حواراتفضاءات

حوار مع زاهر السالمي: لم يزل الأدب العربي المعاصر يحوم في مدارات الحداثة !

زاهر السالمي: الترجمة خلق نص جديد مرتكزا على آخر في لغة مختلفة، وهذا الإحساس بالخلق هو ما يجعل الترجمة افتتان أصيل

زاهر السالمي: لم يزل الأدب العربي المعاصر يحوم في مدارات الحداثة!

حاوره: سامر أنور الشمالي

السالمي

أصدر الشاعر العُماني زاهر السالمي العام الفائت مجموعته الشعرية الثالثة بعنوان «الراقص بساق في أغلال»، وله أيضا «عبوة ناسفة،2007»، و«قناص في مضيق، 2014». بالإضافة إلى عدد من الترجمات إلى العربيّة، من أبرزها «شهي خسارة كل شيء، 2014»، و«القوانين الجوهرية للغباء البشري، 2017». وله قيد الطبع كتاب سردي بعنوان «منازل طلعة الشمس» ؛

هذا حوار معه …

*مقل في كتابة الشعر.. هل يعود السبب إلى أنك تجد الشعر هواية تمارسها في أوقات خاصة، أو أنها ليست حرفة يجب عليك ممارستها للنشر بشكل منتظم؟

هل تقصد حرفة تأكل منها عيشك! لا أظن أن الشعر في شرقنا يمكن أن يكون حرفة بهذا المعنى. هناك إقلال في النشر، وليس الكتابة. ربما المسافة الزمنية التي أعطيها للنص حتى يتكون من خامته الأولى هي السبب في التريث. هنا يشتغل الزمن مانحا النوع وليس الكم مساحة أوسع. 

*من المجموعة الشعرية (قناص في مضيق) إلى (الراقص بساق في أغلال) نجد أن الجملة الشعرية لم تعد مضغوطة أو شديدة التكثيف، بل اتسعت للكثير من التشبيهات والاستعارات. هل هذا تطور طبيعي؟ أو تعمدت تغيير أسلوبك؟

التطور الطبيعي يأخذ في مجراه تغيير الأسلوب بمستويات عديدة. كل مجموعة هي نتاج تجربة حياتية، والنظرة إلى العالم تختلف مع عبورنا للزمن، لذلك الجملة الشعرية تتبلور حول هذه النظرة المختلفة، وتعطيها شكلا. أعترف أني أبحث عن جملة شعرية جديدة مع كل مجموعة، جملة لا تأمن بالزمن في صورته الجامدة والمعلقة على حائط الذاكرة، إنما بذلك الرِتْم الذي يعلو ويخفت مع اللحظة الشعورية في انسيابها الواعي وغير الواعي.

*لماذا الراقص في شعرك بساق في الأغلال؟ هل لأن حلم الحرية أكبر من أن يحققه حتى الشاعر؟

الراقص بساق في أغلال في أصله راقص، لذلك حُرٌّ!

*في شعرك لمسة سردية، ظهرت جليا في مجموعتك الأخيرة، هل تريد أن تجعل قصيدة النثر تجاور فنون النثر الأخرى؟ وإلى أي حد تنفتح القصيدة لديك على التجريب؟

السرد متأصل حتى في القصيدة بشكلها القديم، قصائد شهيرة سردت الحروب وقصص العشق وغيرها. بينما التجريب متعة أبدية في الكتابة، كشوفات لم أختبرها، ذاك ما يجعل الأمر حيويٌّ ومُجد.

*لا تخلو قصائدك من أجواء الفانتازيا، والعبثية أيضا.. إلى أي حد نحن بحاجة إلى شيء لا معقول لفهم أو للتواصل مع الواقع القاسي من حولنا؟

الفانتازيا والعبثية هي ما نعيشه، لذلك تدخل النصوص في هذه الأجواء دون جهد.

*تكتب بطريقة مغرقة في الذاتية أحيانا، لهذا نسأل عن علاقتك مع القارئ الذي قد يجد صعوبة في التواصل مع شعرك؟

هذا سؤال يذكرني بجملة للفنانة التشكيلية الراحلة باية محي الدين، التي ردت على سؤال شبيه بقولها: أنا أرسم ومن يرى يفهم ما يريد! وقراءة الشعر كما مطالعة لوحة تشكيلية، ليست كقراءة الجريدة اليومية، إنها تحتاج إلى مران ومراس وثقافة، حتى يتمكن الفرد من التواصل مع النصوص. والقصائد الأجمل بالنسبة لي تلك التي أكتشف فيها شيء جديدا كلما أعدت قراءتها. ذلك النوع من الشعر متعدد المستويات في انزياح المعنى وتشكله أو تشرذمه.

*ترجمة الشعر إعادة كتابة الأفكار والأحاسيس ذاتها، ولكن بلغة اخرى. وأنت ترجمت لعدة شعراء. هل اخترت الترجمة لأنك تبحث عن مغامرة في اللغة الإبداعية، أو لأن هؤلاء الشعراء يكتبون بالطريقة التي تكتب فيها؟

لا أظن أني أكتب مثل الشعراء الذين ترجمتُ لهم، لكني بالتأكيد تعلمتُ منهم الكثير. ما يجمعهم هو أني أعجبت بشعرهم، هناك ما هزّني، لذلك وحتى أذهب أعمق في فهم عوالمهم الإبداعية، ترجمت لهم، ليس الشعر فحسب، إنما حواراتهم المهمة، والمقالات النقدية التي كتبت عن أعمالهم، في محاولة للتفاعل الواعي مع هذه التجارب.

الترجمة هي خلق نص جديد مرتكزا على آخر في لغة مختلفة، وهذا الإحساس بالخلق هو ما يجعل الترجمة افتتان أصيل.

*هناك خصوصية لسلطنة عمان مقارنة مع باقي الدول العربية. كيف انعكست هذه الخصوصية في شعرك مقارنة بالشعر العربي؟

المكان بوتقة الثقافة، وكما أن الشعر المصري يختلف عن العراقي والسوري أو المغرب العربي، لاختلاف المكان وبالتالي الحاضنة الثقافية، فكذلك الشعر والأدب العُماني. بالتأكيد ستجد انعكاسات المكان في شعري بمستوياته المباشرة وغير المباشرة. وهذا التأثير يظهر مختلفا من مجموعة لأخرى.

*كيف تقرأ تجربة مجلة نزوى؟

تجربة مركزية؛ هذه قراءتي الشخصية لمجلة نزوى. على المستوى المحلي؛ ساعدت على التفاعل بإيجابية مع الحداثة المعاصرة، في مفهومها الثقافي الأدبي والفني. بالتأكيد سياقات طويلة قبلها في التاريخ الثقافي العُماني مهّدتْ لذلك الاتجاه. أهمية مجلة نزوى تكمن في أنها بلورت ذلك التراكم بحرفية عالية واستمرارية.

هنا لا بد من الإشارة إلى اسم المجلة، نزوى، ومدينة نزوى عاصمة تاريخية لعُمان. الاسم ذو رمزية تستدعي حمولة ثقافية. استخدام هذا الاسم في مجلة تحمل مشروعا حداثيا متأثرا بالحداثة الغربية، يُجذّر تلك الفكرة، بما تعنيه من انفتاح وممارسة ثقافية تطورت عبر عصور.

تَذكَّرْ أن نزوى جاءت في لحظة عربية جِدّ صعبة، حين اضمحلتْ أو تلاشت معظم المجلات العربية العريقة التي كونت ذاكرتنا الأدبية المعاصرة، لأسباب اقتصادية ومالية أو سياسية. إذن المهمة لم تكن سهلة، أن تستمر في الرسالة الثقافية التنويرية، وأن تعبر بها إلى مرحلة أخرى. بالتأكيد نزوى لم تكن في أفضل مستوياتها على الدوام، لكنها تتجاوز الأزمات والعثرات، كما هو تاريخ هذا النوع من المجلات.

*إذا أجرينا مقارنة بين الشعر العربي المعاصر وما يكتب في الشعر الأجنبي.. ماذا نكتشف من نقاط التشابه والاختلاف؟

نحن نعيش تحت مظلة الحضارة الغربية، وبما أنها الحضارة المهيمنة، ننقل عنها كل شيء، وبالتالي الأدب والفنون والثقافة، تجد التأثيرات المباشرة فينا. وفي سياق الشعر والأدب، كما كل شيء، نحن متأخرون جدا عنهم، وذلك لترهل مشاريع الترجمة والدراسات. خذ مثلا بسيطا؛ لم يزل السياق العام للأدب والفنون في شرقنا يحوم في مدارات الحداثة، بينما الغرب ينتج ما يُطلق عليه: ما بعد.. بعد الحداثة!

إذن ودون المشاريع المؤسسية للترجمة والدراسات، تكبر الهوّة، مما يجعل التأثيرات السلبية للحضارة المهيمنة أشد من الإيجابية بزخمها المعرفي والفلسفي.

*أنت على اطلاع مباشر مع الحركة الثقافية بصفتك رئيس تحرير لمجلة قنّاص الثقافية. كيف ترى واقع الحركة الأدبية في الوطن العربي، ولاسيما الشعر؟

تأثرت الحركة الأدبية في الوطن العربي في عصرنا بالكوارث التي تعصف به، بما فيها الشعر. الأدب والشعر نتاج تراكم حضاري، فكيف لمن لا يجد سقفاً يَحْميه أو لقمة تستر جوع أطفاله أن يراكم غير الخيبات. لكن وبنظرة غير سريعة للتاريخ، وعبر تجارب الحضارات الأخرى، فإن الطريق ليست مُعبّدة! مخاض طويل تلو مخاض حتى نخرج من عنق الزجاجة؛ الاستعمار! الحروب الأهلية، التمزق الجغرافي، تبخر الثروات والعقول، الملايين مشردون، هذه أذيال كل استعمار.

وكيف نصف الإبادة الجماعية التي يتعرض لها أهلنا في فلسطين وعبر سبعة عقود إلى لحظتنا الراهنة غير احتلال مباشر وحشيّ تحت سماء مفتوحة على مدار الساعة بأطنان من القنابل العمياء في قصف سجّادي؛

هنا تتجلّى تكنولوجيا العصر الحديث في أبشع أشكالها الفاشية. غزة وبقية فلسطين المحتلة لم تعد سجنا كبيرا تعاد فيه ميكانيزمات الفصل العنصري، إنما مقبرة شاسعة!

الشعر والأدب والفنون جزء لا يتجزأ من عملية التحرر هذه، نافذة تطل على أرواحنا، بجمالها وتشوهاتها، وبما أننا لم نزل نكتب، فذلك خبر جميل.

***

حوار مع زاهر السالمي: لم يزل الأدب العربي المعاصر يحوم في مدارات الحداثة! حاوره: سامر أنور الشمالي

الأديب السوري سامر أنور الشمالي

السالمي

خاص قنّاص – حوارات

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى