جسدُ السردنصوص

شيماء اليوسف تكتب: اعترافات امرأة أربعينية في محطة قطار

لا شيء أجمل من نكهة القهوة وذوبان سهاد الليل فوق شفاه فنجانها، فمعها أحتفل خارج كوكبي، وأبحث مع رشفتها عن حب، حب يعيدني طفلة...

اعترافات امرأة أربعينية في محطة قطار

لا شيء أجمل من نكهة القهوة وذوبان سهاد الليل فوق شفاه فنجانها، فمعها أحتفل خارج كوكبي، وأبحث مع رشفتها عن حب، حب يعيدني طفلة، تستحيل جِنّية في الستة أعوام الأولى من عمرها، حب يترقرق كالندى من سقف غرفتي معلناً طلوع الفجر، فيهرب معي لذكراه العذبة كأيقونة أسطورية، ثم تنحني أشعاري على حافة طريق صنع خصيصاً من أجله وهناك أنتظره وأراقب قدوم خطواته نحو زاوية المقهى.

مضت ساعة وأنا في انتظاره بمفردي في المساحات الباردة الواسعة، لم يأت بعد، الأشواق مترجمة حولي بكل لغات العالم، حتى أنها تدلت من فوق ستائر الصقيع، ألاحظ معطفي يرتعش برداً، طوال جلوسي البعيد على مقهى محطة القطار، وأنا أرتشف قهوتي العربية بابتسامة مقنعة ولن أغادر حتى تدق أجراس قدميه ساحة مجلسي.

مضت الساعة الثانية وها أنا لا زلت أنتظر، لم يمر عطره نحوي، وبدأت عيناي تمتلئ بأدمع الحنين وأعاصير البرق تحتضنني ولجواري رجل ينتظر هو الآخر حبيبته وكأننا ولدنا معاً في الزمن الخطأ.

الريح تعصفني ورائحة الشوق تتبدد مع الغمامات والانتظار طال يجول حول مراكب قهري، خمس ساعات وأنا كطائر ضليل يترنح على أرجوحة الوقت ولي عش في هواه معلق، لكن أتعبني الانتظار لذلك سوف أغادر وأترك له برقية اعتذار عن مجيئه وأمضي وحدي على قدمين منكسرتين كما فؤادي.

صفير القطارات يرافق قلبي الصغير، ها قد غادر القطار المعطل منذ مجيئي حتى أن الشمس نفسها تودع السماء، النهار يرحل ويستعد المساء للخروج، الشوارع باردة دون دفء، وجسدي وحيد يرتعش دون دفئك.

عبر درجات سلم المحطة يقف عجوز ضعيف متكئ على عكاز أصم، عيناه هارب منهما النور، على ظهره تتمايل أعباء الدهر، فلا يستطيع الوقوف معتدلا ومستنقعات اللا مسؤولية تخذله، يشير بيديه للمارة دون صوت عسى أن يلتقمه أحد من هؤلاء فيعبر به حيث الرصيف الآخر، ويرحل من مدينة بلا أحبة، المُحبّون فيها يخلفون الوعود لبلاد مثلها.

المُحبّون يهرولون حول قلبه الجريح دون أن يلاحظ جرحه أحد، لا أعرف ماذا حدث لهم، هل قسوة الشتاء تأخذهم وتغطي بصائر الحياة في أرواحهم، تقتل الشفقة في أعينهم، ماذا بهم يا ترى، لم أشعر إلا ويدي تعانق يداه فأدركت حاجته لي وحاجتي له وكأن أرواحنا المنكسرة تعانقت معاً في آن واحد.

مضينا سوياً نحو درجات سلم المحطة ويد العجوز تعانق يدي بخوف، ترتجف وكأنها قذيفة من الرعب في مجرة نائية تائهة داخل مدارات ماض سحيق، وقبل أن ننتهي التقفته يد شخص ملثم، عيناه تشبه عيون الغالي، وحمل العجوز بين ذراعيه والعكاز سقط على الأرض، أمسكت به جيداً حتى لا يسقط من جديد ولحقت بهم إلى حيث الرصيف الآخر من المحطة، ها قد وصل القطار فأخذ العجوز مقعده في إحدى العربات ودقائق قصيرة ثم انصرف.

بقيت وحدي مجدداَ لكن الغريب المتخفي ينظر لي بعشق، عجيب تحيط به الدهشة من كل ناحية لكنه ساقط في كومة من الصوف لا تبدو لي ملامحه واضحة لكنني أظن أنه يعرفني وأعرفه جيداً، لم أشعر بنفسي إلا ويديه حول خصري أنفاسه على مقربة من أنفاسي، وكشف عن وجهه، يعتذر لي عن تأخره، شعرت بالحيرة والسعادة والتراجع وحاجتي للعناق الدافئ، بكيت بكل قوتي كانت يديه تمسح دموعي النادرة وشفتاه تقبل جبهتي ثم انفكت عُقَد شعري على كتفيه وهو يضمني باشتياق ولم يكن بوسعي إلا أن أقول له: كان انتظارك رحلة شوق مليئة بالوهن لكنني لا أملك إلا حبك لا تَغِب.

***

اعترافات امرأة أربعينية في محطة قطار، بقلم شيماء اليوسف

شيماء اليوسف كاتبة مصرية وصحفية في ‎Raseef22 رصيفــ22

اعترافات امرأة

خاص قنّاص جسد السرد

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى