حوار: محمدعويس
صدر عن دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة مؤخراً النسخة العربية من كتاب «تاريخ التصميم الجرافيكي العربي» تأليف د. بهية شهاب، ود. هيثم نوار. ولأول مرة أصبح هذا العمل المتميز متاحًا للجمهور الناطق باللغة العربية حول العالم. يرصد الكتاب تطور التصميم في المنطقة العربية بدءًا من الفن الإسلامي والخط العربي، وتأثيرهما على الثقافة البصرية العربية، وصولًا إلى الثورة الرقمية وظهور الإنترنت.
يستعرض الكتاب أعمال أبرز المصممين من المغرب إلى العراق. ويغطي الفترة الممتدة مما قبل عام 1900 وحتى نهاية القرن العشرين من خلال مجموعة واسعة من استخدامات التصميم الجرافيكي. تشمل الكتب والمجلات والصحف، والملصقات، والإعلانات، والطوابع، واللافتات، التي كان لها دور كبير في إلهام المصممين العرب والتأثير على أعمالهم. كما تناول كيف ساهمت السينما، والازدهار الاقتصادي، والأحداث السياسية والثقافية، في نشأة وتشكيل روّاد التصميم الجرافيكي العربي.
أيضاً قام المؤلفان بتوثيق دقيق لقصص وأعمال رواد التصميم الجرافيكي العرب. بما في ذلك المصممون في المهجر بهدف الحفاظ على هذا التراث الإبداعي الحيوي والاعتراف بقيمته.
بهية شهاب فنانة وكاتبة لبنانية مصرية مقيمة بالقاهرة، أسست برنامج التصميم الجرافيكى فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة حيث تعمل كأستاذ تصميم. عُرضت أعمالها فى معارض وصالات عرض وشوارع أكثر من ثلاثين مدينة حول العالم، وكُرمت وحصلت على الكثير من الجوائز على المستوى الدولي. حازت أيضًا على زمالة تيد العليا وجائزة الأمير كلاوس، وهي أول امرأة عربية تُمنح جائزة اليونسكو- الشارقة للثقافة العربية.


هيثم نوار فنان ممارس ومصمم وباحث في مجالي الفن والتصميم، بنى حياته المهنية على مدار العقدين الماضيين كأستاذ في التصميم، وهو أيضا الرئيس السابق لقسم الفنون في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حصل على منحة فولبرايت كباحث وفنان زائر بالولايات المتحدة الأمريكية مرتين، وتناولت أبحاثه وكتاباته تاريخ التصميم وممارسته، وتعددية نظم الكتابة والخطوط وتصميم الحروف العربية، ونظم التواصل بالكتابة التصويرية مع التركيز على العالم العربي وأفريقيا. من بين أبرز مؤلفاته «لغة الغد: نحو نظام تواصل بصري متعدد الثقافة في عصر ما بعد الإنسان»، وكتاب «ناجي شاكر: فنان غرافيكي تجريبي من الطليعية المصرية».
منصة (قنّاص) الثقافية التقت بهية شهاب وهيثم نوار فى هذا الحوار:
نود القاء الضوء على تاريخ التصميم الجرافيكي العربي.
يقدم الكتاب أكثر من 600 صورة ملونة رائعة توثق تطور التصميم الجرافيكي العربي منذ بدايات القرن العشرين وحتى العصر الرقمي. تم إصدار النسخة الإنجليزية من الكتاب عام 2020، وقد تم اعتباره منذ ذلك الحين مرجعًا أساسيًا في مجاله. يسلّط الكتاب الضوء على أعمال أكثر من 80 مصممًا من مختلف أنحاء العالم العربي. ويعرض مواد بصرية نادرة وسردًا متعمقًا للسياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شكّلت هذه الأعمال الفنية. كما يرصد تطور التصميم في المنطقة العربية، بدءًا من الفن الإسلامي والخط العربي وتأثيرهما على الثقافة البصرية العربية. وصولًا إلى الثورة الرقمية وظهور الإنترنت. وكيف ساهمت السينما، والازدهار الاقتصادي، والأحداث السياسية والثقافية، في نشأة وتشكيل روّاد التصميم الجرافيكي العربي. أيضاً يوثّق بدقة لقصص وأعمال رواد التصميم الجرافيكي العرب، بما في ذلك المصممون في المهجر بهدف الحفاظ على هذا التراث الإبداعي الحيوي والاعتراف بقيمته.
يتساءل البعض لماذا كانت أوروبا محل ميلاد الطباعة العربية؟
يُنسب الى جوتنبرج ادخال الحروف الطباعية المتحركة إلى أوروبا فى القرن الخامس عشر، بينما العالمين العربى والاسلامى لم يشهدا اعتماد الطباعة للجماهير الا بعد مرور ثلاثة قرون, وهناك عدة نظريات تفسر العلة وراء هذا التأخر منها: خوف السلاطين والقيادات الدينية من تحريف النصوص المقدسة، خاصة القرآن, بينما تزايد تقبل الكتب المطبوعة بشكل ملحوظ بين تاريخ اختراع المطابع وحتى القرن السادس عشر، وتقول سجلات الباحث البولونى لويجى فيرديناندو مارسيلى ان أسطنبول وحدها كانت تحتضن ما يقدر بنحو ثمانية آلاف ناسخ، وبالتالى ربما كان ادخال واعتماد المطابع ليحرمهم من العمل. أيضا القول بصعوبة استنساخ رسم الحرف العربى لأنه اذا لم يكن المصمم يتحدث العربية فسيكون الأمر معقدا لأن بنية اللغة العربية مختلفة عن اللاتينية. كما أنهما تتحركان لغويا فى اتجاهين متضادين.
«الفنون» وكيف بدأ تطبيقها في العالم العربي؟
في ظل حكم محمد علي اذ افتُتحت أول مدرسة للفنون التطبيقية عام 1836 وفى عام 1960/1961 انشئت كلية الفنون الجميلة في سوريا، بينما يمتد تدريس الفنون في السودان إلى بدايات ثلاثينيات القرن الماضى، وتأسس المعهد الوطنى للفنون الجميلة بتطوان فى المغرب عام1945, وتأسست المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء 1950، وفي تونس تأسس المعهد العالى للفنون الجميلة 1923، والمدرسة العليا للفنون الجميلة في الجزائر1848-1881، وأُفتتح المعهد الوطني للموسيقى ببغداد 1936، وتحول إلى اكاديمية الفنون الجميلة 1958، وفى ليبيا بدأت مدرسة الفنون والصنائع الاسلامية فى طرابلس كمشروع خيري عام 1871 خلال العهد العثماني ثم تأسس مركز الفنون الجميلة والتطبيقية عام 1958، وتم تطويره لاحقا ليصبح كلية الفنون والاعلام، وفي بيروت تأسست مدرسة الصنائع والفنون بداية عهد السلطان العثماني عبدالحميد الثاني (1876-1909) على يد الحاكم العثماني مدحت باشا، وفي عام 1965 تم تأسيس كلية الفنون الجميلة والعمارة.
إذن الكتاب دراسة شاملة لتاريخ التصميم الجرافيكي العربي.
الكتاب لا يعتبر على أي حال دراسة شاملة لتاريخ التصميم الجرافيكي العربي بأكمله، وعلى حد علم المؤلفان لا تمثل المعلومات الواردة فى متن الكتاب إلا فيضا من غيض. ونظرا للقصور المعلوماتي في هذا المجال، فإننا نأمل أن يبادر آخرون بسد هذه الفجوة المعرفية، وكمعلمين للتصميم الجرافيكي وضرورة البدء فى ربط الأجيال الماضية بالمصممين من أجيال المستقبل، وخلق الوعي لديهم بأنه لطالما كان التعبير التصميمي موجودا في العالم العربي ونابعا منه.
فن التصميم العربي كيف خلق الوعي بالقضايا الاجتماعية والانسانية وحشد التعاطف الدولي لصالح حقوق الانسان؟
أنتج المصممون العرب أعمالا على قدم المساواة مع حركات الفكر التصميمي العالمية في كل مكان. وفي محاولاتهم لحل الاشكاليات البصرية المختلفة، وجد المبدعون العرب أنفسهم عالقين دائما بين الشرق والغرب. بينما قدم لهم الغرب التكنولوجيا، مثل الشرق جوهر الهوية، وبالتالي أصبح انعكاسا لماضيهم ومستقبلهم. وفي حين تمتع أقرانهم الغربييون بإمكانية التجريب في اطار ثقافتهم ببساطة، تعين على المصممين العرب ايجاد طرق للاحتيال على ضرورة التوفيق بين عالمين مختلفين دوما، مع حقيقة ممارستهم التصميم للغة تقرأ من اليمين لليسار على آلات تعمل من اليسار لليمين. الثقافة بنية مشيدة جزء منها مكتسب من العالم والجزء الآخر يستند إلى التجربة الشخصية. وبذلك وفدت التأثيرات الغربية وعلّمت المصممين أمورا جديدة، لكن أعمالهم وتجاربهم ظلت دائما انعكاسا لثقافتهم هم.
دراسة التصميم الجرافيكى تركز بشكل أساسي على المناقشات الغربية لممارستها وتطبيقاتها. تعليقكم على ذلك.
نعم. كما أدركنا بالاضافة إلى لك مدى ضرورة الاسراع بتوثيق ما هو متاح لنا قبل أن يختفى، خاصة في ظل الاضطرابات السياسية فى انحاء مختلفة من العالم العربي. وبدا من المستحيل أن نضم كل ما صادفنا من أعمال فى كتاب واحد، مما جعل عملية الاختيار تجربة بالغة الصعوبة، لكن وجدت عوامل أخرى قيدتنا، أحدها هو مدى توافر المواد فبعض المصممين رفضوا ببساطة أن يوافقوا على نشر أعمالهم. وكذلك رحل عنا فنانون آخرون دون أن يتركوا أرشيفا بأعمالهم إما لأن كثيرا منهم كان يُقدم الفن ذاته على الممارسة الفنية، أو لأن أعمالهم فقدت بسبب الأوضاع السياسية المضطربة في بلادهم. كما مثلت امكانية الوصول للأعمال مشكلة على مستوى أعمق، اذ لم نتمكن من زيارة بلدان محددة. وبشكل عام، كانت مهمة جمع المواد المتصلة بالمصممين الجرافيكيين العرب شديدة الصعوبة نظرا لندرة الأرشيفات والمراجع.
متى بدأ رواد التصميم العرب عملهم؟
عقب استقلال الدول العربية فى أوائل القرن العشرين، ساهم رواد التصميم العرب فى تشكيل مجال التصميم الجرافيكي العربي ومع تسارع وتيرة الأحداث السياسية في المنطقة، أصبحوا مساهمين أساسيين فى التعبير البصري العربي، خاصة مع نهوض المقاومة الفلسطينية وتقدم فنّانيها إلى صدارة المشهد. نستكشف هذا الجانب بالتوازي مع التعبيرات والوقائع التصميمية التي ظهرت في أماكن أخرى من العالم العربي. حيث تضخم حجم المستوى البصري بشكل هائل في الستينيات والسبعينيات نتيجة لتطور تقنيات الطباعة ودور النشر ما أدى الى انتشاره على نطاق أوسع وكذلك نتيجة للأفكار الجديدة المتداولة في ذلك الوقت. كما أن الحروب ضد اسرائيل والمطالب الوطنية الفلسطينية، ومبادىء الوحدة العربية، كانت جميعها أحداثا ومفاهيم شغلت العقلية العربية في تلك الفترة.
كذلك لعبت الديكتاتوريات العربية والأنظمة العسكرية وفيما بعد العولمة أدورا أساسية في تشكيل تقنيات واستراتيجيات التواصل البصري العربي. كما تخضع الهجرة الجماعية للفنانين والمصممين من مختلف أرجاء العالم العربي للمناقشة بشكل تفصيلي، إلى جانب صعوبة الحركة والانتقال التى واجهها الفنانون في المنفى. ولدينا من المصممين الأوائل من مصر: عبد السلام الشريف وحسين بيكار وعبد الغني أبو العينين وحسن فؤاد. وفي التصميم العربي المعني بالقضايا العروبية مثل قضية فلسطين: هيثم نوار، محي الدين اللباد وحلمي التوني من مصر، كمال بلاطه وعبدالرحمن المزين من فلسطين، عبدالقادر أرناؤوط، وبرهان كاركوتلي، ومنير الشعرانى من سوريا، محمد المليحي من المغرب، ضياء عزاوي ورافع الناصري ويحي الشيخ من العراق، كميل حوا وإيميل منعم من لبنان.
رؤيتكم للمستقبل؟
نأمل أن تبقى الأجيال المستقبلية فى بحث دائم عن إجابات، كما نأمل أن تسهم هذه الخطوة الأولى في تغيير الخطاب حول التصميم العالمي. فهناك فيض من قصص أخري بانتظار اكتشافها، وأرشيفات للتنقيب فيها. والتصميم العربي بحاجة الى تعلم المزيد عن نفسه، ونأمل أن يفتح هذا الكتاب أبوابا جديدة لمزيد من الجهود البحثية والدراسية المستفيضة في الثقافة البصرية العربية.
الكاتب المصري محمد عويس



