اللابتوب الأسود لـ شيرزود أرتيكوف | ترجمة إيفا شاهين

شيرزود أرتيكوف: كاتبٌ ومترجمٌ أوزبكيّ من مواليد مدينة مارغلان عام 1985، وتخرّج من معهد فرغانة للعلوم التطبيقيّة عام 2005. كان أحد الفائزين في المسابقة الأدبيّة الوطنيّة في البلاد “My Pearl Region” عام 2019، وقد تُرجمت بعض قصصه للعديد من اللغات أبرزها الانكليزيّة والاسبانيّة والهنديّة والفرنسيّة ونشرت ضمن أنطولوجيّات للقصّة القصيرة. كما تَرجم للعديد من الكتاب العالميين إلى الأوزبكيّة.

شيرزود أرتيكوف

صدر لـ شيرزود أرتيكوف مجموعة قصصيّة واحدة بعنوان «سمفونيّة الخريف» التي صدرت في أوزبكستان عام 2020، ومن ثمّ صدرت باللغتين الاسبانيّة والانكليزيّة في كوبا. نترجم من هذة المجموعة قصة «اللابتوب الأسود» عن النسخة الانجليزية.

اللابتوب الأسود

لم يمضِ بعدُ سوى يومين على حديثي مع طبيبي المعالج في المستشفى الذي نقل لي بأسى وحزنٍ خبر إصابتي بمرض سرطان المعدة، وما من أمل بالشفاء، ووفقاً لما قاله فإنّني أملك وقتاً قصير للعيش… شهران فقط! بإمكاني العيش شهراً آخر… ولكن بقدرة الله.

لم يكن في الحسبان الاستسلام في وقت مبكر جداً، فهذا أمرٌ مستحيل! لكلّ إنسانٍ مصيره المحتوم. مع بلوغي السادسة والعشرين كان مقدّراً لي أن أترك هذا العالم المشرق… بالطبع سيحدث هذا! ما الذي يمكنني فعله؟!

ليلة البارحة خرجت من المستشفى. لمَ أقوم بدفع التكاليف والفواتير وأنا غير راغبٍ في التعافي؟ بغضّ النظر عن المكان الذي سأنتظر به موعد رحيلي، سواء في المنزل أو في المستشفى… لا شكّ أنّ الموت في المنزل أقلّ تكلفة! رغم اضطراري إلى تحمّل نظرات الشفقة داخل المنزل في كل لحظة، لكنّ هذا ومع ذلك يمنحني شعوراً بالراحة. بعد كلّ شيء، من منّا لا يتخفف من وطأته عندما يرى أنّ موته له تأثير على الآخرين؟ يفترض الجميع أنّني شخصٌ مثاليٌ وجيدٌ عندما شعروا بمثل هذا الموقف الدافئ تجاهي. ثمّة أفكارٌ كثيرةٌ راودتني حتى أنني فكّرت بالأشرار والسيئين!

بالأمس قضى والداي وقتهما جالسين بجواري من الفجر حتّى الغسق، وكانا غارقين بالحزن ولم يذهبا إلى أيّ مكان. صباح اليوم ذهبا إلى العمل أخيراً – تحت إصراري – بعد إخبارهما بشعوري بتحسّنٍ طفيف… لقد كذبتُ وأدركت والدتي الأمر، لذلك أصرّت على البقاء في المنزل وأخذ إجازة من وظيفتها، إلاّ أنّني رفضت. ذهبت إلى العمل باكيةً، ولكنها ستعود في فترة ما بعد الظهر بسبب انفطار قلبها علي.

البقاء في المنزل ليس بالأمر السيئ، فها أنا بجوار النافذة – في غرفتي – مستلقٍ على سريرٍ حديديّ يصدر صريراً. أنظر إلى المناظر الطبيعية القاتمة وظلمةُ الخريف بالخارج وقد قمت بحساب عدد المرات التي سقطت فيها قطرات المطر خلال النهار على نافذتي. ثمّة أدويةٌ زهيدة الثمن عند طرف النافذة، وإبريق من الشاي الأخضر يبرد على الفور، بالإضافة إلى لابتوب أسود. مرّاتٍ عديدةٍ طلبتُ من والدتي إلقاء الدواء في سلة المهملات في الفناء إلاّ أنّها رفضت! كنتُ أتناول الدواء عندما يتفاقم الألم، وكانت أمي قد أحضرت أدويةً جديدةً ملأت الرفوف.

طلبت منها عمداً أن تترك اللابتوب على الرف، إذ بقي هناك منذ فترة لا بأس بها. أخشى أن يقوم شخص ما بفتحه وتصفحه من الداخل والضغط على الزر عشوائيّ قد يتسبّب بالخروج من البرنامج. هذا الأمر كثيراً ما أقلقني، لذلك بقي نظري عليه منذ ذلك الوقت، وفوقه منشفة رمادية اللون لإخفائه.

  • دعني أضعه في الخزانة. تقول والدتي في كل مرة تدخل غرفتي.
  • اتركيه مكانه. أردّ محتجّاً.

كذلك الأمر بالنسبة لأبي الذي يحاول وضعه جانباً.

منذ عودتي من المستشفى لم يبرح هذا اللابتوب مكانه! لا يحملُ علامةً تجاريّةُ جديدة، بل وإنّ علامته عفا عليها الزمن روحياً تقريبًا، والبرنامج الموجود بداخلها عديم الفائدة مقارنةً بنماذج اليوم، ولكنّني لا أريد مفارقته. هل أستطيع أن أقول لكم ما السبب؟ بداخله تأوي ستةً وعشرين سنةً من عمري. هذا صحيح، ستة وعشرون عاماً من عمري، الكتب والمخطوطات والرسائل والصور التي جمعتها خلال هذا العمر موجودةٌ بداخله.

أحيانًا أستلقي وأنظر إلى الخزانة ورف الكتب في الغرفة. الخزانة فارغة، وإذا نظر أحد ما بداخلها بعد موتي فلن يتمكن من العثور على أي صورٍ أو رسائل مكتوبة، فمثل هذه الأشياء غير موجودة. ثمّة صورٌ تمّ التقاطها مع العائلة أو الأصدقاء، وصور لإنجازاتي، وجميع صوري هذه موجودة في هذا اللابتوب. وبالمثل، ليس هناك رسالةٌ مكتوبةٌ على ورقٍ وموضوعةٌ داخل مظروفٍ مختومٍ ومُرسلة إليّ من قبل أيّ شخص، فكلّ شيءٍ مكتوبٌ إلكترونيًا داخل اللابتوب.

لا يوجد سوى عشرة كتبٍ على الرف، ويمكنني أن أخبركم عناوينها وعينيّ مغمضتين، وليس هناك أيّ كتابٍ آخر. الخزانة فارغةٌ بالكامل، وعندما أفارق الحياة، فمن المحتمل أن تتحوّل إلى خزانةٍ يمكن أن تُجمع بداخلها الأواني والمقالي. إن لم يكن هناك كتاباً لوضعه فيها، فماذا سيحدث إذا تحولت إلى خزانة جانبية؟ كل الكتب التي أحتاجها، والتي سحرتني وأثارت إعجابي، والتي وسّعت آفاقي ورؤيتي للعالم وجعلتني أبكي عندما كنت بحاجةٍ إلى ذلك، فهي ليست موجودة بشكلٍ مادّي، بل هي داخل اللابتوب.

كما أنّ الجزء العلوي من مكتبي أمام الخزانة فارغٌ أيضًا. عندما أفكر في الأمر، لا توجد مخطوطات أو مدوّنات يومية. الآن أحدق هناك: لا يوجد دفتر ملاحظات مرئي، والمخطوطات، والنسخة الأصلية من رسائلي، ودراساتي ومقالاتي، وحتى اليوميات التي كتبتها عن حياتي، موجودة في هذا اللابتوب.

لذلك كانت حياتي كلها في هذا اللابتوب، حياتي كلها! الآن يمكن لشخصٍ ما أن يفهم لماذا أضع اللابتوب بجانبي. في الواقع إنه أسود اللون، جهازٌ به أزرارٌ مختلفة يغطي حياتي، بحال رميته من النافذة أو قام شخص ما بتعطيل البرنامج فسوف أضيّع حياتي كلها ولن يتبقى أيّ أثرٍ لي.

حاولت النهوض، وكان الوقوف أسهل قليلاً هذه المرة، فبالأمس لم أتمكن حتى من الذهاب إلى المرحاض. عندما نهضت من السرير لاحظت رفّ الكتب والطاولة، ثم خرجت من الغرفة، ولسببٍ ما صعدت نحو غرفة والدي في نهاية الرواق.

غرفته وغرفتي بنفس الحجم. وبالإضافة إلى قوائم الجرد، تحتوي هذه الغرفة على خزانةٍ ورفّ كتبٍ ومكتب من خشب الجوز تماماً كغرفتي، بيد أنّ الاختلاف الوحيد هو أن رفّ الكتب هنا مليءٌ بالكتب، والمكتب مليء بالدفاتر والمخطوطات.

عندما اقتربت من الرف، من خلف بابه الزجاجي، تقتُ إلى إمساك أحد الكتب. أمّا الكتاب الذي أخذته فكان “آنا كارنينا” لتولستوي، والحقيقة أنّني أملك نسخةً إلكترونية من هذا الكتاب في مكتبتي على اللابتوب. عندما فتحت الكتاب فوجئت برائحته اللطيفة، فوالدي يقول إنّ رائحة الكتب ممتعة، وعندما شممت هذه الرائحة اقتنعت تماماً بكلامه هذا. أعتقد أن كلّ الكتب الموجودة على الرف تفوح منها هذه الرائحة. لكن ماذا عن المكتبة الإلكترونية على اللابتوب؟ عندما فكرت في الأمر آلمني بطني قليلاً.

سرعان ما أرهقني الوقوف أمام رف الكتب، ولأنّها مسألة حياةٍ أو موتٍ فسرعان ما باتت عظامي هشّة وتعبتُ وشعرتُ بضيقٍ في التنفس. وبعد جلوسي على الكرسي المقابل للمكتب التقطت أنفاسي واستعدت وعيي.

جذبتني دفاتر ملاحظات والدي على مكتبه ومخطوطاته من الورق الأبيض A4 المكدسة داخل مجلد. قَلّبت المخطوطات أولاً. كانت هذه هي الكتابات اليدوية لأطروحة الدكتوراه التي احتفظ بها والدي قبل بضع سنوات ومسوداتها، وكان من بينها أوراق تحتوي على دراسته عن المسرح والنسخ الأولى من مقالاته، بالإضافة إلى دفترٍ سميك – دفتر مذكراته – بجانب المخطوطات. غطت اليوميات الفترة من ألف وتسعمائة وتسعين إلى يومنا هذا، والتي كان والدي يكتب فيها باستمرارٍ ملاحظات وذكريات وأفكار شخصيّة مختلفة.

عندما قمت بفتح درج المكتب لفتت انتباهي مجموعة من الظروف وألبوم غلافٍ لامع. احتوت الظروف على رسائل أُرسلت إلى والدي في سنوات مختلفة من أصدقائه وزملائه وأقاربه، بعضها مكتوبٌ بقلم حبرٍ سائلٍ والبعض الآخر بقلم حبرٍ جاف. واحتوى الألبوم على صور والدي من الطفولة والمراهقة وسنوات الدراسة والشباب إلى صور عائلتنا. تمّ لصق معظمها على الألبوم وجرى تحويل الجزء غير اللاصق إلى ركيزةٍ وعلّق عليها، كما وكُتب على ظهر الصور غير الملصقة أماكن وتواريخ الصور.

كنت في مزاج سيئٍ داخل غرفة والدي، وعندما دخلت غرفتي آلمتني معدتي بشدّة، وبعد أخذي المسكن جلست واستلقيت بوجهٍ متجهّم. عندما استلقيت في السرير كانت غرفة والدي وكتبه ومخطوطاته ورسائله وصوره تدور أمام عينيّ. فكرت بها جميعها، فالحياة التي وضعت في اللابتوب جعلت مزاجي أسوأ وانغمست في اكتئابٍ عميق ضد إرادتي.

حلمت أنّني مستلقٍ على سريري في غرفتي ورفّ الكتب فارغٌ كما هو، واللابتوب الأسود على عتبة النافذة. على حين غرّةٍ ارتفع اللابتوب الأسود الموجود على الرف في الهواء وطار إلى الحائط أمامي وفجأة أصبح أكبر وأكبر، حتّى بات ضخماً لدرجة أنّه احتلّ الجدار أمامي تماماً ثم أضاءت شاشته. في البداية ظهر مشهدٌ مألوفٌ على الشاشة الكبيرة، وفجأةً ظهرت جمجمة رجلٍ وخاطبتني بصوتٍ قبيحٍ صارخ: “مرحباً يا نودير”، ثم ضحكت واستمرت بالضحك بضع دقائق، وأمسيتُ هادئاً بعض الشيء عندما اختفت من الشاشة. من ثمّ ظهرت يدٌ غير مألوفةٍ، كعظمة اليد النحيلة لرجلٍ، على الشاشة وبدأت تمحو المجلدات الموجودة على حافة الشاشة بقوّة، وأحسست بالانزعاج الشديد وبدأ الفضول ينتابني. قامت هذه اليد بوضع كتبي ومخطوطاتي وخطاباتي ومذكراتي وصوري في تلك المجلدات، وقامت يدٌ مجهولةٌ أخرى بفتح المجلد الأول… إنّها مكتبتي الإلكترونية التي احتفظ فيها بجميع الكتب التي قد أحتاجها! كان الضجيج يعلو شيئاً فشيئاً وبدأت يدي ترتجف من التوتر. وفي أثناء البحث في الملف بدأت اليد المجهولة في محو الكتب واحداً تلو الآخر: “آنا كارنينا”، “مارتن إيدن”، “الأب هوريو”، “أوجيني أونجين”… عند رؤيتي لها وهي تقوم بذلك شعرت بالارتباك على الفور ولم أستطع قول أيّ شيء! حاولت أن أتحدث وأقول شيئاً لكنّ صوتي لم يخرج!

بعد الكتب، حذفت يدٌ مجهولة الملف الذي يحتوي على خط يدي في غضون دقائق، وبالتالي حذفت مقالاتي وكتاباتي عن فن السينما التي كتبتها بصعوبةٍ بالغةٍ، دون أن أغفو في الليل، وضغطت على الزر القابل للمسح بإصبعها. سرعان ما أصبح مجلّد مخطوطاتي ملفاً عديم الفائدة.

تلك اليد المجهولة لم تعرف قط معنى التعب. امتدّت إلى بريدي الإلكتروني، وقبل أن تفتحه (أي الملف حيث قمت بتخزين رسائلي على مر السنين في بريدي الإلكتروني) قامت بمحوه دفعةً واحدةً بالكامل. لقد كانت رسائل ثمينةً وقيّمة بعثها المقربون لي وأصدقائي وأقاربي على مر السنين وفقدت وجودها في غضون دقائق.

في تلك اللحظة كنت مستعداً للنهوض وضرب اليد المجهولة على الشاشة بيدي، إلاّ أنّني ورغم غضبي الشديد لم أستطع التحرك كما لو أن أحداً قام بتقييد يدي وقدمي. ما زال صوتي مكتوماً، ومهما صرخت طلباً للمساعدة فلن يدخل أحد إلى غرفتي… شعرت بالخجل عندما فتحت اليد المجهولة الجزء الداخلي من ملفٍ كتبت عليه “مذكرات”، فقد كانت عزيزةً بالنسبة لي، فقامت بفحص المجلد إلاّ أنّها لم تقم بتخريبه كما فعلت بغيره، بل على العكس تماماً حذفت واحدةً من هنا وواحدةً من هناك كأنّها تقوم بعملٍ مسلٍ: مسحت أولاً القسم الخاص بسنوات دراستي، ومن بعده الجزء المتعلّق بطفولتي، وبالطريقة نفسها حُذِفت بقية المذكرات من ذاكرة اللابتوب بشكلٍ عشوائي كما لو كانت تعزف على مفاتيح البيانو.

بحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى الملف الذي جمعت فيه صوري، لم أعد أشعر بشيءٍ بالفعل وبتُّ غير قادرٍ على استيعاب العملية الوحشية التي تحدث. نوعاً ما لم أعد أكترث، فقط كنت أحدق في شاشة اللابتوب العملاق المغطى بالضباب الأبيض.

بدأت صوري أيضاً تُمحى واحدة تلو الأخرى من ذاكرة اللابتوب. كانت صورة طفولتي التي تصوّرني وأنا متعرّضٌ لحروقٍ بسبب رغيف خبزٍ ساخن من “التندر” أولّ صورةٍ تمّ محوها، من ثم صورتي في المدرسة مع كرة قدم والغبار يغطي جسدي كله. عبر هذا التسلسل تمّ طمس كل الصور من الأيام الذهبية لدراستي وشبابي، وكذلك صوري في أعياد الميلاد وأعياد رأس السنة الجديدة التي يتم الاحتفال بها في أوساط عائلتنا… كلّ ذلك عن طريق اليد المجهولة.

في كلّ مرةٍ يٌحذَف فيها شيءٌ ما، كانت جمجمة الرجل تظهر على شاشة اللابتوب، وفي بعض الأحيان تعوي كالذئب وتضايقني عمداً وهي تشير إلى الملفات التي تُمحى قائلةً: “كيف يتم ذلك؟ هل هذا جيد؟”

عندما أصبحت الملفات الموجودة على الشاشة فارغة تماماً ظهرت صورتي. في الحقيقة لم أكن أعرف من أين أتت هذه الصورة، إذ لم يسبق لي رؤية هكذا صورة في الملفات. كانت الصورة ملتقطةً حديثاً عندما كنت في حالة من اليأس في المستشفى وأخبرني الطبيب أنني قد أموت قريباً. هل قام أحد بالتقاط صورةٍ لي من المأوى حينها؟

بعد ذلك بقليل تمّت كتابة سنة ميلادي والموت المحتمل في أسفل الصورة: 1993-2019. لم أكن مختلفاً عن الرجل الميت! عندما لم أستطع تقبّل هذه المأساة عادت الجمجمة للظهور على شاشة اللابتوب وقالت لي بصوت عالٍ: “أنت الممثل الأول لجيل القرن الحادي والعشرين الذي لن تترك أي أثر لنفسك” وكرّرت العبارة عدة مرات دون أن أدرك ما تعنيه هذه الجملة تردد صدى ضحكها المحرج من اللابتوب في جميع أنحاء الغرفة، وبَدَأت تضحك أكثر فأكثر…

عندما استيقظت كانت والدتي جالسةً بجواري، فحدقت فيها وأنا أتعرق بغزارةٍ وأتنفس بصعوبة، فأبقت عينيها عليّ بنظرةٍ قلقةٍ وكأنّها لا تعرف ماذا تفعل مع استيائها.

  • ما الذي حدث لك؟ قالت بعد برهةٍ وجيزةٍ من إعطائي كوباً من الشاي المثلج.
  • عندما قلتُ إنني سأبقى في الصباح أرسلتني إلى العمل. كنتُ أعلم أنّ هذا سيحدث.
  • اللابتوب! اللابتوب الأسود! قلت وأنا أنظر من حولي دون أن أنتبه لها.

فنهضت أمّي وأخذت اللابتوب من الرف بيدٍ واحدة.

  • هل لي أن آخذه إلى مكان آخر؟”

انتزعت اللابتوب بسرعة من يدها وقمت بتشغيل الشاشة، ثمّ وبعيون مفتوحة على مصراعيها، واضعاً يدي على قلبي، قمت بفحص الملفات فيه. كانت المجلدات كما هي، والأشياء الموجودة فيها على حالها. شعرت بتحسنٍ بعد رؤية لذلك وقمت بإطفاء اللابتوب بعناية وأعدته إلى مكانه على الرف وقلت لوالدتي وأنا أنظر إليها:

  • اتركيه هنا.

عندما شعرت أن حالتي تحسنت خطت خطوة ثقيلةً، وغادرت الغرفة قائلةً إنها ستطبخ “ماستافا” على الغداء. وعندما غادرت تمددت على سريري واستلقيت، فحدقت في الجدار الأبيض أمامي وفكرت في حلمي والجمجمة الذي جعلني متوتراً، وتلك اليد المجهولة التي محت “حياتي” في الملفات الموجودة على شاشة اللابتوب.

بغض النظر عن مدى رغبتي في تشويه هذا الحلم غير المنطقي من ذاكرتي، وكذلك بذل قصارى جهدي حتى لا أتذكره بعد الآن، إلّا أنّه لا يُنسى، لا سيّما الجمجمة والكلمات التي قيلت بضحكات لا زال صداها يتردد في أذني: ” أنت الممثل الأول لجيل القرن الحادي والعشرين الذي لن تترك أي أثر لنفسك”.

عندما تذكرت كلماتها نظرت إلى المكان الذي كان يحتلّه اللابتوب وأنا مستلقٍ على السرير، وفجأةً بدأت بالضحك.

 

هوامش:

التندر: مكان حار مثل الفرن حيث تخبز النساء الخبز عن طريق إشعال النار فيه.

ماستافا: وجبة تقليدية أوزبكية مصنوعة من الأرز والماء وأشياء أخرى.

خاص مجلة قنآص

إيفا شاهين: كاتبة ومترجمة سورية من مواليد ١٩٩٥. عملت في الترجمة الصحافية بعدة منصات الكترونية. يصدر لها قريباً في الترجمة كتاب “تقنيات الكتابة الروائية” لأبراهام شاول بوراك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى