البحث عن الذات بين جيلين | رشيد الخديري

حَفْريّات في الكتابة والذّات والذّاكرة

لا يختلف اثنان في كون محمد برادة يُعدُّ من أبرز الأسماء التي طَبَعَتْ المشهد الثقافي المغربي والعربي منذ الستينيات إلى وقتنا الرّاهن، ولعلّ المكانة التي تبوّأها طيلة هذه السنوات الطّويلة، لم تأت من فراغٍ، وإنّما، هي ثمرة جهود في مجالات متعددة ومختلفة، في أفق إثراء وتخصيب المشهد الثقافي المغربي.

 في الكتاب الجماعي الموسوم بـ”البحث عن الذات بين جيلين” (كتاب جماعي) حَرِصَ الأكاديمي والباحث محمد الداهي مُعد ومُنَسِّق مفاصله وأبوابه، على التّذكير بسيرورات برادة وإسهاماته الرصينة في سبيل الارتقاء بالمشهد الثقافي بالمغرب. يقول محمد الداهي في هذا الصدد:”ليس محمد برادة من طينة من يواكب سيرورة التغيير من عل، وإنّما ينخرط قلبا وقالبا في يمه ولجته مسهما في تحريك سواكن المجتمع، وزحزحة مفهوم الأدب، وارتياد الآفاق والأغوار المجهولة” (ص/ 5)، وإذا كان من دلالة نستقيها من هذه المنظورات المتعددة في المادّة الكتابيّة عند برادة، فهي قدرته على تخصيب الوعي الثقافي وتجديد أسئلته وبلورة طرائق جديدة ومبتكرة للرفع من حافزياته.

​يتوزع هذا الكتاب الجماعي على خمس محاور أساسيّة، وهي: مقاربات في النقد ونقد النقد والفن، إضاءات نقدية، شهادات، ثم، حوارات. ومن الواضح، أن الباحث الرصين محمد الداهي، قد بذلَ جهداً كبيراً في عمليّة جمع المادة وتبويب الكتاب حَسَبَ عدد المشاركين، مستحضرا بهذا الخصوص قيمة هذه المواد وأهميّتها في تجذير وترسيخ قيم الثقافة المثرية للنقاش، والجديرة بأن تكون في طليعة القضايا التي تهم حاضرنا ومستقبلنا، بيد أن هذا الانغمار بالمتخيّل الدافق والرحب والممتد في الفكر التنويري الحداثي التي شيّده برادة وكرّس له كل الوقت للدفاع عنه كتابةً وممارسة وتنظيراً، وهكذا، فإن المقاربات التي شارك بها ثلة من المثقفين والكتّاب والباحثين (محمد الداهي، سعيد بنكراد، عبد الرحيم جيران، إبراهيم الخطيب، عبد الرحيم العلام وآخرين..) سعت إلى نفض الغبار عن جملةٍ من المسائل والقضايا في التّجربة الكتابيّة عند برادة، وهي بالتأكيد رهانات مضاعفة للكتابة وفرصة للتوقف عند أهم سماتها وخصوصياتها، لا سيّما أن برادة يتميّز بقدرته على المزاوجة بين الكتابة السردية واهتمامه بأسئلة النقد، وفي ضوء هذه الملاحظات، جاءت المقاربات موزّعةً بين ما هو نقدي ونقد نقدي، وما بين قراءات في أعمال روائية، وهي مقاربات حاولت ملامسة عوالم برادة وأدوات اشتغاله على المستويين: المستوى الروائي، ثم المستوى النقدي التنظيري، وهي بلا شك عوالم استثنائية ولها إشارات لماحه على قدرة برادة على جمع ما لا يُجمع، فليس من السّهل الجمع في الكتابة بين السرد والنقد، بين لغة تعتمد على الإيحاء والانبجاسية، وبين لغة أخرى، ترتكز في مفهوماتها على المنهج والتنظير والنظرية، كما حَفلَ المتن على إضاءات نقدية في مسعى لإبراز مرتكزات الخطاب (البراديّ) سواء في الكتابة الروائية أو على صعيد سؤال النقد، وفي هذا السياق، عملت هذه الإضاءات على تبئير مستوى الممارسة الأدبية والنقدية من خلال تناول أعمال برادة، والتّوجه بها نحو آفاق متجددة، حيث تلتقي وتتقاطع التّصورات والرؤى، واللافت للانتباه في هذه الإضاءات النقدية، هو ارتكازها على مفهوم الذاكرة، حيث تتبدى أهميتها ومتخيلها من خلال العناوين الآتية:”محمد برادة وكتابة الذاكرة”، “مخزون الذاكرة المستعادة ..”،”الذاكرة المضاعفة”، وغيرها من العتبات التي تصل الهامشيّ بالمركزيّ، مع إمكانية التّحقق من هذه الذاكرة ومدى استيعابها لكل أشكال القراءات والتأويلات.

​من زاوية أخرى، تلوّنت الشهادات المقدمة في حق برادة، بطابع “مشرقي”، ولو بنسبة قليلة قياساً مع شهادات مغربية، لكن، إدراج هذه الشهادات يحمل بين ثناياه دلالات عميقة، خصوصاً أنها حملت توقيع نخبة من ألمع المثقفين والنقاد من قبيل: جابر عُصفور، سيزا قاسم، فخري صالح، إلى جانب نقاد مغاربة مرموقين أمثال: سعيد يقطين، حسن بحرواي وغيرهما، فهذه الشهادات بنكهة مغربية ومشرقية، مؤشر على مكانة برادة وقيمته الفكرية والمعرفية، واعتراف صريح ورمزيّ بأنه مثقف استثنائي تنويري له بصمة خاصة على المستويين المغربي والعربي،  وفي باب الحوارات، يأخذنا برادة إلى عوالمه وتصوراته حول الكتابة الروائية، ومواضيع شتى تهم بالأساس إشكالات الذاكرة والتخييل والكتابة والالتزام والمثاقفة، بالإضافة إلى رهانات الخطاب النقدي المغربي والعربي، لافتاً إلى أهم المآزق التي يعيشها النقد العربي بشكل عام، كما أبرزت هذه الحوارات مواقف برادة من قضايا الأمة ومنطلقات الكتابة وكيفيات الفصل بين الكتابة الروائية والممارسة النقدية، إلى جانب تضمن الكتاب لملحق خاص بالصور التي تُكرِّس لمسار مبدع في الكتابة كما في الحياة، وها هنا، تبرز أهميّة هذا الكتاب الجماعي في الاحتفاء أوّلا، ثم في إعادة الاعتبار لهذا المبدع ووضع كتاباته تحت الأضواء الكاشفة وملامسة عوالمها وشواغلها باعتبارها مأدبة للكلام والبوح والدعوة إلى التفكير في كل القضايا التي تحبل بها، ومن هذا المنظور، يُمكننا القول، إن محمد الداهي منسقاً ومعداً لمفاصل هذا الكتاب، قد استطاع تجلية مجاهيل الكتابة عند برادة والنهوض بها كوسيلة لتقارب الأجيال من مختلف الحساسيات والاقتراب أكثر من المتن (البراديّ) وإيلائه الوضع الاعتباري الذي يستحقه، وهكذا، فإن هذه المقاربات والشهادات والحوارات بقدر ما هي شواهد توثق للحظة، بقدر ما هي حفريات في الذاكرة والذات والكتابة، والبحث عن الأصالة بين أدغال النص وتضاريسه، مما هو قمين باستجلاء تلك الصور والرؤى والتّصورات حول الإبداع والثقافة والأدب من منظور براديّ لا يكف عن التجديد والابتكار والتحديث.    

خاص مجلة قنآص

رشيد الخديري شاعر وناقد مغربي. صدر له شعرًا: حدائق زارا (2008)، خارج التعاليم (2009)، الخطايا والمرآة (2012)، سلالم ضوء  (2015). من أعماله النقدية: الطرديّات في الشعر العربيّ (2014)، الدراميّ والغنائيّ في الشعر المغربيّ المعاصر (2014)، التراث النقديّ عند العرب: آليّاته وإشكالاته (2015). في الرواية: مرايا عمياء (2020).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى