عادل خزام ومحمد كاظم «والضوء بينهما» في المجمع الثقافي بأبوظبي.. نصوص صوفية مخدوشة بظلال الزوايا البيضاء | شاكر نوري

شاعر وفنان يمزجان رؤيتهما لتكوين بعد ثالث للقصيدة واللوحة

إنها المرة الأولى التي تقدم فيها الإمارات تجربتين ناضجتين في مكان واحد جمع بينهما الشعر والفن التشكيلي، في مشروع لاثنين من أبرز أسماء أبنائها على المستوى العربي والعالمي. ففي المعرض الذي يحمل اسم (والضوء بينهما) يمكن للمشاهد الذي يزور المجمع الثقافي في ابوظبي، أن يتعرف على تجربة نوعية فريدة من نوعها تتداخل فيها القصيدة مع الممارسة الفنية الحديثة في فضاء مشحون بفكرة (الضوء) على مستوى النص الشعري من خلال 53 قصيدة كلها تقرأ في مفهوم الضوء، وتتنوع ايقاعاتها للقبض على فكرة هذا الرمز الكوني العظيم وتجلياته الكثيرة في حياتنا اليومية، وبذكاء شديد يقدم الشاعر عادل خزام قصائد تتفرع جميعها من روح الضوء، متجهاً الى توليد صور وأفكار ورؤى مفتونة بالبياض وبالمحبة وبالنور وبالحرية وغيرها باعتبار أن كل هذه التجليات إنما هي تبنبع من مصدر واحد هو ضوء الحب الذي هو سبب الوجود وغاية معناه.

وبالقدر نفسه من العمق، يدخل الفنان التشكيلي محمد كاظم على خط موازٍ لهذه القصائد من خلال نقش وحفر الاشكال الهندسية والمرتجلة على الصفحة نفسها التي توجد فيها القصيدة، بما يخلق انسجاماً ليس فقط في الفكرة والتناول، وأنما في البعد غير المرئي بين النص الشعري ولمسة الفنان البصري الذي يلعب على فكرة تجميع الضوء من الزوايا ومن الانعكاسات وعرضه منمقاً وممكثفا ومختزلاً على ورقة القصيدة. وعلى عكس المعارض الفنية التي تحاول الجمع بين الشعر والرسم لخلق انسجامٍ في التناول، نجد أن التجريد البصري هنا، يخدم ويعزز فكرة النص، لكنه في الوقت نفسه منفصل بذاته. كما أن القصيدة الشعرية التي تأتي على شكل ومضة خاطفة، تكون مكتفية بذاتها هي الأخرى لكن وجودهما معاً (القصيدة واللمسة الفنية) على الورقة نفسها يمنحهما بعداً ثالثاً لم يحدث أن تجلى في هكذا صيغة إبداعية مبتكرة.

علي بن تميم مع الشاعر عادل خزام | qannaass.com

ادونيس مع الشاعر عادل خزام
| qannaass.com

زيارات نوعية

شهد المعرض منذ افتتاحه  حضوراً مكثفاً من جمهور المجمع الثقافي ومحبي الشعر والفن، وزاره أيضا الدكتور علي بن تميم رئيس هيئة أبوظبي للغة العربية برفقة الشاعر أدونيس، حيث أبدى الإثنان تقديرهما العالي لهذه التجربة، وتم اقتراح أفكار لنقلها للعرض في أكثر من مكان داخل الإمارات وخارجها، كما زرا المعرض مثقفون وأدباء وضيوف من معرض أبوظبي الدولي للكتاب.

أشرفت على المشروع الفنانة ريم فضة مديرة المجمع الثقافي في أبوظبي وكانت وراء استقطاب هذين المبدعين في هذا العمل المشترك، بينما تولت مهمة القيّمة على المعرض الفنانة الفنانة الإماراتية الشابة عائشة الحميري، وامتدت مساحة عرض الأعمال في الصالة العلوية لمبنى المجمع الثقافي حيث تتيح النوافذ الزجاجية للضوء الطبيعي أن يدخل ويترتك أثره المتغيّر على الصفحات، وتم تعزيز العرض بلقطات وأفلام فيديو للحظات الكتابة ولحظات الخدش على الورق مع إلقاء لبعض القصائد بصوت كاتبها الشاعر عادل خزام.

اسماء إماراتية بنفس عالمي

ما يميز هذه التجرة ايضا، أن خزام وكاظم انطلقا في بناء هذا المشهد من علاقتهما كأصدقاء منذ أكثر من 30 سنة، وكلاهما حققا الكثير من الإنجازات على المستوى العالمي، ويعد الشاعر عادل خزام أحد أبرز الاسماء الشعرية في الإمارات اليوم، وبالأخص في تجربة القصيدة الحديثة، حيث صدر له أكثر من 16 مؤلفاً بين الشعر والرواية والفلسفة والترجمة، ونال العديد من الجوائز الأدبية العالمية، ووصف الشاعر العربي الكبير أدونيس كتاب عادل خزام (الربيع العاري) بأنه الكتاب الأكثر جدة واستبصاراً من بين كتب الشعر العربية في الربع الأول من القرن العشرين، كما كرمته مهرجانات وجهات شعر عالمية كثيرة، وله تحربة رائدة في إطلاق مشروع الأنطوبوجيا الشعرية العالمية (شجرة شعر العالم) التي شارك فيها 405 شاعراً وشاعرة من 106 دولة حول العالم خلال استضافة الإمارات لمعرض إكسبو دبي 2020، وصدرت هذه الأنطولوجيا باللغة الانجليزية وبرعاية من وزارة الثقافة والشباب في الإمارات. وللشاعر عادل خزام أيضاً تجربة خاصة في الكتابة عن الفنانين التشكيليين في الإمارات، حيث قدم كتاباً بعنوان (تطور الفنون البصرية في الإمارات) وكتابا آخر عن الفنان التشكيلي اللإماراتي الرائد حسن شريف، وله عدة مقالات نقدية شارك بها في بينالي البندقية للفنون التشكيلية أثناء مشاركة الإمارات في هذه التظارهة العالمية.

على المستوى نفسه، يجلس الفنان محمد كاظم في صدارة المشهد البصري الإماراتي ولكن بروح عالمية، حيث تمكن منذ بداياته الأولى من حصد العشرات من الجوائز الفنية العربية العالمية، وذهبت أعماله للعرض في كبريات متاحف العالم من بينها جوجنهايم نيويورك وأبوظبي، وشارك في بيناليات أوروبية ودكّا وكوبا والبندقية وكوريا والهند، كما حصد الجائزة الكبرى في بينالي الشارقة وكرمته جهات فنية عديدة، كونه تمكّن من تطوير اساليب مختلفة في الرسم والفن المفاهيمي ووتميز بابداع الأفكار التي تتجاوز مفهوم اللوحة وحتى النحت، للخروج بصيغ فنية تتجاوز الراهن الحديث للمارسة الفنية. وكل من يزور معرض (والضوء بينهما) يستطيع أن يلمس تلك الحرفة التي يمتلكها في بناء مشهدية الحالة، وذكائه الشديد في خلق مفهوم بصري يوازي القصائد ويتفاعل معها بانسجام، وأيضاً بحيادية تامة.

الفنان محمد كاظم أمام لوحات المعرض | qannaass.com

دلالات القصائد

في قصائد معرض (والضوؤ بينهما) نقرأ ما يلي:

الجلوسُ الطّويلُ أمامَ القمرِ صلاةٌ بيضاءُ

الرّكوعُ للحظةٍ للوردةِ، ابتهالٌ أحمرُ                    

ثمّ..

حين تصفّقُ للفراشةِ بسرعةِ إيقاعِ جناحيْها

وحينَ تركضُ ملاحقاً ذيلَ مَن سبقوكَ للهاويةِ

ستدركُ أنَّ الزّمنَ لا يبدأ، ولا ينتهي

وإنما..

أنتَ تدورُ فقطْ، وفي دورانِكَ يتغيّرُ كلُّ شيءٍ

والحقيقةُ مثلَكَ تدورُ

ولكن تبقى معانيها ثابتةً

هذا النفس الصوفي في بعض النصوص، تقابله أنفاس أخرى بعضها سريالية وبعضها صادمة ومنها أيضا أشكال القصيدة القصة، والنص المختزل الخاطف، بما يكشف عن الموهبة الفذة التي يمتلكها الشاعر عادل خزام في تنويع أساليب الطرح والتناول لموضوع واحد يتكرر في جميع القصائد وهو (الضوء). يقول:

كلّ ليلةٍ

ينظرُ أديسونُ إلى الأرضِ من السماءِ           

ولا يرى سوى مصابيحِهِ

هي نفسُها مصابيحُ الشّوارعِ

التي عند الفجرِ

تغمضُ عيونَها

وتذهبُ في نومٍ عميقٍ

رغمَ ارتفاعِ الضّجيجِ في ظهيرةِ المدنِ،

وقسوةِ زحامِها

أبعاد مستقبلية

بهذه البساطة العميقة، تقبض القصائد على مفهوم الضوء وتحاول أن تتفرع منه لبناء حالة عامة في هذا المعرض الذي لو زرته في الصباح، فان حالته سوف  تتغير عن الزائر في فترة العصر، كونك (لا تعبر النهر نفسه مرتين). ورغم ثبات النصوص على معانيها ودلالاتها، إلا أن الضوء يتغير مع اختلاف حركة الشمس وانعكاسات أشعتها على المعرض والأوراق. وفي كل لحظة، تصبح كل لوحة شيئاً غير الذي كانته قبل قليل. وهذا بالضبط ما يرسّخ لخطاب (التغيير) الي نراه يتجلى في كل ثانية لا تشبه أختها. وكما أن الضوء يتخذ 53 شكلاً ومعنى في النصوص، إلا أنه أيضا ينفتح على أفق لا نهائي بسبب تبدّل زوايا الإضاءة وانعكاساتها على التفاصيل المخدوشة بالمقص على ورقة القصيدة. يحتضن المجمع الثقافي عدداً من المناشط والمعارض الفنية، ويعد معرض (والضوء بينهما) حيث يتوقع أن يستمر الاحتفاء به من جديد عن طريق إصدار كتاب فني يجمع النصوص واللمسات الفنية ويقدمها للعالم باللغتين العربية والانجليزية.

شاكر نوري؛ اعلامي وروائي عراقي مقيم في دبي | qannaass.com

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى