سينما مسرح الدراماعين قناص

 الفيلم الاسرائيلي «رابين: اليوم الأخير» ويوتوبيا التعايش | شيرين ماهر

يناقش مخرج الفيلم عاموس جيتاي كيف تم وأد الأصوات المعتدلة وأي فرصة للتعايش السلمي

 الفيلم الاسرائيلي «رابين : اليوم الأخير»

(رغم فوز حزب الليكود، مجدداً، وبقاءه على رأس الدولة، إلا أنني لم أتوقف عن إكمال هذا العمل، الذى يرسم صورة تبدو الآن أكثر مثالية.. «يوتوبيا» ربما لم نكن نراها نحن الإسرائيليون بهذا الوضوح وقت وجود «رابين»، لكنني تعلمت في السنوات الماضية أن هذا الصوت المعتدل لابد أن يظل متواجداً وسط كل دعاوي العنف والكراهية.. ربما يبدو ما أقوله حالماً أكثر مما ينبغي، لكني أؤمن به وأنوي الاستمرار في التعبير عنه بـ «لغة سينمائية» عادةً ما تكون الأجدر على إيصال صوت الشعوب وليس صوت الساسة)..

مخرج الفيلم عاموس جيتاي

كلمات المخرج الاسرائيلي الشهير «عاموس جيتاي»، المعروف بأفكاره المعتدلة وأعماله السينمائية الداعية للتعايش السلمي بين العرب واليهود، والتي رددها عقب عرض فيلمه «رابين: اليوم الأخير»، الذي شارك في مهرجان فينالي السينمائي الدولي بالعاصمة النمساوية فيينا في أكتوبر عام 2015.

تذكرت هذا العمل الذي شاهدته منذ بضعة أعوام، ومازلت أحتفظ به في مكتبتي الرقمية، وعاودت مشاهدته مجدداً، بحثاً عن نقطة ما استفزت داخلي عدداً من الأسئلة على خلفية القصف الأخير الذي يتعرض له قطاع غزة، والهجمات المتبادلة بين حركات المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي.. لقد صدق «جيتاي» عندما قال أن اللغة السينمائية هي الأجدر على إيصال صوت الشعوب وليس صوت الساسة، لأن الشعوب، قطعاً، لا تريد سوى السلام والأمان وفرصة للعيش بكرامة مادامت لغة الواقع فرضت تقاسم الأرض، لكن التغول على الحقوق هو ما يبيد كل فرصة للتفاهم ويسحق مساحات النقاش ويستبدل لغة الحوار بـ«صيحات التعنت» و«طلقات الرصاص» و«رائحة الموت»، والدرس الذي لا تعيه إسرائيل منذ أن اعتنقت سياسة الأمر الواقع ولغة القوة، إنها فرضت على شعبها أيضاً واقع الاقتتال إلى الأبد، ظناً منها أنه سيأتي يوم ما يهنئون بالأرض وحدهم، بعد أن يتخلصوا من المالك الأصلي.. سيناريو لطالما حلموا به، ومع كل انتفاضة فلسطينية، يزداد الحلم جنوناً، ولكن يبقى الدرس غائباً: فما بُني على باطل، فهو باطل.

الفيلم الإسرائيلي «رابين: اليوم الأخير» يناقش كيفية وأد الأصوات المعتدلة وأي فرصة للتعايش السلمي باعتبارها دعوة خذلان للحلم الصهيوني، لتتفجر واحدة من أشرس النزعات الراديكالية، على الإطلاق.. الراديكالية الصهيونية اليمينية. وهو في اعتقادي، تناول هذه المعضلة بجرأة لافتة. الفيلم إنتاج فرنسى- إسرائيلى مشترك، بلغت تكلفته 4.6 مليون دولار. شارك في كتابة السيناريو كل من مخرج العمل عاموس جيتاي و مارى جوس سانسيلم، أما الموسيقى التصويرية، كانت لـ أميت بوزنانيسكى، فيما استعان جيتاي بمجموعة من الممثلين من بينهم بينى ميتلمان، مايكل وارشافياك، إينات ويتزمان و يوجيف ييفيت.

جاء العرض الأول للفيلم في الرابع من نوفمبر عام 2015 ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الـ 72، أي بالتزامن مع مرور الذكرى العشرين على حادث اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين، وقد أثار الفيلم موجة واسعة من الجدل السياسي، ظلت مستمرة حتى الآن في العديد من الأوساط السياسية، كما أنه قوبل بحفاوة شديدة من جانب المهرجانات السينمائية الكبرى، نظراً لموضوعه الهام وتقنياته الفنية العالية، حيث رُشِح للعديد من الجوائز السينمائية المميزة، فيما حصد مخرجه عدة جوائز من بينها؛ جائزة «لجنة التحكيم الخاصة» من مهرجان أشبيلية للأفلام الأوروبية، جائزة «جولدن ماوس» وجائزة «شبكة أفلام حقوق الانسان» من مهرجان فينسيا السينمائي الدولي، علاوة على جائزة (ARRT/OSRAM) من مهرجان ميونيخ السينمائي الدولي.

مَن شاهد الفيلم يدرك أن وأد الأصوات المعتدلة دائماً ما يقود إلى مصائر أكثر ظلامية. والمثير في فيلم «رابين.. اليوم الأخير» إنه يجرد تماماً هذه الحقيقة من أي أقنعة. وقد صرح «جيتاي»، آنذاك، للعديد من وكالات الأنباء العالمية أن فيلمه «رابين.. اليوم الأخير» لا يدعو إلى تأليه أو عبادة شخصية رئيس الوزراء السابق إسحق رابين، وإنما يتناول حادث إلاغتيال باعتباره «جرحاً مفتوحاً» في التاريخ الاسرائيلى المعاصر، بحسب وصفه، خاصة وأنه عكس مناخ الكراهية المستمر في اسرائيل، الأمر الذي من شأنه تصعيد وتيرة التطرف اليهودي وتقويض فرص السلام الجاد، وهو بالفعل ما يحدث بعد مرور ما يقترب من ثلاثة عقود على حادث الاغتيال، الذي يظل «ندبة سياسية» في وجه المجتمع الإسرائيلي.

يتعرض الفيلم أيضاً لأزمة من أخطر الأزمات السياسية التى عايشتها اسرائيل، وأطاحت بأكذوبة «الديمقراطية» التي تدعيها، فالصراع الحقيقي الذى أسقط رابين هو صراع حزبي، استغل خلاله حزب الليكود الفرصة للانقضاض على السلطة وإشعال الفتنة، ومن ثم وأد أتفاقية أوسلو للأبد، كي يواصل المشروع الصهيوني زحفه السرطانى، مُلتهِماً في طريقه كل الأطروحات المعتدلة الداعية للتعايش السلمي وقبول الآخر. كما يعد الفيلم نموذجاً معبراً عن مفهوم الراديكالية الصهيونية بقدر كبير من التوثيق، حيث تضمن لقطات حقيقية لواقعة الاغتيال، الخطاب الأخير لـ رابين، وكذلك الخطاب التحريضى الذى ألقاه نتانياهو وسط مظاهرة حاشدة وصفت رابين بـ«الخائن» و«النازي»، فضلاً عن مقتطفات من جلسة الكنيست التي اِحتدم فيها الخلاف بين رابين ونتانياهو حد التراشق اللفظي.

لقطة من فيلم «رابين: اليوم الأخير

إلى جانب هذا الجانب الوثائقي الهام، تخلل الفيلم تصور درامي افتراضي لأعمال لجنة التحقيقات، التى تعامل معها جيتاي بقدر كبير من التصرف، لأن جلساتها كانت سرية وغير معلنة، فضلاً عن اقتصار التحقيق الرسمي الذى أجرته اسرائيل عقب الحادث على رصد الأخطاء التى وقع فيها مرافقوا رابين وليس تقصي الحقائق والوقوف على الأبعاد السياسية والثقافية والاجتماعية التي مهدت للحادث، وتجاهُل حملة التحريض التى قادتها شخصيات حزبية وحاخامات متشددون ونشطاء متطرفون ضد اتفاقية أوسلوا للسلام، الأمر الذى سمح للمخرج برسم كواليس جلسات لجنة التحقيقات وفقاً لرؤيته، لإثبات الاشكالية التي تورط فيها المجتمع الإسرائيلي ككل آنذاك، والتي أحبطت فرصة حقيقية للسلام، من الصعب أن تتوفر حالياً.

كذلك، تعمد جيتاي الاستعانة بلقطة حية من خطاب نتانياهو قبيل حادث الاغتيال، الذي جاء بالعديد من الشعارات المعادية، كان على رأسها لافتة بلون الدماء تقول «الموت للعرب» فيما ردد نتانياهو أن «الصهيونية» هي الخيار البديل للاسرائليين، وليس «السلام الكاذب»، الأمر الذي خلق ربطاً سياسياً هاماً حول كواليس ما حدث. وبمثل هذا التركيب الذكي والخلط المدروس الذي وظفه جيتاي ما بين المساحة الوثائقية والدرامية في الفيلم، بدا للمتلقي وكأنه يشاهد وثيقة تحمل أدلة دامغة على أجواء التعصب التى سادت إسرائيل، ولا تزال، فتبدو الخلفية -الكواليس- التي سبقت وتلت الحادث، في مجملها، طبيعية وليست تمثيلية، ما أوحى للمشاهدين بأنهم يتابعون الحدث من داخل المطبخ الاسرائيلي.

ونظراً للرؤية التصادمية التي قدمها الفيلم حول المشروع الصهيوني ومظاهر الراديكالية اليهودية، اتسمت غالبية الندوات التي ناقشت الفيلم بالطابع السياسي، الأمر الذي طغى على الاهتمام بمناقشة وتحليل تقنيات الفيلم، التي استحقت أيضاً المزيد من التوقف والتأمُل، لما انطوت عليه من حرفية لافتة فى التنفيذ، حيث بدأ الفيلم باستهلال ساخن تمثل في حوار تم إجرائه مع شيمون بيريز بعد مرور عشرين عاماً على حادث الاغتيال، حول الأيام الأخيرة فى حياة رابين، تلاه تتر الفيلم بمصاحبة لقطة بانورامية لميدان الملوك «مسرح الحادث»، حيث جاءت حركة الكاميرا أفقية فى صورة دائرية، أخذت تقترب وتبتعد شيئاً فشيئاً من الميدان الصاخب، ليبدو مسرح الاغتيال من أعلى، وكأنه «نيزك» مشتعل هبط إلى الأرض، فى كنف الظلام الدامس، كما اتخذت الإضاءة المحيطة بالميدان شكل الشظايا المتطايرة، بمصاحبة موسيقى تصويرية غامضة، أضفت مزيد من الريبة، وحملت رائحة المؤامرة لوأد أي سلام محتمل مع الجانب الفلسطيني.

تتر فيلم رابين.. اليوم الأخير

في تلك الأثناء وظف مدير التصوير «أريك جوتيه» كادراته بصورة توافقية مدهشة، تتماشى مع الموسيقى القَلِقة، التى تحولت قبيل مشهد الاغتيال بدقائق إلى أصداء مخيفة، استجلبت معها عواءً ثقيلاً بتجويف صوتي متقطع، لتظهر هنا كادرات المكان بصورة مشوشة، تشبه لقطات فيليمة قبيل عملية التحميض، بحيث لا تتضح خلالها الملامح أو التفاصيل.. مجرد حركة عشوائية تغمر الميدان بزوايا مضطربة، لكنها تشي وتمهد لصوت الطلقات النارية، التي حسمت هذا الفراغ المُتلكىء، ووثقت كيف يمكن للراديكالية الصهيونية أن تلتهم رجالها الخارجين عن القضبان المرسومة، ليسقط رابين أرضاً وتسقط معه اتفاقية أوسلو بغير رجعة، وأي اتفاقية سلمية جديدة، في الأغلب.

وبنفس مساحة القوة التى استهل بها جيتاي الفيلم، جاء مشهد النهاية، حاملاً العديد من الرسائل الهامة، التي مثلت فى واقع الأمر رؤية صُناع الفيلم، عندما أعادوا قراءة الواقع عقب مرور عقدين من الجدل والتعتيم حول الحادث، حيث اختار جيتاي أن يبث رؤيته كاملة على لسان القاضي الاسرائيلي- رئيس لجنة التحقيقات- الذي أخذ يقرأ ما خلص إليه تقرير اللجنة في خلوة مُتعمَدة، تُفصح عن ضبابية مصير هذا التقرير.. راح يتلو للصمت سطوره الحرجة، التي ربما ظلت حبيسة الجدران، لا تحرك ساكناً، لكنه أراد إطلاق سراحها، مُوجِهاً المزيد من الاتهامات للشعب الاسرائيلي ولدولة إسرائيل، التي تزعم كونها الدولة الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط، بينما يعكس واقعها السياسى تعالياً صارخاً لاستخدام العنف كوسيلة في حل الصراعات السياسية، فضلاً عن تراجع دور المؤسسات التعليمية والدينية في ضبط هذا التطرف الفكري والديني. ثم يطوي «القاضي» تقريره ويطوى معه مرارته، مغادراً مقر اللجنة، مُصطَدِماً في الخارج باللافتات الدعائية لحزب الليكود وزعيمه بنيامين نتانياهو. بدت براعة عاموس جيتاي عندما جعل هذه اللقطة تتزامن مع عاصفة ممطرة تجوب الطرقات، ما جعل المشهد يحمل رمزية ذكية، تشي بالأجواء التى شهدتها ولا تزال تشهدها هذه الحقبة السياسية فى حياة اسرائيل فى ظل رئاسة بنيامين نتنياهو.

الفيلم الاسرائيلي «رابين: اليوم الأخير» مترجما ألى العربية

والواقع أن إسحق رابين لم يكن ملاكاً، بل كان «عدوّاً» تاريخياً للفلسطينيين، لكنّ أهمية الرجل تكمن في توصله في مرحلة معيّنة إلى قناعة فحواها ضرورة إيجاد تسوية مع الجانب الفلسطيني، حيث أدرك أن الشعب الفلسطيني موجود شاءت إسرائيل أم أبت، فهي حقيقة يصعب إنكارها.. ومن هنا أدرك أن لا مصلحة لإسرائيل على المدى الطويل، سوى بالتخلي عن الضفة الغربية في إطار ترتيبات معيّنة، وأن هناك ثمناً لا بد من دفعه من أجل الأمن والسلام، إلا أن المشروع الصهيوني كانت رياحه عاتية وأطاحت بهذا التيار المعتدل، ومنذ مقتل رابين وحتى الآن تم تنحية حزب العمل جانباً، ليحل محله حزب الليكود اليميني المتطرف، ما لا يدع مجالاً للشك أن كل محاولات التفاوض وجلسات الانعاش التي يجري الترتيب لها من آن إلى آخر لإنقاذ عملية السلام إنما هي اجراءات شكلية لن تسفر عن شيء.. والدليل أن المتطرفين هم من يحكم اسرائيل حتى الآن ويحشدون للمزيد من العنف، حتى لا تطفو على السطح «أوسلو» جديدة.. وهو ما يثبته الواقع بعد مرور ثمانية أعوام على عرض الفيلم، ليبقى «الدرس» جلياً لمن أراد الاستماع إلى صوت العقل.. فإن لم تقبل إسرائيل العودة إلى الشتات، فعليها ألا تنكر الحقوق، وآلا تمارس القوة باعتبارها الحل الأوحد، وألا تبيد أصحاب الأرض كأحد أشكال النازية الجديدة التي سبق أن اكتووا بها في الماضي.. وإنما الحل هو السلام، إذا أرادوا، بالفعل، الحفاظ على الأرواح وليس على الأرض وحدها التي سلبوها عنوة.. فقد تتحول هذه الأرض، في ظل التعنت، إلى مقبرة جماعية تأوي الجميع، فالعنف لن يولد سوى العنف.. والقضية الفلسطينية التى لم تمُت منذ 75 عاماً على سرقة الأرض، دليل دامغ على فشل سياسة الأمر الواقع وكونها آلية منقوصة وكارثية.

شيرين ماهر؛ مترجمة ومحررة صحفية من مصر

أبواق الصمت

خاص قنّاص – سينما

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى