عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

فاروق وادي وداعاً | راسم المدهون

عاش أيامه الأخيرة مع المرض

حضور فاروق وادي في الثقافة والحياة الفلسطينية ظلَ خاصاً بل أكاد أجزم أنه بالغ الخصوصية منذ أن نشر هواجسه بحثاً عن “طريق إلى البحر” فلفت الانتباه لموضوع كتابته وما يحمله من أفكار، ولكن بالذات لتأكيده منذ تلك اللحظة الإبداعية الفارقة على الجمال الذي تستحقه الأفكار النبيلة ، والأحلام الكبرى.

فاروق وادي لم “يستثمر” قضيته رغم حضورها الفريد كأعظم تراجيديا إنسانية نشأت في القرن العشرين وواصلت حفرها بسكين قسوة حادة في لحم فلسطين ولحم شعبها. هي قيمة كبرى امتاز بها وظلت تدل عليه ويدلُ بدوره عليها من خلال رؤيته التي تتعدد بتعدد أعماله ولكنها تنجح كل مرة في تأكيد فرادته وفرادة حضوره فتمنحنا كقراء فناً أدبياً فيه الكثير من شموخ الإنسانية مثلما فيه الكثير من عصف الروح التي تلتاع فتكتب، وتكتب ببرق لا ينطفىء ولا يخبو.

كتب فاروق القصة والرواية فبرع لكن عمله الذي خطف الأبصار ولا يزال متوهجا إلى اليوم هو ذلك الكتاب النقدي البديع الذي أجزم أنه علامة كبرى من علامات النقد ترتقي لوصفه بالإنجاز وأعني كتابه النقدي البديع والهام “ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية” والذي تناول فيه تجارب غسان كنفاني وجبرا ابراهيم جبرا وإيميل حبيبي.

خطف الموت فاروق قبل أن يكمل ما بدأه في ذلك الكتاب الهام، وأعني أن يقدم كتابا آخر يلتقط فيه “علامات” أخرى في الرواية الفلسطينية التي جاءت وجاء مبدعوها بعد الرواد الثلاثة الكبار، وهو أمل لم يتحقق كان هو بالذات مؤهلا أكثر من غيره لتحقيقه لسبب بالغ الأهمية وهو حدقته النقدية الموضوعية، وأقصد المحايدة بين الكتاب والروائيين كأشخاص وحرصه في الوقت ذاته على الانحياز بوضوح للجمال الإبداعي بعيداً عن أية سطوة للسياسة بمعناها اليومي العابر وقليل الأهمية رغم ما تحمله تلك السطوة من صخب عادة.

في اليومي ظل فاروق وادي صديقاً حميماً رغم غيابه المتواصل وأذكر هنا بالذات أنني اعتدت لعقدين من السنوات أن أذهب مع كل دورة تنعقد من “مهرجان دمشق السينمائي” إلى فندق الشام حيث يقيم المدعوون للمهرجان وأسأل موظفي استعلامات الفندق عن فاروق وادي دون أن أتأكد من أحد إن كان مدعواً للمهرجان أم لا، وأتذكر أنه لم “يخذلني” مرة إذ كانت الموظفة تراجع الأسماء وتذكر لي رقم غرفته فألتقيه ونتحدث كأننا نواصل حديثاً انقطع بيننا منذ يوم أو يومين بالشوق ذاته وبألفة ومحبة لم تنقطع أبداً.

فاروق وادي عاش أيامه الأخيرة مع المرض وكنت آمل أن يخرج من تلك المحنة لكنه كان امتحاناً عسيراً على جسده الذي أنهكه المرض والغربة وأنهكته فلسطين كقضية وكتراجيديا لا يتوقف عصفها في الروح ، حتى إذا جاء خبر رحيله قلت بحزن: لقد رحلت علامة كبرى وهوت نجمة لامعة.

فاروق وادي .. وداعاً.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى