الموسيقار العراقي نصير شمة: تاريخ من الابداع والتفرد | حسن بن محمد

أضاف الوتر الثامن للعود وابتكر العزف بيد واحدة

ينظر اليوم إلى نصير شمة على أنه أهم عازف على العود وأبرز المؤلفين الموسيقيين المعاصرين في الوطن العربي حيث صاغ لنفسه رؤية موسيقية ذات أسلوب عزف متطور ومتفرد. تتميز موسيقاه بالعذوبة والشجن، وعزفه على العود بطريقة جمعت بين الأساليب التقليدية والتراكيب الحديثة الخاصة به.  

نصير شمة موسيقي عازف عود شهير ولد في سنة 1963 في مدينة الكوت مركز محافظة واسط العراقية وتلقى أول دروس العزف على العود في مدينة بغداد عندما كان عمره إحدى عشر سنة، ثم أنهى دراسته الجامعية في معهد الدراسات الموسيقية في بغداد في سنة 1987، ثم عمل في التدريس بالمعهد العالي للموسيقى في تونس.

أقام نصير شمة أولى حفلاته على مسارح العراق في سنة 1985 كما قدم في نفس السنة أولى حفلاته خارج العراق تحديداً في العاصمة الفرنسية باريس على مسرح الأرمانيه. قدم حفلات موسيقية ناجحة في أكبر المسارح العالمية خاصة في ألمانيا سنة 1986 وفي جنيف سنة 1986 ثم في العاصمة اليونانية أثينا، وتعددت بعد ذلك حفلاته داخل وخارج الوطن العربي.

تمكن نصير شمة من إضافة الوتر الثامن للعود، كما اخترع العديد من طرق العزف الجديدة، مثل العزف بيد واحدة، وألَّف بهذه الطريقة مقطوعته الموسيقية الرائعة «قصة حب شرقية».  ابتكر هذا الأسلوب في العزف حتى يواصل أحد أصدقائه الذي فقد ذراعه أثناء الحرب في العراق عزفه على العود. وقد أضاف طريقة أخرى وهي العزف بإصبعين على زند العود، وأهداها إلى صهره حتى يتمكن من العزف على آلة العود بعد أن فقد أصابعه الثلاثة ولم يبق له سوى الإبهام والسبابة.

مقطوعة : في حالة من الشغف، نصير شمّة يشاركه العزف أويون

قدم نصير شمة العديد من الأعمال الفنية الرائعة وألف أعمال موسيقية للمسرح والموسيقى التصويرية للأفلام والموسيقى المرافقة لعروض الفنون التشكيلية. أحدثت قطعته الموسيقية «حدث في العامرية» ضجة واسعة في الأوساط العربية والعالمية بعدما نجح في نقل صورة من معاناة العراقيين تحت العقوبات والحرب في سنة 1991 حيث قضى مئات المدنيين في ملجأ العامرية بفعل قصف أميركي مدمر. وتم تحويلها إلى أعمال مسرحية وباليه وأفلام وثائقية وروائية، وكذلك إلى لوحات تشكيلية من قبل عديد الفنانين. ومن أبرز مقطوعاته أيضاً «حلم مريم» والتي عبرت عن معاناة أطفال العراق. من أهم أعماله تحويل خمسة قصائد من شعر محمود درويش إلى قطع موسيقية رائعة متماهياً ومستلهماً من الحضارات القديمة ومن هموم الوطن.

خلال مشواره الموسيقي الممتد لأكثر من ثلاثين سنة تعاون نصير شمة مع عديد الموسيقيين العالمين ومنهم الفنان الباكستاني أشرف خان، وأسطورة الجاز الأمريكي وينتون مارساليس، وعازف الغيتار الإسباني كارلوس بينيانا.

أنشأ نصير شمة بيت العود العربي في مصر سنة 1998 والذي يعتبر أول مركز متخصص وشامل لكل آلات الموسيقية، مثل العود والناي والقانون والبزق.  كما أسس في سنة 2008 أوركسترا الشرق التي ضمت سبعين عازفاَ وعازفة من عدة دول في العالم، تميزت باستعمالها الآلات الشرقية الأصيلة فقط وهي العود والقانون.

يعد الموسيقار العراقي نصير شمه واحداً من أبرز الموسيقيين العرب والعالم الذين برزوا في السنوات الأخيرة. وقد نال الموسيقار المبدع عداداً كبيراً من الجوائز التقديرية لأعماله القيمة ومساهماته الفنية المميزة، وفي سنة 2017 منحته اليونسكو منصب فنان اليونسكو للسلام وهو منصب شرفي يمنح عادة لعامين فقط ولكن المنظمة خالفت معاييرها وأعادت في سنة 2020 منحه المنصب الفخري لعامين آخرين تقديراً لالتزامه بدعم التربية الموسيقية للشباب في العراق وفي عدة دول عربية، مع جهوده التي لا تتوقف من أجل نشر السلام من خلال عروضه الموسيقية ونشره قيم المنظمة و أهدافها العالمية. في سنة 2021 حصل على جائزة شخصية العام الأكثر تأثيراً في العالم والمقدمة من قبل المنظمة الهولندية الدولية لحرية وحماية حقوق الإنسان والسلام العالمي.

خاص مجلة قنآص

حسن بن محمد؛ كاتب تونسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى