وداعاً سهير البابلي: الشخصية المكتنزة | رولا حسن

من ينسى أبلة عفت وضميرها في مدرسة المشاغبين، أو سكينة شريكة ريا الراحلة شادية في “ريا وسكينة” الشريرة، لكن على قدر كبير من خفة الدم، سريعة البديهة. والطريفة في أعمال علقت في أذهان المشاهدين ولم يستطيعوا نسيان الكثير من مشاهدها، لا بل يتندرون في حياتهم اليومية بالكثير من الجمل التي قالتها وكأنها علامة فارقة.

من ينسى بكيزة الدرمللي بنت الأصول التي واجهت بأرستقراطيتها العفوية مقالب زغلول ابنة البيئة الشعبية البسيطة في شراكة ذات طابع مختلف ولافت مع الفنانة اسعاد يونس تلفزيونيا وسينمائيا.

البدايات

بدأت مسيرة سهير البابلي أواخر خمسينات القرن الماضي، وهي من مواليد دمياط ١٩٣٥، التحقت بمعهد الفنون المسرحية ومعهد الموسيقا، وقد دفعها الممثل والمخرج المسرحي الراحل فتوح نشاطي لاحتراف الفن، وساعدها على الانضمام للمسرح القومي والتواجد في أعمال مع نجمتين كبيرتين من نجوم المسرح المصري والعربي هما سناء جميل وأمينة رزق، الأمر الذي لعب دوره فيما بعد في منحها أدوار البطولة كما صرحت في أحد حواراتها.

بدأت موهبتها في التجلي عن طريق المسرح واكتشفت أن لها ميولا كوميدية، وأنها تستطيع عبر تركيبة شخصيتها المميزة أن تؤثر على فكر ووجدان الجمهور ولاحظ أساتذتها هذه الميزة الفريدة في امرأة، ولا سيما أن معظم نجوم المسرح في ذلك الوقت كانوا من الرجال بخلاف الممثلة ماري منيب.

عملت البابلي مع المسرح القومي وقدمت اعمالا مهمة على سبيل المثال لا الحصر الناس اللي فوق، ليلى والمجنون، والخال فانيا والعالمة باشا لاحقا.

في عام ١٩٦٦عرض عليها المنتج المسرحي سمير خفاجي الانضمام لفرقة الفنانين المتحدين لتقدم من خلالها أعمال مهمة جدا مثل ريا وسكينة، على الرصيف، وسليمان الحلبي.

أعمال لامعة

تعرف المخرج جلال الشرقاوي على البابلي من خلال متابعته لها في المسرح القومي وكان يعمل حينها في مسرح “الحكيم” وأراد ضمها في أول عرض أخرجه وكان بعنوان “آه يا ليل آه يا قمر” وهو أول تعاون بينهما، ومن ثم جاءت “مدرسة المشاغبين” و “ع الرصيف” التي تنتمي الى المسرح السياسي.

تميزت سهير البابلي في مدرسة المشاغبين العمل المقتبس عن الفيلم البريطاني “إلى المعلم مع الحب” فدورها في “أبلة عفت” مطبوع في ذاكرة معجبيها كعلامة فارقة، ويقول المخرج جلال الشرقاوي في مذكراته: “خلال عرض مدرسة المشاغبين كانت سهير على خلاف مع عادل إمام وسعيد صالح لكثرة ارتجالهما، وهو ما دفع عادل إمام إلى الانسحاب أمام الجمهور كما انسحبت سهير مرتين حتى حلت مكانها ميمي جمال ومن ثم نيللي”.

مدرسة المشاغبين كان نقلة غير متوقعة لسهير من المسرح القومي الذي يتسم بأداء الدراما والتراجيديا، والإلقاء باللغة الفصحى الى البطولة المطلقة مع الفنانين المتحدين التي تقدم الكوميديا.

أما أبرز أدوارها في التلفزيون فكان في عملها بكيزة وزغلول، حيث جسدت دور بكيزة هانم الدرمللي المتكبرة والمسكينة في الوقت نفسه. ونجحت في جعل الجمهور يتعاطف معها ويحبها رغم كل التعالي المقيت الذي تبديه، ولشدة نجاح المسلسل التي شاركتها بطولته إسعاد يونس تم تقديمه فيلما باسم “ليلة القبض على بكيزة وزغلول” الذي حظي بدوره بنجاح ملفت.

قدمت البابلي الكثير من الأفلام المهمة التي تألقت فيها “لن أعود”، “المرأة المجهولة”، “ساحر النساء”، “يوم من عمري”، “جناب السفير”، “أيام الحب”، على سبيل المثال لا الحصر.

اعتزال سهير البابلي ترسيخ للصراع بين الدين والفن

اعتزلت سهير البابلي في العام 1995 من القرن الماضي في الوقت الذي احتدم فيه الصراع بين الفنانين، وأصحاب الفكر من ناحية والجماعات المتطرفة التي حملت لواء التكفير، والتي اعتمدت العنف أسلوباً لفرض رؤيتها حول الفن والأدب ومختلف صنوف الإبداع، وصار الاعتزال طوفان يجتاح الوسط الفني، وقد تزامنت هذه الظاهرة مع المد الديني وما عرف بالصحوة الإسلامية، وظهور الدعاة الجدد من ناحية، وانتشار حوادث إرهابية طالت بعض المثقفين مثل فرج فودة ونجيب محفوظ من ناحية أخرى .

ولا أعتقد ان اعتزال البابلي يبعد كثيراً عن المد الديني الذي كان يجتاح المنطقة، فسهير البابلي لم تعتزل كهناء ثروت التي صرحت أنها لم تجد الراحة في الوسط الفني، وأن الأدوار التي تعرض عليها تخالف أخلاقياتها التي تربت عليها، فتفرغت لعائلتها بحسب موقع جوجولي ٣٠/١٢/٢٠١٤.

سهير البابلي كانت من فئة المعتزلات اللواتي لم يقنع بالحياة الأسرية، حالها كحال ياسمين الخيام وشهيرة، اللواتي حاولن أن يستبدلن رسالة الفن برسالة أخرى دينية، تكون وسيلة لمرضاة الله فاتجهن الى أعمال البر وخوض غمار الدعوة، وتجدر الإشارة هنا أنه ارتبط اعتزال هذه الفئة برموز دينية مهمة في الشارع المصري كعمر عبد الكافي والشيخ الشعراوي، التي صرحت سهير في أكثر من حوار لها أنها استشارته في أمر اعتزالها، وكانت واحدة من اللواتي أثار اعتزالها الجدل كونها لم تعتزل لسبب شخصي، وإنما لأسباب دينية وأخلاقية بالنتيجة. ومن ثم عودتها عام ٢٠١٥ للفن يضع المسألة موضع تساؤل حيث يثار سؤال مهم: هل في الحقيقة كان الاعتزال لأسباب دينية أم أن هناك أسباب أخرى تختفي تحت ما يحدث، أم أنهن اكتشفن أنه لا تعارض بين الدين والفن أم أن المسالة برمتها تخضع لأسباب اقتصادية تحرك الفنانات باتجاه الدين، أو الفن على نحو ما يروج البعض.

واعتقد ان المسالة تبقى مرتبطة بالعلاقة الإشكالية الرابطة بين الدين والفن في المجتمع المصري، وهي علاقة تحكمها الصيغة “إما أو” بحسب الناقد ماهر عبد المحسن فإما أن تكون متدينا، أو تكون فنانا، دون وجود حل وسط مرضي وإزاء هذا التعارض ظهرت محاولات للتوفيق بين هذين النقيضين فحاولت الفنانات أن يمثلن بالحجاب، الأمر الذي حصرهن في دائرة الأدوار الضيقة التي تتطلب شخصيات ترتدي الحجاب كدورها في مسلسل “قلب حبيبة”.

بهذا المعنى تكون سهير البابلي جزء من ظاهرة تعتبر برأي الكثير من نقاد الفن مؤشراً جيداً على فهم حالة التوتر القائمة بين الدين والفن في المجتمع المصري.

تميزت سهير البابلي بأدائها السلس سواء على خشبة المسرح أو في السينما والتلفزيون، حيث شدت نحوها ملايين المشاهدين في العالم العربي لقدرتها على تمثل الدور والانصهار فيه، حيث يؤكد النقاد أن البابلي هي مسرحية أولاً كونها لمعت في مسرحيات مدرسة المشاغبين وريا وسكينة والدخول في الملابس الرسمية وعطية الإرهابية.

ويقول الروائي المصري عزت القمحاوي في كتابه “ذهب وزجاج”: “إن أجمل ما يميز الأداء المسرحي لسهير البابلي هو علاقتها الخاصة جدا بالقناع المسرحي، أحيانا تنسى الفرق بين وجهها والقناع، وفجأة تنتبه فتضحك وتسقطه، وتجعل أقنعة زملائها تتشقق وتسقط هي الأخرى على الأرض وينتبه الجمهور إلى اللفتة الطيبة بإزالة الحاجز بينه وبين الخشبة بسبب “طعامة” سهير البابلي”.

رحلت سهير البابلي بعد 52 عاما من الفن الراقي، هو ما قدمته خلال مشوارها الفني تنقلت فيه بين السياسي والكوميدي والاجتماعي في المسرح والسينما والتلفزيون.

لقد رن آخر جرس في مدرسة المشاغبين ومضت أبلة عفت ولن تعود… رحلت بكيزة هانم ومعها طاقة الكوميديا التي سنفتقدها وسط الكوميدية المبتذلة التي تسود الآن، وسنبقى على الرصيف نتذكر أيام “العالمة باشا” التي حكمت عرش كوميديا المسرح، وستبقى جملتها المشهورة في مسرحية ع الرصيف: “مين اللي سرق مصر” ترن طويلا في ذاكرة المصريين.

خاص مجلة قَنّآص

received_419049722181402_edited.jpg

رولا حسن؛ شاعرة وصحفية سورية، صدر لها خمس مجموعات شعرية وكتاب في مجال النقد، تكتب في الصحافة منذ ١٩٩٦.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى