عين قناصفوتو تشكيل

المغربي الحسين بوميلا: من الصورة إلى اللوحة | حاوره: مولاي محمد الفقيه

الفنان المغربي الحسين بوميلا: تناسق ألوان غروب شمس الجنوب، وحرارة كل لقاء انساني؛ إيصال سحر تلك اللحظة الجميلة

حوار مع الفنان المغربي الحسين بوميلا ومشروع الرسم الرقمي: من الصورة الفوتوغرافية إلى اللوحة التشكيلية

الحسين بوميلا

ابتدأت الحكاية حين ولج الطفل – رفقة والده – استوديو التصوير، للحصول على صورة تعريفية، تدخل ضمن الوثائق المطلوب إعدادها لولوج السنة الأولى من المدرسة الابتدائية. انبهر الصغير بالمكان، وبالشخص القائم عليه، وبالأضواء الكاشفة التي تؤثث جنباته. هنا، وبرعاية الوالد، انطلق مسار حياة الفنان الحسين بومَيلا المزداد سنة 1970 بمدينة أكادير، ليصل إلى العالمية، زادُه الصبر والتكوين المستمر والايمانُ بمشاريعه.

يصفه المقربون بمتعدد المواهب. فهو الفوتوغرافي والرسام والخطاط. جمع بين ضبط تقنيات هذه الأشكال التعبيرية، ودراسة أسسها النظرية ومسيرتها التاريخية، محاولا بناء مسار مغاير، يتمنى أن يحيط بكل جوانبه، ليُعْطي في النهاية مشروعا فنيا متكامل الأركان.

في هذا الحوار المقتضب، سنكتشف معا بدايات ومواهب -من وصفه الرئيس المؤسس لنادي أكادير للتصوير الفوتوغرافي- بالهدية من الله Un don du ciel. كما لن يفوتنا أن نتحدث عن همومه الفكرية، ونضاله من أجل فن يعكس الصورة الحقيقية للشرق عامة، وللمملكة المغربية خاصة، بعيدا عن الأحكام الجاهزة والصور النمطية، التي مازالت تُخْفي الحقيقة عن أناس يحتفظون بالنَّظّارَةِ نفسِها، في كل مرة يتعلقُ فيها الأمر بالتعرف على الشرق ومكْنوناتِه.

*تُعتبر رعاية الابن وتغذية شغفه الفني أو ميوله الرياضي أمرا مطلوبا، لتنشئة اجتماعية سليمة. هذا ما وجده الفنان الحسين بوميلا من أسرته الصغيرة ومن محيطه. وهو ما شكل خطواتكم الأولى في الميدان الفني.

مرحبا بكم. صحيح، لنعتبر الأمر اعجابا من أول نظرة إن جاز لنا قول ذلك. ففي سن السابعة من العمر، رافقت والدي -رحمة الله عليه- للحصول على أولى صوري التعريفية، فتملكني إحساس غريب وسط معمل التصوير. وبدأت أطرح أسئلة من قبيل: ما هذا المكان؟ وما هذه الأجهزة؟ كيف تعمل؟ وكيف أستطيع أن أشغل الأضواء الكاشفة التي تنير المكان؟ بعد مدة من إعداد هذه الصور، سيكون لي لقاء ثان مع هذا الشخص الغريب، الذي يلتقط صورا لوجوه الناس وبشكل احترافي بمعمل والدي. فاقتربت منه، واستطعت أن أطرح عليه أسئلة تشغل بالي. وبقي الأمر على هذا الحال، إلى أن حصلت من والدي على أول جائزة للنجاح في سنواتي الأولى من المدرسة الابتدائية، وكانت عبارة عن آلة تصوير حسب رغبتي. هنا تمكنت من التقاط صوري الأولى، واكتشفت في نفسي إحساسا -غير عادي- يتملكني لحظة سرقة اللقطات التي تُعْجِبُني وتخزينها داخل آلتي البسيطة. وخلال هذه الفترة نفسِها، زاوجْتُ التصوير بالرسم، ومارست هوايتين متقاربتين، لهما نقاط التقاء كثيرة، ألخِّصها في التعبير عما بداخلي بواسطة الألوان، ومحاولة الحصول على عمل ينفُذ إلى القلب قبل أن يروق العين. والنتيجة أنني في سن الخامسة عشر، تمكنت من عرض أولى لوحاتي التي راقت الجمهور الصغير القادم لاكتشافها. وبهذا أكون قد خطوت أول خطوة في مساري المِهني، وبتشجيع من أسرتي دون أن أدري.

*بالرغم   من ارتباطاتكم المهنية، تؤكدون على أهمية التكوين الأساسي والتكوين المستمر في الميدان الفني، وأثناء التطرق لمراحل حياتكم نجد أنكم خصصتم عشر سنوات (1985-1995) للتكوين، قبل الانتقال لمرحلة أخرى وهي التأسيس لمجموعة من المشاريع المهمة. هل من توضيح في هذا الجانب؟

في ميداننا هذا، الموهبة أساسية، لكنها لا تكفي لوحدها. فالذي يجب أن يشتغل عليه الفنان هو التكوين الأساسي، بالتعرف على الجانب التقني والنظري للتصوير الفني، واتقان مختلف خباياه. بعد هذه المرحلة، على المهتم بالإبداع بواسطة الصورة، أن ينتقل للتعرف على تاريخه وأهم الشخصيات التي أبدعت فيه، ثم لا يجبُ أن ينسى دراسة تياراته ومدارسه الفنية. هنا يمكن أن نطلق عليه اسم الفنان. ويمكن أن يبدع ويجد له طريقا بين هذا التراكم الإنساني الذي خلّفَه مَنْ أبْدَع قَبْلَنا. وشخصيا رغم أن سني تجاوز خمسين سنة بقليل، أمضيت منه جزءا هاما بين أحضان التصوير الفني ومبدعيه، فإنني أخصص ساعتين في اليوم للاطلاع على مستجدات التصوير الفوتوغرافي وعلى أعمال فنانين من مختلف دول العالم، مع مُطالعة أهم المجلات والكتب الصادرة حديثا في هذا المجال.

*تكوينكم المستمر ومطالعتكم الدائمة وربما إقامتكم بفرنسا، مكنكم من التعرف على أهم التيارات الفنية، والنهل منها. ماهي المدارس الفنية التي تحسون بأنها قريبة إليكم، ولها تأثير على أعمالكم؟

المدرسة الاستشراقية تجعلني أكثر ارتباطا بالتاريخ، بحيث أسافر عبر الزمن مع المستكشفين، وأحاول أن أتصور اندهاشهم أمام ما تتوفر عليه ربوع بلدي من ثقافة وتراث، يجعل الواقف أمامها يدرك الاختلاف والتنوع والغنى. وتجذبني الانطباعية بقدرتها على إبقاء اللحظة التي التقطتها العين -غير العادية- للفنان. وبالاعتماد على تقنياتها -المعروفة عند أهل الاختصاص- أستطيع أن أجعل صوري ولوحاتي تنطق، مُركزة على الضوء ودرجاته، والألوان المُختلفة وتميزها. وكل هذا بهدف ايصال سحر اللحظة الجميلة للمتأمل للوحة. فعلى سبيل المثال، تناسق ألوان غروب شمس الجنوب، وحرارة كل لقاء انساني، مشهدان يستحقان أن يُصَوَّرا ويعاشا بكل أحاسيسهما الجميلة. وعلى هذا الأساس، واستنادا لمنطق تطور الأشياء، اهتممت في أعمالي بالبورتريه وتصوير الطبيعة والصور الإشهارية وغير ذلك. مما مكنني من عرض انتاجاتي ببلدي وبالعديد من دول أوروبا وأمريكا. ومؤخرا يمكن أن أقول بأن طبعي الذي يدفعني إلى سلك طرق لم يمر منها أحد، دفعني إلى بناء مشروع أسميته «من الصورة الفوتوغرافية إلى اللوحة التشكيلية» ويتمثل في تحويل الصور الملتقطة (مناظر طبيعية، بورتريه، حياة عامة …) إلى لوحات تشكيلية، ولكن هذا التحويل لا يكون بطريقة آلية ميكانيكية، بل بواسطة الرسم الرقمي. وسيصدر لي قريبا عمل في هذا الاتجاه. يتضمن إجابات عن بعض الصور النمطية، التي كوّنها ونشرها فنانون من مدارس فنية معينة عن المغرب وعن الشرق عامة.

الحسين بوميلا
من أعمال الفوتوغرافي الحسين بوميلا (facebook.com)

*في العديد من مداخلاتكم، تعتبرون أنفسكم راويا يستعمل صوره ولوحاته في حديثه عن المغرب وغناه conteur visuel .

سفري عبر ربوع المغرب حاملا آلة التصوير، وانتقالي بين أزمنته الماضية متسلحا بتاريخ الفن، له هدف واحد وهو خدمة بلدي، بإبراز جمالها واقتناص لقطات من معيش أهلها، والتلذذ باختلاف الأحاسيس التي تُولِّدها لدينا. وأنا في هذا السفر المزدوج (جغرافيا وتاريخيا) أندمج مع طقس المكان، وأدقق في التفاصيل وتعابير الوجوه والألوان المميِّزة للمحيط. وكل انتاجاتي أعتبرها تكريما لهذه الأرض ولمناظرها الطبيعية ولأهلها الذين تمسكوا بثقافتهم وتراثهم. كما أعتبرها كذلك دعوة للحفاظ على هذا الموروث وتدوينه –بكل الوسائل المتاحة- حتى يبقى كنزا تعود إليه الأجيال القادمة، كلما كانت بحاجة إلى ذلك. وبذلك أعتبر نفسي محظوظا، بتمكني من القيام بهذا الدور مستعملا الفن وسيلة للوصول لمبتغاي.

*لكم علاقة متميزة بالشباب، توجهونهم للاجتهاد والتمسك بأحلامهم لمن أراد لها التحقق. وتعتبرون الفن أحسن وسيله تقيهم طريق الانحراف الأخلاقي والفكري.

يقال بأن صورة واحدة تُغْنيك عن ألف كلمة، خصوصا ونحن في عالم مستهلك للصورة بامتياز. وأعتبر شباب اليوم محظوظا، بما تَوَفّر له من إمكانيات التصوير وتطبيقات التعديل ووسائل التواصل الاجتماعي. ما يجب علينا فقط هو أن نُحْسن استغلالها، ونلتزم بالقوانين المنظمة لها، ونجعلها مُقَدِّمَة لاكتشاف المواهب الكامنة داخلنا. هذه الوسائلُ أيضا، فرصة للناشئة للتواصل والتعاون مع فنانين سبقوهم إلى الميدان.

= = =

الفنان الفوتوغرافي الحسين بوميلا: من الصورة الفوتوغرافية إلى اللوحة التشكيلية؛ حاوره مولاي محمد الفقيه

الكاتب المغربي مولاي محمد الفقيه

خاص قنّاص – فوتو تشكيل

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى