عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

فيلم «احتضنك عبر شتاء قارص».. الحُبّ في زمن الكورونا | مي عاشور

تدور أحداث الفيلم من فترة إغلاق مدينة ووهان كلياً وحتى إعادة فتحها

ما يستوقفنا- نحن البشر- تلك الأمور التي نُصَدم بها غالباً، والتي تَحدُث بشكل سريع ومفاجيء، فلا تمر بجوارنا بخفة كغيرها من الأمور، بل  تؤثر فينا، وتبقى حية في  ذاكرتنا. أعتقد أن فترة الوباء، جعلتنا ننظر إلى الحياة بشكل مغاير أو على الأقل نتأملها من زاوية أخرى، وكذلك نُقدر بعض الأشياء التي بدت لنا مكتسبة فيما مضى.  

في الفترة الأخيرة، أنتجت الصين بضع أفلام، تتناول فترة الوباء الذي تفشى في مدينة ووهان في الصين. تنوعت مواضع هذه الأفلام، فمنها ما تناول دور الأطباء والطواقم الطبية في إدارة الأزمة، مثل فيلم “الأطباء الصينيون”، ومنها ما تناول حياة المواطنين أثناء الوباء والإغلاق الكلي للمدينة، مثل فيلم “احتضنك عبر شتاء قارص”، والذي فازت مخرجته شويه شياو لو، بجائزة الغزالة الذهبية لأفضل مخرجة، وكذلك الممثل جو يي لونغ– والذي جَسَد دور عازف البيانو في الفيلم- بجائزة الغزالة الذهبية لأفضل ممثل. علماً بأن هذه الجائزة، تُمنَح في مهرجان تشانغ تشون للأفلام الصينية، وكانت الدورة 17 للمهرجان من 23 إلى 28 أغسطس 2022، وشعاره هذا العام “عصر جديد، مهد جديد، قوة جديدة، مكانة جديدة”. انطلق مهرجان تشانغ تشون للأفلام الصينية عام 1992، ويقام كل عامين.

الفيلم مبني على قصص حقيقة، ومن أجل تصويره، ذهبت المخرجة إلى مدينة ووهان، وقابلت عدداً من الأشخاص وجمعت حكاياتهم، والتي كانت كلها من واقع حياتهم في فترة إغلاق المدينة.

(الصورة: المخرجة شويه شياو لو | thepaper.cn)

تدور أحداث الفيلم من فترة إغلاق مدينة ووهان كلياً، حتى إعادة فتحها. ويعرض 4 قصص مختلفة، لأشخاص تتقاطع أقدارهم، ويواجهون نفس المصير. أظهر فيلم “احتضنك عبر شتاء قارص” بطولات لجنود مجهولين؛ وهم مواطنون عاديون، خاطروا بأرواحهم لخدمة وطنهم وأهل مدينتهم، لتخطى أزمة الوباء، وكذلك ركز على ترسيخ بعض القيم الاجتماعية، مثل: التعاون، والإتحاد، والتفاني في العمل، والشعور بالمسؤولية تجاه الغير، وغيرها. من رأيي أنه من أفضل الأفلام الصينية التي شاهدتها مؤخراً، فرغم أن أحداث الفيلم تدور في فترة عصيبة، إلا أنه مُفعم بالأمل.

وعَلمتُ أن الفيلم مبني على قصص حقيقة، فمن أجل تصويره، ذهبت مخرجته شويه شياو لو إلى مدينة ووهان، وقابلت عدداً من الأشخاص وجمعت حكاياتهم، والتي كانت كلها من واقع حياتهم في فترة إغلاق المدينة.  

ترسيخ ثقافة التطوع والشعور بالمسؤولية:

يقرر آيونغ أن يهب نفسه لمساعدة الآخرين، فيتحول من موظف بريد إلى متطوع لتوصيل الأطباء والممرضين، ونقل الأطعمة والمستلزمات إلى المشفى، بل وينظم فريقاً من المتطوعين لنفس الغرض، ولا يعود إلى بيته طوال فترة الوباء خوفاً على أسرته من العدوى.

(الصورة: بطل الفيلم آيونغ | www.163.com)

 

 

يبدأ الفيلم بتطوع عامل البريد السريع آيونغ لتوصيل طبيبين إلى المشفى، نظراً لتفشي الوباء في المدينة، وصعوبة إيجادهما لوسيلة مواصلة. بعدها يتم الإعلان عن إغلاق المدينة كلياً، ويتهافت الناس على الأسواق، وتتوقف وسائل المواصلات، وتُغلَق محطات المترو والقطارات، ويُمنع السفر من وإلى  ووهان، وتبدأ حملات تطهير الشوارع والمرافق العامة، وتصير المدينة أشبه بمدينة مهجورة في ليلة رأس السنة الصينية. يقرر آيونغ أن يهب نفسه لمساعدة الآخرين، فيتحول من موظف بريد إلى متطوع لتوصيل الأطباء والممرضين، ونقل الأطعمة والمستلزمات إلى المشفى، بل وينظم فريقاً من المتطوعين لنفس الغرض، ولا يعود إلى بيته طوال فترة الوباء خوفاً على أسرته من العدوى. فعندما سأله ابنه متى سيعود، قال إنه لن يعود الآن؛لأنه أصبح متطوعاً، ففرح الولد هاتفاً: “والدي صار بطلاً”.

وو جه عاملة توصيل طلبات، امرأة مُطَلقة، تعيش وحيدة في المدينة الكبيرة. كانت تنتظر حضور ابنتها من مدينة أخرى، ولكن بسبب تفشي الوباء وعزل المدينة،  لم تتمكن من المجيء.

(و وجه وعازف البيانو | finance.sina.com.cn)

أما القصة الثانية لمتطوعة تُدعى وو جه، وهي عاملة توصيل طلبات، امرأة مُطَلقة، تعيش وحيدة في هذه المدينة الكبيرة. كانت تنتظر حضور ابنتها من مدينة أخرى، ولكن بسبب تفشي الوباء وعزل المدينة،  لم تتمكن من المجيء، تتطوع وو جه أيضاً لإيصال الطلبات أثناء فترة الإغلاق، ولكن تحدث أشياء تغير  نظرتها للحياة، عندما توصل ذات ويوم طلباً للأدوية إلى عازف بيانو– رجل مثقف، يُعلم الأطفال العزف- فيفقد وعيه، بسبب إصابته بمرض ما، فتخاطر وو جه بحياتها، وتنقله بنفسها إلى المشفى المكتظة بالمصابين، ومن ثم، تنبت بينهما مشاعر حب. والأمر الأخر، عندما التقت بممرضة شابة على باب المشفى، وسألتها لو تعرف مكان يبيع نوع معين من الأطعمة، فتطوعت وو جه بتوصيلها إلى مكان تعرفه. تمر الأيام، وتذهب وو جه لاستلام طرد لإيصاله إلى المشفى، فتكتشف أن هذا الطرد هو صورة للممرضة الشابة، عليها شارة سوداء، لتوضع بداخل المشفى، إلى جانب صور العديد من الأطباء والممرضين الذين خاضوا معركة ضارية مع الوباء، وضحوا بحياتهم في سبيل إنقاذ حياة العديد من الناس.

مراجعة الذات وقوة الحب:

يبرز الفيلم فكرة: اللحظات الصعبة أحياناً تكون فرصة لمراجعة الذات. تسارعت وتيرة الحياة، مما دفعنا للركض منشغلين، دون الانتباه إلى الكثير من الأشياء من حولنا، حتى أن الاستمتاع  بالتفاصيل البسيطة، صار يفصلنا عنه فجوة كبيرة. يظهر ذلك في الفيلم، من خلال قصة زوجين جعلتهما الحياة يهملان بعضهما، زود انشغالهما في العمل من الفجوة بينهما، لكن وفاة صديق الزوج بفيروس كورونا، كان أشبه بضربة نبهتهما إلى المسافة التي اتسعت بينهما.

أكثر ما جذبني في الفيلم قصته الأخيرة، والتي تحكي عن طبيبة مُسنة متقاعدة تُدعى شيه يونغ تشين، توفت ابنتها، وتعتني بحفيدها، ويوجد رجل في حياتها يحبها وتحبه، وهو صاحب مطعم وطاه ماهر، يريد الزواج منها والاهتمام بها. لكن تقرر شيه يونغ تشين أن تعود لعملها، وتتطوع  في الصفوف الأمامية لمحاربة الوباء، وإنقاذ حياة المَرضى في المشفى. يذهب حبيبها إليها يومياً، ويحضر لها الطعام، ويعطيه لها عبر سور المشفى. تُصاب الطبيبة بفيروس كورونا، وتتصل المشفى بعائلتها للتهيأ لخبر رحيلها، لكن كأن للحب قوة تجعل المرء أكثر تشبثاً بالحياة، بل وطاقة تشفى الروح والقلب. ففي النهاية، تتغلب شيه يونغ تشين على المرض، وتستفيق من غيبوبتها، عندما تجعلها الممرضة تسمع صوت حبيبها عبر الهاتف.

طول الفيلم 124 دقيقة، عُرض في الصين 31 ديسمبر 2021، وحققت إيراداته ما يقرب من 937 مليون يوان صيني. الفيلم بطولة خوانغ بوه، جيا لينغ، وكوكبة أخرى من الفنانين الصينيين. في رأيي، حدثت قفزة كبيرة في الأفلام الصينية، لم تعد مجرد أفلام، ولكنها صارت صناعة مهمة وهادفة.

مي عاشور: كاتبة مصرية | qannaass.com

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى