وليد إخلاصي: بين الحكاية والتجريب | علياء الداية

وليد إخلاصي، الأديب الذي أهدى مدينته حلب إبداعه مسرحاً وقصة ورواية ويوميات ومقالات، واستمر في الكتابة والنشر حتى أيامه الأخيرة. تُرجمت أعماله إلى لغات عدة منها الإنكليزية، والفرنسية، والروسية، والألمانية، واحتفت به وبأدبه كتب كثيرة، وقُدّمت مسرحياته على خشبات المسارح والمهرجانات العربية في سوريا ومصر والكويت والإمارات العربية ولبنان وتونس وقطر والبحرين والمغرب والعراق وليبيا، وكان إبداعه موضوعاً قيّماً للرسائل الجامعية من ماجستير ودكتوراه في جامعات العالم ومنها جامعة حلب.

ولد إخلاصي في مدينة الإسكندرونة عام 1935، ونشأ في مدينة حلب موطن أسرته، كانت محطاته الدراسية في مدرسة الحمدانية الابتدائية، ثم ثانوية التجهيز الأولى- المأمون، وبكالوريوس كلية الزراعة في جامعة الإسكندرية بمصر 1958، ودبلوم الدراسات العليا 1960. عمل في مؤسسة حلج وتسويق الأقطان بحلب، ومحاضراً في كلية الزراعة بجامعة حلب.

تم تكريمه في سوريا وخارجها، وحصل على جوائز منها جائزة محمود تيمور للقصّة القصيرة 1994 ، وجائزة سلطان العويس 1997. لقد أبدع وليد إخلاصي تدفعه محبته العارمة للبيئة الحلبية، بأمكنتها، وأزمنتها وحوادثها وطيوفها الاجتماعية، فهو يحرص على التجدد والاستمرار مع مدينته حلب دائمة التحوّل والتغيّر على مرّ العصور.

من مؤلفاته المطبوعة، في القصة: دماء في الصبح الأغبر، زمن الهجرات القصيرة، الطين، الدهشة في العيون القاسية، التقرير، موت الحلزون، الأعشاب السوداء، يا شجرة يا…، خان الورد، ما حدث لعنترة، الحياة والغربة وما إليها، حلب بورتريه بألوان معتّقة (حكايات). في الرواية: شتاء البحر اليابس، أحضان السيدة الجميلة، أحزان الرماد، الحنظل الأليف، زهرة الصندل، حكايات الهدهد، بيت الخلد، باب الجمر، دار المتعة، ملحمة القتل الصغرى، الفتوحات، سمعت صوتاً هاتفاً، الحروف التائهة، رحلة السفرجل. في المسرح: العالم من قبل ومن بعد (مسرحيتان)، الصراط، سهرة ديموقراطية على الخشبة (مسرحيتان)، هذا النهر المجنون، عن قتل العصافير (مسرحيتان)، أوديب، أغنيات للممثل الوحيد (أربع مسرحيات)، أنشودة الحديقة، من يقتل الأرملة (خمس مسرحيات)، مسرحيتان للفرجة، رسالة التحقيق والتحقق (ثلاث مسرحيات)، عن القدر والخطيئة (مسرحيتان)، العشاء الأخير (مسرحيتان). في الدراسات والمقالات: المتعة الأخيرة، السيف والترس، الصورة الناقصة، في الثقافة والحداثة، من الإسكندرونة إلى الإسكندرية.

“في علاقتي مع حلب نشأ عندي غرور شديد قد يكون عيباً فيّ لأنني أعتبر نفسي الشاهد الدائم على ما يجري في المدينة، وعلى ما بقي منها، وبالرغم من أن مثل هذا القرار لا يحق لي لكنني أصرّ عليه!”

التجريب والنشأة الإبداعية:

من خلال التجريب سعى وليد إخلاصي إلى تحقيق أسلوب يتسم بملامسة البيئة مع الإبقاء على حالة التثاقف مع الثقافات الأخرى؛ وكانت البيئة هاجساً يتحكم في معظم أعماله، فمن الإسكندرونة التي ولد فيها، إلى حلب مدينة الآباء والأجداد، ومن الطفولة كانت البداية مع الحياة الاجتماعية والثقافية. باب جنين، باب النصر، الفرافرة، السويقة، أحياء قديمة أحاطت كلها بقلعة حلب كما أحاطت وليد إخلاصي بحياة نشيطة أصبحت ذكرياتٍ عزيزة يستقي من مَعينها مادة غنية تتحول إلى قصص وروايات ومسرحيات في تناغم إبداعي يعمّق مكانة حلب.

كانت طفولته قاسيةً وسط الشظف الذي صاحب فترة الحرب العالمية الثانية، وكان على إخلاصي أن يمرّ بمراحل التعليم يتخللها تعرُّف الأجواءِ المحيطة المتنوعة في حلب، فكانت مدرسة الحفّاظ التي أرسله إليها والده، وكذلك مدرسة الحمدانية الابتدائية. وفي مراحل لاحقة بدأ إخلاصي يتنبه إلى تنوع المواهب الموسيقية والغنائية فتلفتْ انتباهَه المواويلُ والقدود، والمقطوعات الكلاسيكية الغربية. كما عرف حارات حلب ومناطقها الشعبية، ومن بينها سوق الجمعة بما فيه من اضطراب الباعة والمشترين ومساوماتهم وبضائعهم، إلى جانب معايشته الأحوال البائسة لجيرانه، متأملاً حالات إنسانية متفاوتة، من الوحدة والأجواء التعيسة والازدحام البشري.

لقد أبدع وليد إخلاصي تدفعه محبته العارمة للبيئة الحلبية، بأمكنتها، وأزمنتها وحوادثها وطيوفها الاجتماعية، فهو يحرص على التجدد والاستمرار مع مدينته حلب دائمة التحوّل والتغيّر على مرّ العصور.

عوامل كثيرة أسهمت في بذور تَوَجُّه وليد إخلاصي نحو الإبداع: حكايات الجدّة التي اكتشف لاحقاً أنها مقتبسة من ألف ليلة وليلة، مواقفُه في المدرسة، التي كانت تدفعه إلى تجاوز ما يعترضه من الصعوبات، فكانت السخرية اللاذعة عن طريق الكتابة القصصية بوابة لكسب ودّ الزملاء والانتقام لنفسه من الخصوم، وكثيراً ما لعب إخلاصي أدواراً مسرحية ضمن نشاطه المدرسي. وفي مؤسسة الأقطان بحلب، يؤكد أصدقاؤه ملازمته الإبداع رغم أعباء العمل، فكان يخرج إليهم بنادرةٍ من هنا وقصةٍ من هناك حول الحوادث والمواقف الطريفة التي يمرون بها من حين لآخر، فيخلع عليها جوّ الطرافة ويزرع المرح بين زملائه الموظفين.

سعى وليد إخلاصي إلى التجديد والابتكار والتجريب في المسرح، فهو ينتمي إلى الجيل المعاصر من الكتاب المسرحيين في سوريا، ففي مسرحه نجد أنّه تشرّب القديم، وأبدع الجديد مستفيداً من مراحل تطور المسرح كلها، وصولاً إلى البراعة في الابتكار وطرقَ أبواب التجريب، والتفاوت في تقنيات الكتابة وتنوّع أساليبها الفنيّة، مما يجعل محاولة تصنيف إبداعه المسرحي أمراً صعباً ومهمّةً شاقّة قد تختلف فيها آراء النقّاد أو تتشعّب.

المكان عند وليد إخلاصي يكمن في اختياره مدينة حلب مسرحاً لرواياته التي تنحو إلى التجريب على نحو أقل ظهوراً منه في المسرح، غير أنه يميل إلى زرع الخيال والرمز ليحيطا بأحداث الروايات. إن مصائر أبطال الرواية تتداخل مع حياة المدينة، وهي كثيراً ما تنتهي إلى الحيرة والتساؤلات.

المكان والزمن:

المكان عند وليد إخلاصي يكمن في اختياره مدينة حلب مسرحاً لرواياته التي تنحو إلى التجريب على نحو أقل ظهوراً منه في المسرح، غير أنه يميل إلى زرع الخيال والرمز ليحيطا بأحداث الروايات. إن مصائر أبطال الرواية تتداخل مع حياة المدينة، وهي كثيراً ما تنتهي إلى الحيرة والتساؤلات. وكذلك هو المكان في قصصه حيث المكان الحلبي، الذي قد يمثّله شارع أو مجموعة حارات قديمة، أو حيّ كـ باب جنين (باب الجِنان)، أو نهر قويق، أو قلعة حلب المعلَم الأشهر فيها عبر العصور، أو أحد مساجدها كـ جامع الأُطْرُوش، أو مقاهيها كـ مقهى القصر، فالحارة والقلعة والبيت والمقهى، أمكنة أليفة يأنس بها بطل القصة أو الرواية.

ويحكم الزمن بحضوره كلاً من القصة والمسرح عند إخلاصي، ومع التجريب الذي اشتهر به في أعماله كافة، يمكن أن نلمح بسهولة لجوءه إلى ما يمكن تسميته بـ”لعبة الزمن”، ويمكن أيضاً أن نعاين اهتمامه الواضح بالمكان الذي يتمحور في كثير من الحالات حول مدينته الأثيرة مدينة حلب، إذ يقول: “في علاقتي مع حلب نشأ عندي غرور شديد قد يكون عيباً فيّ لأنني أعتبر نفسي الشاهد الدائم على ما يجري في المدينة، وعلى ما بقي منها، وبالرغم من أن مثل هذا القرار لا يحق لي لكنني أصرّ عليه!”

يختار إخلاصي في قصصه لحظة زمنية حاسمة، ينطلق منها إلى تفاصيل الشخصية الرئيسية، أو يحيل إلى لمحات من شخصيات ثانوية أدّت دوراً ما ثم رحلت. وكثيراً ما تلجأ الشخصية إلى حوار داخلي -مونولوج- تحاكم من خلاله نفسها والزمن؛

المميز هنا هو محورية انفعالات الشخصية الممزوجة مع التجريب في صياغة الأحداث، فالمكان يبدو مخاتلاً حين تعرضه القصة من منظور السارد فحسب، جمالاً أو قبحاً أو غائماً وضبابياً أحياناً أو مشوهاً، والزمن تحدده الشخصية بمدى استجابتها للتغيرات، فقد يتوقف الزمن طويلاً في لحظة تمتد سطوراً أو صفحات.

أما في قصصه فيختار إخلاصي لحظة زمنية حاسمة، وينطلق منها إلى تفاصيل الشخصية الرئيسية، أو يحيل إلى لمحات من شخصيات ثانوية أدّت دوراً ما ثم رحلت. وكثيراً ما تلجأ الشخصية إلى حوار داخلي -مونولوج- تحاكم من خلاله نفسها والزمن، وكما في الرواية؛ فالحيرة هي سيدة الموقف، والحضور الأساسي هو لظواهر الحياة ومشاعر الإنسان من حب أو حزن أو تسليم أو وداع؛ وتشترك هذه السمات مع قصص عربية كثيرة، غير أن المميز هنا هو محورية انفعالات الشخصية الممزوجة مع التجريب في صياغة الأحداث، فالمكان يبدو مخاتلاً حين تعرضه القصة من منظور السارد فحسب، جمالاً أو قبحاً أو غائماً وضبابياً أحياناً أو مشوهاً، والزمن تحدده الشخصية بمدى استجابتها للتغيرات، فقد يتوقف الزمن طويلاً في لحظة تمتد سطوراً أو صفحات.

وتنطبق هذه الخصائص على إبداع إخلاصي في المسرح، فالزمن له حضوره ولاسيما الزمن الخاص الذي يحتويه النص، لا الزمن التقليدي؛ ففي المسرحية يَختصر مشهد واحد سنوات من حياة الشخصية، وقد تعرض جملة واحدة سيرة حياة أجيال أو حكمة متوارثة عبر عصور. ولعلّ مرونة الزمن تجعل من الصراع -العنصر الأساس في المسرحية- ممكناً بأشكال عديدة، وهذا ما برعت فيه مسرحيات إخلاصي، فهو صراع في العالم الخارجي الذي يعيه المتلقي، وصراع العالم الداخلي الذي تعانيه الشخصيات وتعيشه داخل حكاية المسرحية.

إخلاصي: “أعترف بأمر واحد وهو نظرية (الحكاية)، والحكاية هي أكثر الأساليب إنسانية في ربط البشر ببعضهم، وفي نقل المعرفة من طرف إلى طرف، وفي تحفيز الروح للبحث عن الحقيقة، وأخيراً في خلق الوسط الكيميائي الجمالي لدى الآخر”

الحكاية:

يحرص وليد إخلاصي على توافر مكوّن الحكاية في كل إبداعه، فهو يقول: “أعترف بأمر واحد وهو نظرية (الحكاية)، والحكاية هي أكثر الأساليب إنسانية في ربط البشر ببعضهم، وفي نقل المعرفة من طرف إلى طرف، وفي تحفيز الروح للبحث عن الحقيقة، وأخيراً في خلق الوسط الكيميائي الجمالي لدى الآخر”، فالحكاية تظهر بشكل بارز في شخصيته وأسلوب حديثه الذي ألِفه أصدقاؤه ومحاوروه من طلاب وحضور لأمسياته وأحاديثه، وكذلك في مقابلاته المنشورة في الصحف والمجلات، وفي كتب اليوميات حيث ذكرياته في حيّ الفرافرة، وحيّ الجَلُّوم، ودار الكتب الوطنية في باب الفرج. إن التجريب في رواياته لا يمنع السرد الحكائي من الظهور فيها بشكل يتفاوت من رواية لأخرى، ولكنه يسهم في التقريب بين النمطين القديم والحديث المعاصر، وكذلك هو الأمر في مسرحه، إذ يمكننا القول بأن الحكاية أكثر حضوراً فيه ولاسيما في حوار الشخصيات المطوّل، أو مع شخصية الراوي، أما قصصه فهي أكثر ميلاً إلى التجريب، والحكاية فيها تتوارى من غير أن تتلاشى نهائياً.

سعى وليد إخلاصي إلى التجديد والابتكار والتجريب في المسرح، فهو ينتمي إلى الجيل المعاصر من الكتاب المسرحيين في سوريا، ففي مسرحه نجد أنّه تشرّب القديم، وأبدع الجديد مستفيداً من مراحل تطور المسرح كلها، وصولاً إلى البراعة في الابتكار وطرقَ أبواب التجريب، والتفاوت في تقنيات الكتابة وتنوّع أساليبها الفنيّة.

لقد رحل وليد إخلاصي عن عالمنا مساء يوم السبت 19 شباط 2022 في حلب، تاركاً وراءه مجلدات من الإبداع والحكايات قرأها معاصروه، وستبقى شاهداً على سيرة مدينة ومبدع يتلقّاها قراء جدد وأجيال لاحقة.

خاص مجلة قنآص

د. علياء الداية؛ أكاديمية سورية، دكتوراه في علم الجمال، كاتبة قصة قصيرة، مقالات نقدية، وترجمة عن الانجليزية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى