عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

العلاقة بين السلطة والسلطة: قراءة في كتاب العلماء والسلطة في عُمان | سيف المسكري

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة مؤخرا كتاب للباحث العماني ناصر بن سيف السعدي، حمل عنوان “العلماء والسلطة في عمان 1749 -1913م، والكتاب في أصله أطروحة دكتوراه في تخصص التاريخ الحديث أنجزت في جامعة السلطان قابوس عام 2020م. تحاول هذه الاطلالة مقاربة الكتاب في جزئياته العامة مع الوقوف عند بعض فصوله. فتحت رسم “العادة” يرى المؤلف أن علاقة علماء الدين بالسلاطين يغلب عليها الصدام والقطيعة وبالأئمة الوفاق والوئام. ولا يخفى على المطلع أن عام 1749 شهد النهاية الحقيقية لدولة اليعاربة وبدء إمامة أحمد بن سعيد البوسعيدي التي سيعقبها حكم أسلافه الذي أصبحنا نصفه في الوقت الحاضر بحكم البوسعيد، لذا اتخذه الباحث بداية لتأطير موضوع البحث زمنيا، لينتهي في المقابل بعام 1913م والذي شهد تطورات أخرى عميقة بقيام إمامة سالم بن راشد الخروصي. وبين التاريخين حكم عمان تسعة من الحكام، صنفهم الباحث كالتالي: اثنان نالا الشرعية الانتخابية أي البيعة والعقد، وهما أحمد بن سعيد وعزان بن قيس. في حين كان السبعة الآخرون متعددي الأساليب في تقلدهم السلطة وراثة وانقلابا وقوة ملقبين بالسادة تارة والسلاطين تارة أخرى.

المنهجية التي توسل بها الباحث في سبيل تحقيق أهدافه كانت عبر الاستقراء لجوانب العلاقة بين هاتين المؤسستين والتحليل لمضمون ما حوته المدونة المتعلقة بتاريخ الدراسة. فجوهر الدراسة هو العلاقة بين السلطة والسلطة أي السلطتان الدينية والسياسية متوخيا أهدافا أربعة؛ 1. الكشف عن مظاهر النزاع السياسي حول الحكم وآليات تداوله وأثر ذلك في مواقف العلماء. 2. بيان مواقف العلماء من الأزمات السياسية والتدخل الإقليمي والأجنبي. 3. النظر في الأسباب التي دفعت العلماء إلى معارضة السلاطين. 4. الكشف عن دور العلماء في إقامة نظام الإمامة وطبيعة علاقتهم بالأئمة. وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف كانت الدراسة في فصول أربعة ناقش كلا منها هدفا من الأهداف السالفة. مسبوقة بفصل تمهيدي أسماه الباحث بالعلماء والسلطة في النظرية السياسية الإباضية.

وبإمكاننا ايجاز نتائج البحث في نقاط عدة بيانها كالآتي: أولا: كان لمظهرين رئيسيين التأثير الكبير على العلاقة بين العلماء والسلطة في تلك الفترة، الأول: عدم وجود آلية واضحة لانتقال الحكم بعد وفاة الإمام أحمد بن سعيد عام 1783م، فكانت الوراثة المباشرة أو الاغتيال أو الانقلاب. والمظهر الثاني: النزاع الأسري الذي رصده الباحث في الفترة التي أعقبت وفاة الإمام أحمد وتنصيب ابنه سعيد الذي نازعه الحكم اخوته محاولين عزله حتى انتهى الأمر به محصورا في الرستاق له من الحكم اسمه. والحقيقة التي يعلمها الباحث هي أن الصراع بدأ في وقت أبكر من ذلك وتمثل في خروج سيف وسلطان على أبيهما الإمام المنتخب أحمد بن سعيد! فماذا عن الأسباب التي خلقت هذين المظهرين؟

ثانيا: لم تكن معارضة العلماء للسلطة ذات طابع عنفوي في جميع حالاتها؛ بل استخدمت الوسائل السلمية نصحا وتوجيها وتنظيرا عبر الرسائل؛ الخروصي جاعد بن خميس في رسائله لأمراء زمانه وسلاطينه، المحقق الخليلي في إغاثة الملهوف، ونور الدين السالمي عبر باب الإمارة في كتابه العقد الثمين.

ثالثا: أتَتْ سياسة التقريب لبعض العلماء وتعيينهم في المناصب ذات الصبغة السياسية والقضائية التي اتبعها بعض السلاطين أُكلها إلى جانب العطايا والهبات؛ فخمدت حدة المعارضة لدى البعض، ناصر بن جاعد الخروصي مثالا على ذلك، في حين ظل آخرون على موقف الرفض، فالشيخ سعيد بن أحمد الكندي يرد العطايا أو يتركها في مكانها متخذا من مقولة “من ازداد من السلاطين قربا ازداد من الله بعدا” شعارا له.

رابعا: كانت مبادئ الفكر السياسي الإباضي هي المحرك الأساسي في علاقة العلماء بالسلطة السياسية، فقد يضطر العالم لقبول العمل مع السلطان إلا أنه يظل قبولا “غير راسخ” حسب وصف الكاتب، وهنا سؤال آخر: ماذا يقصد بذلك؟ فهل التقية أو الأخذ بأقوال تجيز اللجوء لذلك هي المحك؟

خامسا: كان للعلماء أدوار مشرفة في الوقوف في وجه التدخلات الإقليمية، توعية للناس بمخاطرها وتفنيدا لما تحمله بعض الأفكار الدخيلة بالخصوص الصراع مع أهل نجد وتدخلاتهم المختلفة في عُمان. وموقف نور الدين السالمي من التدخل البريطاني.

سادسا: يذهب السعدي إلى أن العلاقة بين العلماء والسلطة تكون مستقرة في حال كانت البيعة والعقد من العلماء هي الوسيلة لوصولهم للحكم مدللا على حكمي أحمد بن سعيد وعزان بن قيس، واصفا أن العلماء ألزموا الرعية بطاعة الإمامين وساهموا في تدعيم سلطتيهما سياسيا واقتصاديا متوسلين لذلك الفتاوى المُحرِّمة للخروج عليهما. وهنا سؤال أيضا: ماذا عن الأحداث الجسام والصراعات الداخلية التي تخللت حكم المذكورين؟

كان من المهم الوقوف على جزئية المصادر لسبب رئيس، فالدراسة وإن كانت لفترة عرفت بغناها النسبي بالمصادر وتنوعها مقارنة بفترات أخرى من تاريخنا تشح فيها أحيانا بل وتنعدم في أحيان أخر، والكاتب كان مثالا للجهد المثابر والحفر الدقيق لجملة من المخطوطات والتقييدات والوثائق والمراسلات والأجوبة العمانية، مُعضّدا ذلك بالعديد من الأطروحات العلمية عربية وأجنبية. وقد يتبادر لذهن القارئ الحصيف هل مثلت هذه المدونة كلا الموقفين أي موقف العلماء من السلطة وفي المقابل موقف السلطة من العلماء؟

ما الجديد الذي تقدمه هذه الدراسة؟ يطول الأمر في حال أردنا التفصيل حول معنى العلماء كمفهوم قر في ذهنية المجتمع الإسلامي عبر مختف تجلياته الحضارية، إنه بالخصوص العالم بالدين، أي الفقيه وهو بهذه الصفة مكتسب لقيمة معنوية ذات نفوذ عميق يتضح في تصدره لفعاليتين خطيرتين، وهما الفُتْيا والقضاء.

في كتابه “البداهات الزائفة” يلخص عبد المجيد الشرفي دور العلماء في الحياة العامة بكونهم ذو مكانة متميزة وحظوة كبيرة في ضمائر العامة والحكام، دون أي صلاحيات سياسية، فالأدوار تم تقاسمها؛ رجال دين كما يصفهم انفردوا بالتشريع متخذين من الفتوى والتعليم والقضاء أدواتاً لذلك، وحكام أطلقت أيديهم في أمور السياسة والحكم مسندين الوظائف للفقهاء مقابل إضفاء الشرعية على حكمهم، فالمجتمع المسلم خاضع لسلطتين مزدوجتين لا تمازج بينهما ولكنهما متضامنتان بصفة تتبدى صراحة أو ضمنا. 

وأي خروج عن هذا التوافق كان حالة شاذة، فسرعان ما يعودان إلى تضامنهما لكونهما مستأثرين بسلطتين، مادية المال والسلاح، ومعنوية دينية عقائدية!

اختلفت الصورة كما يرى الباحث في الشأن العماني منذ تبني الفكر السياسي الإباضي خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي، فشرعية الحاكم مبنية على مدى التزامه بأسس ذلك الفكر، والعلماء لهم النفوذ الواسع والدور الكبير تنصيبا ومراقبة وعزلا للإمام، وتوليا للمناصب السياسية والإدارية. فالفكرة باختصار لم تكن حبيسة الكتب بل امتزجت مع الواقع تطبيقا واحتكاكا، وهذا التطبيق لم يكن على طول الخط في التاريخ السياسي لعمان بل تخللته أحداث جسام من الانقسام الفكري والسياسي. 

في تقصي الأحداث التاريخية سنقف عند حدثين، الأول ما أسماه الباحث برموز المعارضة السياسية من العلماء وأدوارهم في الحركات التي قامت ضد السلاطين في الفترة ما بين 1783 – 1913م، ولاعتبارات عديدة ساقها، أهمها حجم التأثير والدور السياسي والمكانة العلمية، حيث ركز على شخصيات أربع: جاعد بن خميس الخروصي، وسعيد بن خلفان الخليلي وصالح بن علي الحارثي وعبد الله بن حميد السالمي. وبدوري ستقتصر القراءة على اثنين منهم، الخروصي والحارثي.

أما جاعد بن خميس فتجلت الدراسة عن تمحيص جيد وتحليل واجه به الباحث إشكالية حقيقة أن الشخصية التي أرسل لها الشيخ جاعد رسالتين طالهما الطمس المتعمد، الأولى باسم “إلى بعض ممن استولى على المملكة من أهل عمان”، والثانية عنوانها “رسالة أبو نبهان إلى رؤساء زمانه”. ونتفق مع الكاتب كون المُرسل له هو السيد سعيد بن الإمام أحمد بن سعيد، ونضيف أن هذا الطمس لم يكن من الجهة التي تلقت الرسالة وإنما من أخرى لاحقة لم ترد التصعيد.  

مواقفه السياسية:

  1. التصدي خطابيا لحادثة اعتقال عدد من رجال قبيلة الكنود بنزوى كرهائن من قبل سعيد بن أحمد سنة 1783م، “بلغني أنك قبضت رجالا بغير جنية فهذا لا يجوز في دين الله، وفك عقالهم الساعة قبل اليوم ولا تتأخر ساعة واحدة وعليك من ذلك التوبة”.
  2. المشاركة في محاولة عزل سعيد بن أحمد وتنصيب أخيه سلطان.
  3. عدم الاعتراف بشرعية حكم السلاطين الذين عاصرهم باستثناء السيد سلطان بن أحمد الذي سكت عنه، ورفض تولي القضاء لأي منهم.

النتيجة تعرضه لصنوف من التنكيل بدء بتحريض العلماء المعارضين له فكانت رسالة علي بن مسعود العبادي التي وصف فيها الشيخ جاعد بالمثير للفتن بل وأـحل فيها دمه، وقام بالدور نفسه الشيخ سعيد بن أحمد اليحمدي بتكليف من السيد طالب بن الإمام أحمد بن سعيد. ورغم وقفوف عدد كبير من العلماء والأدباء وأهل القلم في صفه دفاعا عنه غير انه أصبح أسير التهديد في حياته غير آمن في الخروج من داره “إنا لا نقوى أن نكون حلفاء الطرق مشاة أو رُكْباناً طول الزمان لما فيه من عناء ونصب وكثرة الرصد”. وظل تحت الخطر حتى وفاته عام 1821 بل ولحق التنكيل بمؤلفاته وذريته.

الشيخ صالح بن علي الحارثي ينتمي لأسرة زعامة قبلية وتتلمذ على يد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي الذي وصفه بطالب العلم المجتهد، كان أول ظهور له في عالم السياسة العمانية المتقلب إبان الصراع بين الأخوين ماجد وبرغش -نجلي السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي- على الحكم في زنجبار التي كانت تحت السيطرة العُمانية، ولمحالفته الطرف الخاسر، وهو السيد برغش خرج من زنجبار إلى الصومال التي مكث بها سنتين ثم عاد إلى عُمان زمن حكم السيد ثويني بن سعيد بن سلطان البوسعيدي الذي صار حليفا له ولابنه السيد سالم بعده. فحتى عام 1866م لم يعثر الباحث على ما يفيد باصطفافه إلى جانب المعارضة ضد السلطة. وكتابه الوحيد “عين المصالح” لم يحوي أي نقاش يتعلق بالإمامة أو بالخروج على السلطان، سوى أبواب تشف عن مواقفه السياسية ورؤاه اتجاه الانقسامات القبلية، ظهر ذلك في “باب في الحروب وجهاد أهل البغي ونحو ذلك” و”رسالة عين الرشاد في تفصيل الجهاد”، متوسلا بها إكساب أفعاله ثوب الشرعية في ظل عدم وجود إمام منتخب.

أما مواقفه السياسية فهي تختلف كمّا ونوعا عن سلفه الخروصي حيث اتسمت بالحركة والثورية وقد ظهر ذلك في عديد المرات التي حاول فيها الهجوم على مسقط وقلب السلطة زمن السلطان تركي بن سعيد وابنه السلطان فيصل، بعد المصير الذي آلت إليه إمامة عزان بن قيس ومقتله، وكان لصالح بن علي دور كبير في قيام إمامة عزان بن قيس البوسعيدي.

استعرض الكتاب في جانب آخر “الجدل حول المواقف السياسية للشيخ صالح بن علي الحارثي”. ومن المؤسف أنه لم تعد بين أيدينا أي نصوص موثقة لأصحاب الآراء المعارضة لتوجهات وحركات الشيخ صالح، والتي تستشف أقوالها وحججها من الرسالة التي صاغها الشيخ السالمي وأسماها الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي، وفيها يدافع عن المذكور مشيرا إلى كل اعتراض على حدة وفاردا له ردا يصطبغ برؤى فقهية مما يدل على أن الاعتراضات صادرة عن أهل دراية وعلم بالسياسة الشرعية. ومجمل القضايا موضع النقاش ذات بعد سياسي، ويرى الباحث أن السالمي قد ذهب بالأمر بعيدا حين رفع منزلة المحتسب إلى درجة الإمام واصبغ عليه صفات تجعله أشبه بالمتفرد المستبد بالرأي وهي صفات ليست للإمام حتى! فكيف تكون لمن دونه ممن لم ينل اجماعا ولا عقدت له بيعة؟ فالسالمي وقع في إشكالية مبعثها الحماسة الشديدة لشيخه كما يرى المؤلف. في الأخير حوى الكتاب على اشتغال جيد وعميق لامس بمنهجية علمية موضوعا بالغ الحساسية والأهمية يخرج القارئ منه بتساؤلات ورؤى تمس الحاضر والمستقبل حول التغيرات البنيوية التي طالت كلا المؤسستين والصورة التي استقرت عليها ومآلاتها.  

* قراءة ألقيت ضمن أمسية نظمتها مكتبة «لوتس» في مسقط بتاريخ 12 أوكتوبر 2022 بعنوان «جدلية اليراع والسيف قراءة في كتاب العلماء والسلطة في عمان 1749 – 1913م».

سيف بن عدي المسكري، كاتب وباحث مهتم بالتاريخ، له العديد من المشاركات العلمية والمقالات، صدر له / الإمامة والصراع على السلطة في عمان أواخر دولة اليعاربة، دار الغشام:2015م، وسلطنة عمان في دليل الخليج، دار بيسان 2016م.  

تعليق واحد

  1. مقال جميل ومفيد أضاء جوانب من الكتاب “الدراسة العلمية ” بشكل مختصر وبنقد سريع لبعض المحتوى، إيجابًا وسلبًا، تحية وتقدير للأستاذ سيف ولصاحب الاصدار الدكتور ناصر ووفقهما الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى