عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

«دلشاد» الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية.. والسَرد المسرحي لتاريخ عُمان | سماح ممدوح حسن

كأنَّها خشبة مسرح، تدخل شخصيات الرواية إليها تباعاً لتقص على القارئ، المتفرج، حكايتها. مَن هو ومن أين جاء وإلى أي مدى يشعر بالجوع وكيف؟ تلك هي التقنية التي استعانت بها الروائية العُمانيّة بشرى خلفان، في سرد روايتها “دلشاد، سيرة الجوع والشبع”، الصادرة عن دار طباق ومنشورات تكوين، والفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية لهذا العام عن فئة الرواية العربية المنشورة.

بما أن الرواية التاريخية هي كنز الكتّاب العُمانيين، فما وجدت “دلشاد”، أبلغ من السرد المسرحي لتحكي به عن تاريخ عُمان، مسقط تحديداً، منذ بداية القرن العشرين وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية. تعنوَن فصول الرواية باسم كل شخصية فيها؛ وهذا ما عدّد الأصوات في الرواية ونفى فكرة البطل الأوحد، وأيضاً لتمسك كل شخصية بطرف خيط في الحكاية لن تكتمل إلا بدورها وسماعها من وجهة نظرها، خاصة عندما يحكي الجميع عن نفس الشخصية أو الحدث.

تظهر الشخصية وتعرّف القارئ باسمها ومن أين جاءت، وتحكي انطباعاتها ووجهة نظرها في إحدى الشخصيات الأخرى، أو في إحدى مناحي الحياة ولا سيما الجوع، والذي، ورغم طغيان الجوع إلى الطعام، إلا أن الجوع في الرواية ينسحب إلى ما هو أبعد، جوع للعاطفة والأسرة والحب والأمان.

ربما سميّت الرواية “دلشاد، فرحان” على اسم بطل الرواية إلا أنها تتسم ببطولة متعددة. وربما السبب وراء ذلك هو الطريقة المسرحية لسرد الرواية وحكي كل شخصية عن نفسها، فيشعر القارئ أن لكلٍّ منهم حكاية تجعل منه بطلاً. لكن “دلشاد” وحكايته مع القسوة والجوع والتشرد هي حكاية الكثيرين ممن عاشوا فترة من أقسى الفترات في التاريخ العُماني، وكأنما تكّلم بلسان جميع من كانوا يفقدون وعيهم من شدة الجوع.

لكنه ضحك كالبكاء!

يقال أنه عندما يتعرض الإنسان لصدمة أو محنة معينة يختلف كل شخص في ردة فعله، أو في الآلية التي يتعامل بها العقل مع ما حدث. وهو ما دلت عليه الرواية بالرمزية الأشهر والأغرب فيها، وهي ضحك دلشاد الذي أورثه لمريم الابنة.

وربما هي الرمزية الثانية بعد اسم البطل “دلشاد” والذي يعني فرحان رغم كل معاناته وحياته البائسة الشاقة. الضحك الذي يتحصن به عند كل الفواجع والآلام. وكأنما استعاض عن البكاء بالضحك. عكس البشر العاديين ممن يبكون عند الفواجع. وكأنما يقول دلشاد إن ما يلّم بهم مهما كانت وطأته أهون، فيبكون. لكن ما يصيبه من مِحن لا يقوى البكاء على التعبير عنه، فيضحك. وهذا ما علّمه لنور جيهان الزوجة والحبيبة التي ماتت بعد عام واحد من زواجهما وهي تلد الابنة مريم، والتي ورثت أيضاً تلك الضحكة المخيفة في أشد حالاتها رعباً وحزناً وقسوة. كانوا يضحكون في الموت والفراق والجوع والتشرد، حتى عندما داهمتها آلام الولادة لم تصرخ كما النساء، بل ضحكت.

الرواية في خدمة التاريخ

الجميع يعرف تاريخه. تعلّمناه في المدارس وقرأناه مكتوباً بكل الأشكال الأكاديمية، لكن عندما تكتب الرواية التاريخ فهي تخدمه على عدة أصعدة، أولها التعريف بما جهُل منه؛ فهناك الكثير من حقب التاريخ لم تجد الرواج، ولم يُلق عليها الضوء بما يكفي. ثانياً، الرواية التاريخية هي المرونة السردية عكس التحديد، أو حتى الجمود الأكاديمي. وربما يكون هذا من أهم أسباب النهم للرواية التاريخية التي تقول ما لم تقله الموسوعات.

إن كان جزء من التاريخ يحكي عن الجغرافيا، يحدد لنا البقعة التي وقع فيها الحدث، فإن الرواية ترينا الجغرافيا والحدث والإنسان فيها. ولَجْنا حارات مسقط وأزقتها والأسواق، وكيف عاش الناس هناك. ألقينا نظرة على خارطة عُمان وكيف اختلط فيها سكان من جنسيات وأعراق عدة، عرب، هنود بولشستان، وزنجبارين. وبعد الاحتلال أمتلأت بالإنجليز والفرنسيين والألمان. فمهمة الرواية التعمق في نفوس البشر وعلاقتهم بالمكان والحدث وليس التوثيق، وربما هذا هو وصف الرواية التاريخية الناجحة. وهذا ما ميّز دلشاد، فالقارئ شعر بقرصة الجوع الذي كان في حد ذاته بطل الحكاية الأبرز، الجوع الذي ساد فترة تاريخية وهيمن على المكان. تمزق قلب القارئ بالموت المتوالي للبشر من الأوبئة والجوع وفراق الأحبة.

الإمعان في المحلية

بما أن الرواية تحكي عن تاريخ مسقط، فلابد وأن تُدمج القارئ في الحياة المحلية العمانية. الأغنيات القديمة التراثية، الملابس في الحياة العادية والاحتفالات، الطعام وكيف يصنع، العادات والتقاليد المحلية القديمة كمنع تعليم الفتيات القراءة والكتابة، الاستعباد والخدمة. وهي الأجزاء التي سُرد معظمها باللهجة العمانية المحلية.  

دائرة الحياة بالرواية والواقع

في الرواية تبدو حيوات الشخوص في تغيّر دائماً. فشخصيات مثل دلشاد، ومريم وعبداللطيف وفردوس وفريدة، جميعهم كانوا في حال وصاروا إلى حال. فدلشاد من حي الخيام والجوع، إلى الهند والعمل والغنى والترحال والرجوع إلى مسقط.

كذلك مريم التي وضعها أبوها في بيت “عبداللطيف لوما” ليحميها من وحش الجوع بعدما عمي بصره بالرمد، وذهبت إليهم خادمة، حتى أضحت سيدة المنزل بعد زواجها من عبداللطيف وإنجابها لفريدة. وفردوس أخت الزوج المتجبرة التي هادنت قليلاً لتعود أشد جبروتاً.

عبداللطيف التاجر الثري كثير الأسفار مات وخسر تجارته بعد وصول الحرب وقصف الألمان لمسقط. هروب مريم وفريدة حتى لا تأخذ العمة فردوس الفتاة وتطرد أمها. رحيلهما إلى بلدة أخرى وبدء دورة حياتية جديدة.

كلها دوائر تقول إن هذا ما حدث في تلك البقعة، بشر بخيرهم وشرهم، وحرب وسلام، فقر مدقع وثراء، جوع وما يشبه الشبع، تيه وإيواء. لكن أيضاً تلك هي الفكرة نفسها التي تقول دائماً إن دائرة الحياة لا تتوقف وربما يعود البشر للنقطة الأولى. وهذا ما أكدت عليه نهاية الرواية المفتوحة التي استمرت في توليد حكايات من حكايات تعود لنقطة الحياة الأولى حتى لو كان ذلك مجرد افتراضات في ذهن القارئ.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى