أو اليوروبا أو الصومالية أو الزولو أو السواحلية، وغيرها، وهذا من شأنه أن يحدث فارقًا كبيرًا. ولكن لدينا مشكلة رئيسية يجب الانتباه إليها، وهي أن سياسات التعليم في أفريقيا معادية للغاية للغات الإفريقية، وهو أمر لا يُصدَّق. هناك بعض الاستثناءات مثل تنزانيا، ولكن بشكل عام، أغلب القارة تهيمن عليها برامج تعليمية مناهضة للغات الإفريقية. هذه السياسات تتغير ببطء. لكن الوضع مؤسف، لأن الحكومات الإفريقية لا تنفق قرشًا واحدًا لدعم اللغات الأفريقية، بينما تنفق مبالغ ضخمة لدعم الإنجليزية أو الفرنسية أو البرتغالية. ولكني أؤمن أن هذا الوضع سيتغير مع مرور الوقت.
نايمن: في كتابك «جدل العولمة»، تحدثت عن الرؤية الجدلية العولمية للعالم باعتبارها أرخبيلًا من الكنوز الثمينة، وفي «لغة اللغات» وصفت اللغات بأنها سيمفونية، وأيضًا جسور لأن الجسر لا يسير في اتجاه واحد. وأخيرًا، في كتاب «جدل العولمة»، تحدثت عن أهمية تناول العلاقة بين اللغات من منظور جذموري، مؤكدًا أن الترجمة هي حجر الأساس في هذا المنظور، وأنه بتلك الطريقة يمكن تحطيم التسلسل الهرمي. أود منك الحديث عن مسألة هدم التسلسل الهرمي، سواء من الناحية اللغوية أو السياسية، سعيًا لاستشراف واقع ما بعد الاستعمار متحررًا من هيمنة الذاكرة الأمريكية والأوروبية. لقد ربطت بين اللغة والموارد بجلاء، فقلت: «حماية اللغات الأفريقية ينبغي أن تكون جزءًا من رؤية شاملة لحماية مواردنا الأفريقية». كما أضفت: «في اللحظة التي فقدنا فيها لغاتنا، فقدنا كذلك أجسادنا، والذهب والألماس والنحاس والقهوة والشاي. حين تقبلنا (أو أُجبرنا على تقبل) عجزنا عن استخدام لغاتنا، تقبلنا كذلك فقدان التحكم في مواردنا الهائلة». حدثنا عن علاقة اللغة بالموارد، وعن الارتباط الوثيق بين إحياء الذاكرة الأفريقية عبر اللغة وبين الإطاحة بالرأسمالية الاستعمارية المستنزِفة.
نغوغي: قدمت أفريقيا لأوروبا ثرواتها الطبيعية. بينما قدمت لنا أوروبا لهجاتها. وفي مقابل تلك اللهجات، مكناهم من الوصول إلى موارد قارتنا. أرى أن هذه هي المشكلة الحقيقية التي تواجه أفريقيا؛ هذه العقلية التي تعوقنا عن رؤية الإمكانيات الكامنة في القارة. إنها تمنعنا من رؤية ما يمكننا تحقيقه بأنفسنا داخل القارة. ومشكلة القارة يمكن إيجازها -برأيي- في اللهجات والسيطرة على الموارد. إنهم يعطوننا اللهجات، ولكن بالمقابل نمنحهم السيطرة على الذهب والنحاس والألماس واليورانيوم، وكل الموارد الأخرى التي تزخر بها قارتنا. وقد أصبحنا مهووسين للغاية بكمال اللهجات لدرجة أننا لا نلاحظ أننا قد سمحنا للآخرين بالسيطرة على مواردنا، بغض النظر عن كيفية تحدثهم بلغاتهم.
أنا فخور جدًا ببلدي كينيا. ولكن حين نحتفل بالاستقلال، ويخاطب قادة البلاد الشعب الكيني، نفاجئ أن كل قائد يتحدث في ذلك اليوم التاريخي باللغة الإنجليزية، رغم أن اللغة السواحيلية تصل إلى عدد أكبر من الكينيين مقارنة بالإنجليزية، ومعظم القادة الأفارقة في كينيا يتحدثون السواحيلية بطلاقة. ومع ذلك، عند وقوفهم على تلك المنصة للتحدث إلى الشعب، فإنهم لا يتحدثون إلى الأمة، بل إلى الأمريكيين والنخبة الناطقة بالإنجليزية. هذا السلوك التلقائي يثير دهشتي ويجعلني أتساءل: «ما الخطب؟». والإجابة هي الانحراف المُطبَّع. عندما تخاطب الأمة وتحدثها عن تاريخها وفخرها بماضيها، يجب أن تحتفي بإنجازاتها باستخدام اللغة الأكثر شيوعًا في البلاد. وهذا يكشف لنا التكييف الذي أشرت إليه سابقًا. إن اللغة تلعب دورًا مهمًا في هذا التكييف، ما يجعلنا مهيئين لعدم رؤية القارة. نحن أبناء هذه القارة، لكننا لا نبصرها.
نايمن: أردت أن أختم الحديث بتناول موضوع عملية التحرر من الاستعمار هنا في الولايات المتحدة. ألقيت محاضرة في مجلس ييل للدراسات الأفريقية بعنوان «تحرير الجامعة الأمريكية من الاستعمار»، وتحدثت فيها عن حملتك في الستينيات التي سعت إلى إقناع جامعة نيروبي بتحويل قسم اللغة الإنجليزية إلى قسم الأدب. كما غيرت اسمك من جيمس نغوغي إلى نغوغي وا ثيونغو.
نغوغي: اسمي الأصلي كان نغوغي وا ثيونغو.
نايمن: حسنًا. كما أكدت على ضرورة إنهاء الاستعمار حتى هنا في الغرب. لقد تحدثت مرارًا عن شخصيتي بروسبيرو وكاليبان، وكذلك روبنسون كروزو وفرايداي، وأشرت إلى أن كاليبان يعرف عن بيئته أكثر مما يعرف بروسبيرو، تمامًا كما كان السكان الأصليون في الكاريبي يعرفون عن أراضيهم أكثر من كولومبوس. بيد أن جميع المعارف تُشفَّر بلغة المُستَعمِر، فيندثر الأصل ويُهجر، ويغدو ما سجله بروسبيرو أو كولومبوس هو الأصل الرسمي. والدراسات الحديثة تعتمد على هذا (الأصل الرسمي) باعتباره المصدر الصحيح. أفكر فيما ذكرته حول دعوتك للكُتّاب والباحثين من الأمريكيين الأصليين ومن هاواي، بوصفك رئيسًا للمركز الدولي للكتابة والترجمة في إيرڤين، وأتساءل إن كان ينبغي البدء من أقسام اللغة الإنجليزية هنا في أمريكا الشمالية، لا بتغيير مسمياتها إلى أقسام الأدب فحسب، بل أيضًا بإدراج أدب السكان الأصليين الأمريكيين والأدب الأمريكي الأفريقي ليكونا على قدم المساواة مع الأدب الإنجليزي التقليدي، كما تطرحه رؤيتك في كتاب جدل العولمة؟
نغوغي: نعم. سيكون هذا جوهر التأسيس الحقيقي للهوية الأمريكية، بعيدًا عن هوية المُستَعمَر السائدة في أمريكا اليوم. بل إنهم لا يزالون مُستَعمِرين. هذه هي حالة «الانحراف المُطبَّع» التي وصفتها، والتي تتجلى بوضوح في كندا والولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا. وما أقصده بالانحراف المُطبَّع هو أن المُستَعمَرين لم يمروا بتجربة الاستعمار بأنفسهم هنا. هذه حقيقة لا أختلقها. من أعلنوا استقلالهم كانوا هم المُستَعمِرين الذين قطعوا روابطهم مع أوروبا، ولكنهم -في جوهرهم- لم يتغيروا؛ ظلوا الأوروبيين الذين استَعمَرَوا. كندا وأمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا برمتها تأسست على هذا الانحراف المُطبَّع، فالسكان الأصليون الذين تم استعمارهم لم يخوضوا تجربة الاستعمار مباشرة، بل كان المُستَعمِرون هم من قالوا: «الآن نحن مستقلون». وهذه هي حقيقة «الانحراف المُطبَّع».
هذا الانحراف شائع أيضًا في سياقات أخرى، مثل استمرار النخب في إفريقيا في استخدام اللغات الأوروبية للتواصل مع الشعوب. وكما ذكرت، لا توجد مشكلة في اللغات الأوروبية بحد ذاتها، بل في طبيعة العلاقة بينها وبين اللغات الأفريقية أو وضعهما في مقارنات مجحفة. هذا العالم الذي يعتبر الانحراف طبيعيًا يشبه جرح نرفض استكشاف أسبابه ومنبعه، لكن كيف نتوقع الشفاء إن غضضنا البصر عن جوهر العلة؟ تقول: «إنه أمر طبيعي. من الطبيعي أن آتي وأستعمرك، وأحتل أرضك، وأستلب لغتك»، ثم تقول: «نحن الآن مستقلون!». لقد تم تطبيع الاستعمار ليصير نظامًا مرغوبًا في كل مكان. نحن فخورون به. نحن مستقلون. ولكن ماذا عن السكان الأصليين الذين اُستعمروا بالفعل ونُهبت أراضيهم واستلبت لغاتهم؟ للأسف، الانحراف المُطبَّع في النظام الرأسمالي الاستعماري ليس مجرد مسألة أمريكية، بل إنه ظاهرة متفشية في جميع أنحاء العالم.
نغوغي وا ثيونغو: أحد أبرز الكُتّاب والمفكرين الأفارقة. شغل العديد من المناصب الأكاديمية في جامعات مرموقة مثل ييل ونيويورك. كان للنضال السياسي دور محوري في مسيرته؛ إذ لاقت مسرحياته وأعماله الأدبية معارضة شرسة من جانب الحكومة الكينية، ما أدى إلى سجنه. وبعد إطلاق سراحه في 1978، اختار المنفى هربًا من الضغط السياسي، ليستقر في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، حيث واصل الكتابة وتدريس الأدب. ولم يعد إلى كينيا إلا بعد 22 عامًا. من أهم أعماله «لا تبك أيها الطفل»، و«حبة قمح»، و «النهر الفاصل»، و«بتلات الدم».
ديفيد نايمن: كاتب ومقدم البرنامج الإذاعي الأدبي والبودكاست «بين دفتي الكتب». نُشرت أعماله في تين هاوس، وبولوڤارد، وستوري كوارترلي، وغيرها. كما أُعيد نشرها في مجلد أفضل القصص القصيرة لعام 2016.
*****
رفيدة جمال ثابت باحثة ومترجمة مصرية. حاصلة على ماجستير في الأدب الإنجليزي، ودبلوم الترجمة. شاركت بالعديد من الترجمات الأدبية والثقافية في المجلات العربية. ساهمت كذلك في الترجمة العربية لموسوعة ستانفورد للفلسفة. ومن أعمالها المترجمة (الحديقة المنسية)، و(سيكولوجيا الجمال)، و(ألعاب المستقبل)، و(الشفاء من الخجل السام)، و(سيناريو الفيلم القصير).








