أدفن خليلتي وقصائد أخرى لـِ لينارد كوهن | ترجمة: ريم غنايم

أدفنُ خَليلَتي:

تسألينني كيف أكتبُ. هكذا أكتب: أتخلّصُ من الحدأة. أتجنّبُ حجرَ الفلاسفة. أدفنُ خَليلَتي. أعزلُ شخصيّتي عن السّطر حتّى يتسنّى لي أن أستخدم ضمير المتكلم كلّما رغبتُ في ذلك دون أن أخلّ بشهوتي للتواضع. ثمّ أرفعُ يديّ. أنفّذ المهمّات لأمّي أو أشباهها. أفرط في الأكل. أتّهم أقرب الناس إليّ بتدمير موهبتي. ثمّ تأتين أنتِ إليّ. الأخبار السعيدة هي أخباري أنا.

بأناةٍ تزوجتُها:

بأناةٍ تزوّجتُها

بأناةٍ ومرارةٍ تزوّجتُ حبّها

تزوّجتُ جَسَدَها

بمللٍ وبهجةٍ

بأناةٍ أتيتُ إليها

بأناةٍ وراحةٍ أتيتُ إلى سريرها

إلى طاولتها

بجوعٍ وتعوّدٍ

أتيتُ لأشبعَ

بأناةٍ تزوّجتُها

بلا تَصديقٍ من أحد

بلا مباركةِ أحد

بلا اسمِ إلهٍ

وَسط تحذيراتٍ

وَسط سُخرية

أتيتُ إلى عبيرها

بمنخرين واسعين

أتيتُ إلى جَشَعِها

بزريعةٍ من أجلِ طفلٍ

أعوامًا في المَجيء

وأعوامًا في الانكفاء

بأناةٍ تزوّجتُها

بأناةٍ ركعتُ

والآن كلانا جريحٌ

جرحًا غائرًا ومتقنًا

إلى حدّ لا يمكن لأحدٍ أن يجرحنا

إلاّ الموتُ بجلالِهِ

وطوالَ حلمِ المَوت

أتحرّكُ بشفتيها

فالحلمُ هو الليل

لكنّ القبلة أبديةٌ

وبأناةٍ آتي إليها

بأناةٍ نخلعُ

ثيابَ شكوكِنا

وبأناةٍ نتزوّج.

تَعيشينَ:

تعيشين مثلَ إلهٍ
في مكانٍ ما خلف الأسماء

التي أحفظها لكِ،
جسدكِ من شِباكٍ

ظلّي مجدولٌ فيها،
صوتُكِ كاملٌ وناقصٌ

كَبَتلاتِ وحيٍ إلهيّ

في سَربٍ من الإقحوانات.

تجلّين إلهًا هو إلهك
في سديمٍ وفي هَيارٍ ثلجيّ

لكن كلّ ما أملكُه
هو دينُك، دينٌ لا وعد فيه
وأنصابٌ تتهاوى

كنجومٍ في حقلٍ
قلتِ إنّك لم تنامي فيه يومًا.
تقلّمين أظافرك

بِشَفرَة حِلاقَة

وَتَقرَئينَ الكتابَ
كَسِفر الأمثال

لن يَكتبَ رَجلٌ لك شيئًا أبدًا،

قِطعة غشاءٍ مرذولة
لصَوتِك الذي
تلفّين فيها صَمتَكِ

تنسابُ نحو قوّة الجاذبيّة بيننا،

وماكينةٌ ما
لحياتنا اليوميّة
تطبع سؤالا عاديًا فيها

مِثلَ صَلاة على
قِطعةٍ نقديّة مُملّسة.

حتى قبل أن أردّ عليك

أعرفُ أنّك لن تُصغي.

نحنُ في غرفةٍ سويًا،
الوقتُ مساءً في تشرين الأول،
لا أحدَ يدوّن تاريخَنا.
وأيًا كان الذي يحتجزنا هنا في قَلب القانون،
أسمعه اللحظة
أسمعه يتنفّس
وهو يطرّز بروعةٍ قيودَنا البسيطة.

المَربوء:

لأنك لن تدمّر حياتك. لا يمكنك أن تتنفّس. خشيةَ التشرد. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك بدأتَ تعبد الوقت. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنّك لن تحظى بالجميلة أبدًا. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لن تبحر إلى الميناء الصغير وتدخل القرية. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن حزنك لن يعود إلى أصله. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك تؤمن أنّه ما كان ينبغي أن تكون بعيدًا إلى هذا الحدّ. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن هذا هو وادي ظل الموت. لا يمكنك أن تتنفّس. لقد حَمَلَكَ القارب إلى هنا. خَتمَت الفراشة فرارَك. لأنك لا تقوى على التواجد هنا. لا يمكنك أن تتنفّس. تحطّمت الفراشة في صينيّة فضيّة وختمت فرارَك مثل حجرٍ تدحرجَ في نفق. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لا تُبصر الآتي. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن هذا العالم ملكًك وليس ملكك. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك ترتاح، لأنك تكافح، لأنك لا تعمل. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك تجعل العالم يحول بيني وبينك. لا يمكنك أن تتنفّس. بسبب خاطرةٍ عن نَفسٍ ساكنٍ. لا يمكنك أن تتنفّس. هنا لديهم أشجار البرتقال والليمون. هنا ثمّة حماماتُ مياه معدنية. لأنك ترغب في اختيار طريق. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنّك تجد لغة ترّحب بي عبرها. لا يمكنك أن تتنفّس. تتلألأ الشمس في أنحاء المياه الزرقاء. الشاطئ الحجري يغسله البحر. ستائر صفراء تُمتص ضد الكوى. المروحة ترغب في أن يخلد الجميع إلى النوم. تفصلُ نفسك عن امرأة مجهولة بسترة خضراء. لشغفك بالغَلبة. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لن تخاطبني كنظير. لأنك أمرت الحراس بأن يوصدوا الأبواب ويسلبوا النّفَس. لأن العالم مدموغٌ بالنّظام، مثل ختمٍ بشمع ممسوخٍ. لأن لك إله عدل. لأن العدل فوريّ ولا تشوبه شائبة. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لا تستطيع أن تصون انفصالك. لأنّ غربتك مهزومة.  لأنك تتنفس أنفاسك عبر قناع من العفة. لأنك تبعث إلى الموضوعية سترتها الخضراء، الجُزر المتوهّجة، المسافة التي تفصلك عن الحب، وجلّ مأزقك اللاهث. لا يمكنك أن تتنفّس.

(wikipedia.org)

لينارد كوهن (1934 – 2016): مغني وموسيقي وشاعر وروائي كندي.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى