عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

خطوة على طريق النشر | محمود الرحبي

تواصل مجلة «قناص» في زاوية «خطوة على طريق النشر» نشر شهادات الكُتّاب عن حيثيات الدخول إلى عالم النشر. هنا شهادة الزميل محمود الرحبي، وهو كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات:

 

يحدث أن تكون مسافات زمنية واسعة بين الكتابة والنشر في كتاب. أتذكر أني نشرت قصصاً حين كنت في المرحلة الثانوية بمدرسة روي بالملحق الثقافي لجريدة عمان. وأتذكر أيضا ذات مرة أنني أنا وزملائي في الصف، وفي ظل الشغب المدرسي، قفزنا من السور لكي نستطيع أن نأكل الكيما، وهي وجبة هندية من اللحم المفروم يُقدّمها مطعم مجاور للمدرسة، ثم نعود إلى الفصل، على غفلة من العالم، وكنا نفعل ذلك في وقت الفسحة القصيرة، مستعيضين عن المقصف المدرسي الذي يتكرر فيه نوع الأكل، وكان كالعادة سندويش فلافل وسنتوب. لكن في كرّة من الكرات، ما إن قفزنا من السور أنا وزميلي إلا وفوجئنا بسيارة الشرطة تنتظرنا في الخارج. رأيت زميلي يركض فركضت، ثم اندسسنا في بناية من ثلاثة طوابق، صعدت السطح واختبأت، ولكن يد الشرطي وجدتني بسهولة.

محمود الرحبي: كان التجريب هو الخط الأكثر حضوراً يتبدى حتى على مستوى اختيار عناوين القصص من قبيل قصة “عضلات فم النائم”.
الصورة: غلاف “اللون البني” (دار المدى)

 

كان المشهد رهيبا، أن أركب سيارة شرطة وكأني اقترفت جنحة! قال لنا الضابط في المركز لماذا هربتم؟ لن يحدث لكم شيء لو مكثتم مكانكم، كنا سنعيدكم إلى المدرسة، لكنه ربما لا يعلم أن في هذه العودة كانت ستنتظرنا عصا المدير، الذي بعد أن يشبعنا ضربا سيطلب منا إحضار أولياء أمورنا وهي عقوبة مركبة. أنقذتني ورقة جريدة كانت في جيبي، وعليها اسمي تحت قصة بعنوان “انبلاج الحلم عند الغسق” كتبتها بوحي من رحيل أخي الأكبر في حادث سير. لن أنسي استغراب الضابط من وجود اسمي في الجريدة. وبعد عدة أسئلة حول طبيعة قصتي طلب الضابط من الشرطي أن يطلق سراحي لأذهب ماشياً إلى البيت في وادي عدي، ولا أعرف ماذا حدث لزميلي، الذي قررت أن أقطع علاقتي به نهائيا، مكتفيا بعد ذلك بالأكل في مقصف المدرسة.

وهكذا ظللت أكتب وأرسل القصص إلى جريدة عمان، فتجمع عدد لا بأس منها، وكان التجريب هو الخط الأكثر حضوراً يتبدى حتى على مستوى اختيار عناوين القصص من قبيل قصة “عضلات فم النائم”. صديق الطفولة يحيى سلام المنذري، كان يروق له أن يضيف اسم سعيد قبل كلمة عضلات فيصير عنوان القصة بعد ذلك “سعيد عضلات فم النائم” وذلك نسبة إلى صبي جار لنا يُكنَّى بسعيد عضلات.

حين سافرت للدراسة إلى المغرب تشعبت طرق النشر، وكان منبر جريدة القدس العربي الذي كان في تلك الأيام قد برز حديثا يديره الشاعر الراحل أمجد ناصر. كان معظم الكتّاب فيه مغاربة، فصرت أنشر فيه قصصي أحيانا كل أسبوع، كما نشرت فيه سلسلة مقالات. كان أمجد يذيل ما أكتب بعبارة “كاتب عُماني يقيم بالمغرب”.

بعد تخرجي وعودتي من المغرب صار من المهم أن أجمع جزءا من هذه القصص في كتاب أطلقت عليه “اللون البني” وكان من الصعب أن تجد وقتها دار نشر تطبع لك. ونتيجة لوجود الشاعر سعدي يوسف في مسقط سألني عن مشاريعي، حيث كان يتابعني من خلال جريدة القدس العربي، فقلت: لدي حزمة قصص ولا أجد مكانا أطبعها فيه. قال: أنا ذاهب إلى دمشق وسأخبر مسؤول دار المدى التي لم يمض على نشأتها سوى عام أو عامين. أُرسلتْ النسخ في صندوق كرتوني إلى عنوان بريدنا في مطرح وجاء أبي مرة يحمل ذلك الصندوق، حين فتحته تفاجأت فرحاً بالإصدار الأول.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى