السردية التاريخية المتكئة على الحدس.. الرواية الصينية نموذجاً | جينا سلطان

 إبراز الهوية الشرقية لدى الكتاب الصينيين إنما يتأتى عبر الإنصات إلى وشوشة الروح المتقمصة لحيوات عديدة

في النمط السردي الشرقي المتكئ على الحدس، تعرف الرواية بوصفها نتاجا للحساسية، وبالتالي تقع خارج المعايير الغربية القائمة على احترام ترتيب الأفكار وتقديم قصة متكاملة تتطور فيها الحبكة حتى تصل الذروة. وبسبب استقلالية الأفكار عن ثنائية السبب والنتيجة، لن يحتاج المؤلف الصيني إلى التعبير عن نفسه في صيغة البطل المخلص والناطق بلسان الشعب، ولا المدافع عن شرعية العدالة. إذ يستلهم اللغة المتداولة في الشوارع والأزقة القديمة المتناسلة من جنبات التاريخ، ويدعم دورها في تجسير التواصل بين الأجيال، ضمن دائرة القيم الأخلاقية الخاضعة لقوانين الثنائيات المتضادة.

شقت رواية “جبل الروح”، التي تجمع بين السيرة الذاتية للمؤلف والصيرورة الإبداعية لطرق معاينة الذات عبر الارتحال آفاقا جديدة للفن الروائي، واعتبر “جيان” عقب نيله جائزة نوبل في عام 2000 كاتبا طليعيا. وهو ما أفسح المجال لتجارب إبداعية مختلفة لكتاب صينيين كي تأخذ طريقها لنقل السردية الشرقية الحدسية إلى المتلقي الغربي، فصاغت مواطنته “تسان شييه” في رواية “الحب في القرن الجديد”، صورة متجددة لصين ما بعد ماو، حيث ترتسم تعددية الذات الإبداعية مدخلا للتأريخ. بينما تطرق “مون يان” الحائز على نوبل في عام 2012 إلى عقدة الخلود عند الصينيين بأسلوب ساخر ينتقد سياسية الطفل الواحد..

“جبل الروح”

تقدم رواية “جبل الروح” سردية شرقية غنية، تتداخل فيها الشخصيات الثانوية بشخصية المؤلف، التي تعكس روحا قلقة ضائعة تتلمس سكينة اليقين. وقد أتاح فرار “جيان” من الموت الفرصة أمامه للطواف في متاهات العالم الصيني، بحثا عن ماهية الحياة، التي لا تشبه صورتها الخارجية، كما يؤكد الحكماء القدماء، إذ تتوارى خلف الحد الفاصل بين الذكرى والوهم المرتسم حولها في الذهن، فيصبح اليقين معادلا للحدس الفردي. وهذا الحدس يكشف ماهيته لحظياً في إطار دهشة تبلغ عتبة الامتلاء، عند لقاء المؤلف بصياد رقي إلى مرتبة القداسة، فيدرك المعنى المتأتي عن امتزاج التاريخ بالشائعات، تمهيدا لولادة الأسطورة الشعبية. وبالتالي يبرهن على ارتباط الحقيقة بالخبرة، التي تتحول إلى تاريخ عند تناقلها، فيستحيل التحقق من مصداقيتها.

يتخذ بحث “جيان” عن جبل الروح، والذي يعادل رمزية اليقين، طرقا ودروبا لا حصر لها، ترتبط بشكل وثيق بسعة حدسه. فيتمثل الجبل تارة قطعة صخر عنيدة، تقطع عليه الطريق فلا يبصر دربه، وتارة يتمظهر في هيئة فكرة تشحن إيمانه وتعينه على فهم نفسه، وتلمس خوفه وعزلته. وعلى النقيض من طمأنينة اليقين، يستشعر “جيان” هول المسافة التي قطعتها البشرية بين الأنسنة والتوحش، مختزلة بقناع خشبي يجسد حيواناً بوجه بشري، ويعكس خوف الإنسان من بهيمية أقرانه. فيدرك يائساً استحالة نزع هذا القناع بسبب التصاقه بجلد الإنسان، ويشكل بالتالي إسقاطا لجسده وروحه.

تستمد العزلة المجردة من المعنى عند “جيان” قيمتها من المعاناة الفردية الصامتة داخل الظلمات التي يشكلها ضباب التاريخ الكثيف، لكنها تقدم في الوقت نفسه، حافزا للكتابة والتواصل مع الآخرين، وتعادل التوازن الداخلي. لأن حماية الطبيعة الخاصة للإنسان تتطلب الانسحاب بعيداً والغوص في حلم متبصر، كما فعل الرسام غونغ كسيان الذي تخطى أخلاق زمانه دون أن يسعى إلى معارضتها، وظلت لوحاته تعكس مشاعره الحقيقية دونما حاجة إلى تقديم تبريري، وهو ما عجز عنه “جيان”.

يتطور الحدس في بلورة رؤية مغايرة للتأريخ الجمعي عند الروائية “شييه” فيختمر في بوتقة الهلوسات المتداخلة بالوقائع الحياتية، ويقدم نموذجاً لبطل شعبي تم اختباره لمدة طويلة، حتى نضج. وهذا التداخل يجبل واقعا أكثر اتساعا وأفقا أكثر رحابة، ويسقط حكمة الأجداد في حضن الشخصيات الروائية مختلطة بهذيان وصخب روحي عنيف، تستدعي معه المؤلفة أجواء غرائبية، على شكل ومضات عابرة تدفع القارئ إلى التساؤل عن ماهية الحب في العصر الحديث ودوره في إغناء الذات على الصعيدين الفردي والجمعي.

“الحب في القرن الجديد”

“كل حسب مقدرته، كل يأخذ ما يحتاج إليه”؛ عبارة مفتاحية تعرف من خلالها “شييه” نمط الحياة في الصين الحديثة، سواء في الريف أو المدينة، قبل أن تتوغل في عمق شخصياتها، التي تشكل غلافاً ظاهريا فقط تعرض من خلاله تداخل عالمي اليوم والأمس. وحين تتقمص أشكال صراعاتهم الداخلية، يكتسب نصها نمطا دائريا، يقدم سرداً مختلفا في كل فصل، إذ يتلون وفقا لما تمليه تجليات كل شخصية. وتبعاً لذلك يتباين الأسلوب ويتلبس باللغة الشعبية المحكية تارة، وباللغة الأنيقة تارة أخرى. فيتوه القارئ بين تلافيف ذهنها القائم على الطواف حول تعددية الذات الروائية والاتصال بأبعاد أعمق في صميم الصيرورة الإنسانية. وهو ما يجعل الرواية سِفراً في غموض النفس البشرية، وتحديا على صعيد المنجز الإبداعي، وفرصة أمام القارئ لتوسيع مجال التواصل مع اختلاف الآخر.

تدور الرواية حول رجال ونساء متوسطي العمر، يدخلون في علاقات عاطفية متعددة، تجعل كلاً منهم يبدو وكأنه مرآة للآخر، ولاسيما الشخصيات الأنثوية التي تجسد “تماسك النفس الداخلي”. ويحتل تاجر التحف الوسيم “يو” موقعاً أساسيا بينهن، لكونه ينتمي إلى صنف الأشخاص الذين تنطبق عليهم المقولة الصينية: “من لا يكون قلبه قانعا، يكون مثل ثعبان يبتلع فيلا”، والتي يستخدمها لتسويق ولعه بالنساء. إضافة إلى تمتعه بالعمق الداخلي المتأتي عن عمله في بيع وشراء اللوحات والتحف القديمة، الذي يقتضي التواصل مع الأرواح الكامنة في تلك التحف، ليغدو محكوماً بالعيش في عالم آفل، فيبصر الحياة الواقعية عبر طبقة وهمية من الزجاج تفصل بين العالمين.

يسبغ التقاط “شييه” لأدق تفاصيل المشاعر والخلجات الإنسانية على روايتها مظهر الثرثرة العفوية التي تتيح لكل شخصية إبراز ما في أعماقها، وكيف تواجه الخوف، وكيف تتلقى السعادة، وكيف تتعامل مع الطموح، وكيف تلملم شتات نفسها وتواجه الماضي. وتركز بشكل خاص على العجز لدى “تسوي لان” عن تلمس طريقها نحو الفهم، وإيمانها بأن الإدراك مازال بعيدا في سن الخامسة والثلاثين، التي تعتبر في الصين مرحلة حرجة، إذ تتضمن الاقتراب من الأربعين، ما يعني أنها عجوز لا تصلح للعمل كمومس في منتجع الينابيع الحارة، الذي ارتسم رمزاً للتعبير عن توق الخروج من بوتقة العمل النمطي في معمل القطن المقترن بالفقر. بالمقابل، تنجح زميلتها الحسناء “آسي” في إدارة حياتها جيداً رغم تعرضها المستمر للخذلان، وتتكيف بفضل ذكائها مع أي بيئة قاسية تضطر للعمل فيها، لأنها تعتبر الفقراء أمثالها مجردين من خصوصيتهم.

تهيم بعض شخصيات الرواية في الطرقات والأمكنة الغريبة، فيشَّبه لها أنها تعيش الواقع وتديره وفق منظورها الخاص. ويتلبس السرد أحيانا بإهاب الأحداث التي تتوالى في الأحلام بدون ناظم يضبطها أو يضعها في سياق ملائم. فيتوهم الشرطي “شياو تشي” أنه تحول إلى نمر أسود لأنه كان خائفاً، وحين يسكن خوفه يرجع إلى جسده البشري. بينما يقوم العامل “وي بو” برحلة روحانية خارج المنزل مدفوعاً بتأثير القوة الهائلة لذكريات الماضي التي ما فتئت تخترق الحياة الراهنة، لتعري زيف الأحكام العشوائية المنفلتة من عقالها على شكل إشاعات ومكائد، وحين يعود من جديد يثني أمام “لاسي” على مهارة التغلب على الحزن التي علمه إياها والده، فعاش وفقاً لها.. بالمقابل، ترفض أيقونة الغناء، “امرأة الكاميليا” ذات الصوت الأوبرالي، أداء الأغاني المرتبطة بالحياة الماضية، وبالحياة العاطفية للناس في الحاضر، وتغني عن الحياة التي لم تخطر على بال الناس من قبل، أي أنها تُذكي حس الأمل بالمستقبل، فتنشأ أجيال على صوتها الملائكي، ومنهم “آسي” التي يمنحها الإنصات لغنائها زخم الحياة.

تبتدئ مغامرة “شييه” مع التاريخ من خلال المراهقة “أليانغ” التي تجسد تاريخ الريف، وترمز محاولات قتلها إلى الرغبة الضمنية في محو هذا التاريخ. فـ”أليانغ” الوافدة إلى متجر التحف، تتحول خلال وقت قصير إلى شخصية عامة، بعد نجاحها بحدسها الفطري في تمييز اللوحات الحقيقية عن المزيفة التي تزين جدران المتحف، لتثبت أن الريفيين وحدهم من لديهم ذهن متيقظ. وفي الوقت نفسه، تتحول حياة الطبيب الريفي المتزامنة مع التحقق الداخلي إلى أسطورة، لاقتران ممارسة مهنته بالتواصل الروحي مع الطاقات الخيرة.

بالمقابل، يتخذ مؤرخ عجوز يدون تاريخ مصنع الصابون، توقيت مغادرة المرأة الأولى “ين تزي” لهذا المصنع، كي تعمل في الدعارة المقنعة منطلقا للتأريخ. بحيث يعادل، تاريخ التهميش والحبس في إطار ضيق والخروج منه للعمل في منتجع الينابيع الحارة، رمزياً تاريخ الخروج من التماهي القسري بالآخرين إلى اجتراح معجزة الاختلاف وحيازة الهوية الفردية، التي تصبح بالمقابل في قرية صغيرة هوية جماعية تحلق بالروح أثناء التماهي مع الطبيعة. وفي الوقت نفسه، تجسد نادلة شابة في الخامسة والثلاثين من عمرها تتجول بين جانبي الحياة والبرزخ تاريخ مصنع القطن، لأنها عملت فيه بكد وتعب، حتى أتى يوم عاينت فيه الواقع وفكرت بصفاء، وأصبحت تاريخا؛ فـ”التاريخ ليس سوى الفكر الثاقب والرؤية الصافية”. لذلك تطلق على “آسي” اسم “جمال سابق” لأنها صنعت تاريخها الخاص، فيما تحتم على أولئك الذين لم يصبحوا تاريخا خوض المصاعب والانتظار.

جسد “جيان” و”شييه” حدي التاريخ الصيني القديم والمعاصر، بينما سربل “مون يان” حقبة ماو تسي تونغ ببعد نسوي قيادي، من خلال شخصية العمة التي تمتلك قوة الحزم في تنفيذ الأوامر العسكرية، أسوة بقادة الجيوش في الأزمنة البعيدة. فمن خلال مهنتها كطبيبة نسائية في الأرياف الصينية تطبق سياسية الطفل الواحد بمنتهى الصرامة، فتتمزق بين ضميرها وولائها للحزب. 

“الضفادع”

تقوم رواية “الضفادع” على الثرثرة أيضا، وتتلبس بطابع القص الشعبي المحكوم بالنميمة التي يتبادلها الجيران والأقارب والأصدقاء مع بعضهم البعض، فتعكس تفاصيل الطرق السرية لتحدي سياسة الطفل الواحد. ويتوزع السرد على أربعة أجزاء تتناول قضية الوارث الذكر الذي يحفظ اسم العائلة في مجتمع إقطاعي تحكمه النزعة البطريركية، والتي لم تنجح قسوة الثورة الثقافية والاجحاف الذي طبقت عبره سياسة الطفل الواحد في الحد منها. بالمقابل، يتخذ الفصل الخامس شكل مسرحية تراجيدية، يؤلفها ابن أخ العمة، الذي يطلق على نفسه لقب الشرغوف، فتلملم مشاعر الخذلان المجهضة وتعري النفاق الاجتماعي المستتر بالدعابات والمزاح، وتفضح تسليع الإنسان في المجتمعات الشيوعية.

تتمحور الرواية حول شخصية العمة القوية، التي تقوم بتوليد تسعة آلاف وثمانمائة طفل وتجهض عددا لا يستهان به من الأطفال الذين تحدى آباؤهم سياسية الطفل الواحد في المدن والطفلين في الأرياف، ليتحول هؤلاء إلى تماثيل طينية تتقمص لاحقا لدى عائلات أخرى. وبينما يستنزفها الندم ويمزقها الولاء للحزب الشيوعي، يمنحها الشرغوف طريقا لتلمس الغفران، عبر أنشوطة الإنسان المسخ، والذي يتمثل بطفلة امرأة أجهضتها العمة في شهرها السابع، فماتت، وكبرت الطفلة لتصبح الأم البديلة لطفل الشرغوف. وبذلك تناسلت الأمومة المشوهة بين الماضي الشيوعي والحاضر الرأسمالي الجديد لترتسم رمزية الضفدع، التي تجسد ذرية ذكورية كثيرة التناسل، عنوانا ملائما للأزمات الأخلاقية التي يجتازها مجتمع ما بعد ماو تسي تونغ.

يمثل الضفدع طوطم كانتون دونغبي، حيث تدور الأحداث تحت سطوة التوق إلى الخلود الذكوري، فيتحول نقيق الضفدع الى مصدر رعب للعمة، لتقدم المسرحية تحليلاً واقعياً لأسبابه. فمن ناحية تملك الضفادع أفخاذا ذات شكل أنثوي، ومن ناحية أخرى تتشابه بشرة النساء المحروقات في معمل الألعاب مع جلود الضفادع الملساء، فيما يختلط نقيقها ببكاء الأطفال حديثي الولادة. وبينما تتحول العمة إلى أسطورة يصبح الطفل المولود عن طريق الأم البديلة المشوهة بفعل الحريق عنوان المرحلة الجديدة، حيث يستهلك كل شيء لتسقط الاشتراكية في مطب الرأسمالية نفسه.

توسع “آمي تامي” مفهوم الحدس ليشمل الخبرات المتأتية عن ذاكرة التقمص، التي تشكل جزءاً أساسيا من المعتقدات الصينية. فتتجول شخصياتها بحرية بين طبقات حيواتها السابقة، وتستعين بأشباح ماضيها البعيد لمناقشة المغزى أو القيمة الأخلاقية المتأتية عن رحلتها الحياتية. وبالتالي، يتحول الدَّين في وجودٍ سابق إلى محفز لتمتين أواصر اللحمة الإنسانية في حياة تالية. وتصبح شخصية كوان المرشد الروحي لأختها نصف الشقيقة أوليفيا، بفعل تأثير الصداقة القوية التي جمعت بينهما في حياتهما السابقة، قبل أن يحول الموت التراجيدي الشابتين إلى ذاكرتين متقدتين تواقتين لإعادة بناء مشروع الأنسنة من النقطة التي توقف عندها.

مئة حاسة سرية

تغزل تامي شبكة التقمص الخاصة بها من خلال عيني الين، التي تعني الطاقة الأنثوية الحدسية، اللتين تجعلان كوان تبصر الأشباح المفارقة لهياكلها عقب الموت. ومن خلال كوان وأختها أوليفيا نصف الصينية ونصف الأمريكية تقدم مفاتيح فهم الثقافة الصينية القديمة، التي ترتكز على انسجام الإنسان مع الطبيعة، ومع ذاته. وبالتالي سيكفي تلوث عقلي لأحد الشبان القرويين في الصين، والمتأتي عن مشاهدة فيلم أكشن أمريكي رديء، لدفعه نحو قتل سائح ياباني وسلبه ساعته الرقمية.

ومن خلال شخصية شبح كوان، والموافقة لنسختها السابقة نتعرف على ماهية العناصر الخمسة التي توثق السالك لطريق معاينة الذات بإنسانيته بتلقائية عالية. فتحاول كوان في حياتها السابقة بوصفها نونومو تعليم شابة أوروبية تدعى بانر مفاتيح الثقافة الصينية القديمة، عبر معطيات بسيطة تتبدى في معاينة الاحترام المرتبط بتقديم امرأة لنذرها أمام المذبح، وتبصر الأمل في محاولات فتاة بائسة صيد السمك بشبكتها المهترئة، وتلمس قوة الغضب المكتنف لشجار الرجال.

تختزل كوان صين اليوم في مفهوم “ذاكرة الناس القصيرة” والمرتبطة بعطايا الرأسمالية، والتي تتماهى بذاكرة الأمريكيين القصيرة أيضا، نظراً لعدم احترمهم للتاريخ، إذ يهتمون بما هو شائع في زمنهم فقط.  وضمن هذا المنظور تمنح شخصية بانر ذاكرة مشهدية تصويرية، تذكرها بالتلون في سلوك البشر، فيقدسون شيئا، ثم ينصرفون عنه لاحقاً ليبجلوا غيره، وهذه الخاصة تؤهلها عند تقمصها في جسد أوليفيا للحصول على مرشد روحي، يتمثل في كوان.

تعاطت “تامي” بطريقة جيدة مع قصص التقمص، لكن إدارتها للحبكة سقطت في مطب الاستعجال، ما أفقد روايتها العمق الوجودي الموافق لـ”رحلة الروح”، عند الباحث الأمريكي “ميشيل نيوتن”، وجعلها أقرب إلى الثرثرة النسائية، المتمركزة حول أمنيات البقاء مع الأحبة والمقربين، فأفرغت التقمص من غايته بوصفه درسا أخلاقيا وحكمة واغتناء واقترابا.

تتجاوز الروائية “شي زان” مطب الثرثرة العفوية لدى “تامي”، لتسبغ على رحلة بطلتها الطبيبة وين إلى التيبت بحثا عن زوجها المعنى الوجودي الشمولي، والذي يرتبط بمصطلح الجنازة السماوية، التي تمنح الجسد البشري الذي فارقته الروح التكريم عبر تغسيله ولفه بالقماش الأبيض، ثم تركه في أعالي الجبال، كي تتقاسمه الجوارح، ليتحقق اتصال السماء بالأرض عبر طقسية الالتهام.

جنازة سماوية

تدور الرواية حول حبكة بسيطة، تتمركز حول وين، التي ترحل في زمن الحرب بصحبة فرقة عسكرية صينية إلى التيبت بحثا عن زوجها المفقود، وحين تجد أثره بعد مرور ثلاثين عاما، تدرك أنه أنجز عملا مهما، حين قدم حياته ثمنا لوئد الفتنة بين الجنود الصينيين وسكان التيبت. فتتوقف المعارك بفضل تضحيته في تلك المنطقة، بعد أن نجح في اجتياز الحدود التي ترسمها الحرب بين الحب والكراهية. وهو ما جعله مؤهلا لنيل التكريم والتشريف المقترن بمهابة الجنازة السماوية لدى أهل التيبت.

بدورها تدرك وين بمرور الزمن وبتأثير حياتها مع البدو الرحل، أن التيبت في صميمه لا يعدو أن يكون ديراً كبيراً، إذ تسكن الروح الدينية ذاتها كل سكانه، فيحملونها كما يحمل القس عباءته. وبالتالي شكل ارتحالها وطوافها حول الجبال المقدسة معاينة للذات التي تمركزت حول حب الزوج المفقود.

إبراز الهوية الشرقية لدى الكتاب الصينيين إنما يتأتى عبر الإنصات إلى وشوشة الروح المتقمصة لحيوات عديدة، فيمرر القلب رسائل التبصر عبر الحدس إلى العقل، الذي يصقل مهارة إعادة التأريخ فتغدو محاكاة ساحرة لربط الأمس بالغد، عبر تأمل التفاصيل اليومية ضمن فوانيس الحكمة الشعبية المؤسطرة.

 

هوامش:

  1. “جبل الروح”، جاو كسينغ جيان. ترجمة : د.انطون حمصي، دار المدى 2002  
  2. “الحب في القرن الجديد”،”تسان شييه”، ترجمة يارا المصري، دار ممدوح عدوان 2021.
  3. “الضفادع”، مو يان، ترجمة ميراي يونس، شركة المطبوعات للنشر والتوزيع  2018،
  4. “مئة حاسة سرية”، آمي تامي، ترجمة عاطف الخالدي، الدار الاهلية عام 2017.
  5. “جنازة سماوية”، شي زان، ترجمة عبد المجيد اليوسف، دار مسكياني، 2019.
جينا سلطان: كاتبة من سوريا

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى