في كتابه الشعري الجديد «أدونيادا».. أدونيس يُذكر بهوميروس وفيرجيل ليشرح حالة العرب | شاكر نوري

هل يمكن لشاعر بلغ الثانية والتسعين أن يكتب ملحمة؟

أتيحت لي قراءة كتاب أدونيس “أدونيادا” باللغة الفرنسية قبل صدوره بلغته الأصلية عن دار الساقي قريباً، أن أتعرف على عالم ليس بعيداً عن عالم قد بدأه منذ بواكيره الشعرية الأولى. لا يزال الشاعر أدونيس يشيد عمارة بحثاً واجتهاداً من لغة باتت تبتعد عن أهلها شيئاً فشيئاً. ولكن السؤآل الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا يعود بنا أدونيس إلى شعر الملاحم كما يشير عنوان كتابه الجديد الصادر عن دار “سوي” المرموقة؟ هل هو نكوص إلى الملاحم التي لم يُجِد العرب الكتابة فيها رغم حياتهم الملحمية منذ بدء تاريخهم. ثم هل يمكن لشاعر بلغ الثانية والتسعين أن يكتب ملحمة؟

أو لعل أشعاره التي خاضت الملحمة بكل ثقة وإيمان تريد أن تتأقلم مع واقع لا يمكن التعبير عنه إلا من خلال الملحمة. يكشف لنا هذا الكتاب الشعري عن قابلية ذهنية مذهلة في استحضار الأساطير وربطها بالواقع العربي من خلال تأملات شعرية ممزوجة بحس فلسفي خفي، مثيراً أكبر المشكلات التي تواجه الإنسان العربي الراهن عبر التأويل والمغامرة والتشريح.

وهو في كتابه الحالي كما في كتبه السابقة، يقرع جرس الإنذار لما يعانيه العرب من تخلّف وانحدار وجهل وعدم حضور في العصر الحالي. 

“أدونيادا”؛ لا يبدو عنواناً غريباً في مجرى أفقه الشعري الحداثي الذي بدأه منذ ستينيات القرن الماضي، بل يتوج هذه السنوات بملحمة تُذكّر بالإلياذة، والإغريق والبحر الأبيض المتوسط، هذا البحر الخلاّق الذي لم يجهل في نسيجينا الوجداني ولا المعرفي فيما استثمرته الشعوب الأخرى.

 أدونيس في عمله الجديد، يضيف كلمة “أدونيادا” إلى قاموسنا العربي، فهو مزيج من أدنيس والإلياذة.

أدونيس (qannaass.com)

هل يقصد من “أدونيادا” عالم أدونيس الذي لا يزال مجهولاً عند الأغلبية لطغيان الجهل وعدم المقروئية التي يشخصها الشاعر بين آونة وأخرى! وربما لهذا فقد أصدر أدونيس عمله الشعري باللغة الفرنسية أولاً، ترجمته بمهارة وإتقان الباحثة الجامعية بنيديكت لوتوليي، المختصة في الأدب المقارن، مع مقدمة باذخة. ولعل الكلمة المنشورة في نهاية الكتاب تشرح تلك التفاصيل؛ إذ يرغب أدونيس أن يقدم عمله “أدونيادا” باعتباره سيرة ذاتية ثقافية وشعرية. فهو يغوص في تراث ما قبل الاسلام، ويستخدم الشعر في وعاء إنساني شمولي. إنها ملحمة تسرد التاريخ الأسطوري والمقدس التجديدي. فهو يستوحي من اسمه، رمزياً، ويشهد على تحولات الحداثة الشعرية، من بيروت ودمشق ولندن وايرفان وشنغهاي ونيويورك وباريس وغيرها من مراحل رحلته الداخلية والروحية. فهو يمر عبر العوالم الشعرية للعظام من أمثال: آرتو، بودلير، ريلكه، رامبو، أورفيوس، المتنبي، كونفوشيوس، هوميروس ودانتي، إنهم حلم الضياء في عصرنا.

غلاف الطبعة الفرنسية (qannaass.com)

أصدر أدونيس عمله الشعري باللغة الفرنسية أولاً، ترجمته بمهارة وإتقان الباحثة الجامعية بنيديكت لوتوليي، المختصة في الأدب المقارن، مع مقدمة باذخة.

غلاف الطبعة الفرنسية (qannaass.com)

تبدو “أدونيادا” قصيدة طويلة، تنقسم إلى عشرين مقطعاً، وكل مقطع يمكن قراءته منفصلاً في آن واحد. وكل مقطع رحلة روحية في عالم الملاحم والأساطير برؤى ترصد رؤية أدونيس للعالم. فهو يغيّر العلاقات بين الأشياء بالكلمات حسب رؤية حداثية بعيدة وغائرة في التأويل واللا مرئي. ويحرص أن تتحرك في كل مقطع شعري آثار العظام الذين ذكرناهم، فنجد هوميروس، بكل بهائه وفلسفته، ثم ينتقل إلى انبعاث أدونيس الأسطورة، الذي استعار اسمه، وسافر مع هذا الاسم في عالم الشعر العربي، مؤسساً لرؤية مستقبلية، وكاشفاً عن مواطن الضعف في الرؤية الشعرية التقليدية الراهنة. وكل تلك المقاطع مُفعمة بالغنائية، والسيرة الذاتية والشعلة الشعرية، في منظور إنساني يتدفق كالنهر، ويدخل أدونيس القارئ في الجو الملحمي الغنائي، ويتنقل به نحو جغرافيات متنوعة التضاريس، فتتحول القصيدة بين يديه إلى هوية ورؤية.

الكتاب الشعري الجديد لأدونيس عبارة عن مجموعة أسفاره الروحية التي تجمع بين رؤية العظام والخرائط في لقاء أرواحهم، فنجد مقاطع شعرية عن جبل آرارات، فهو يعمل على إعادة تكوين هذه الآثار الإنسانية، شعراً ورؤيا وأفقاً إنسانياً من دون التقوقع داخل هذه الرموز والخرائط لأن الشاعر معني بالرحلة الروحية الداخلية وليس الوصف الخارجي.

كما يذكرنا الشعر في عمله الجديد بأننا نبقى بحاجة إلى هوميروس وفيرجيل وجميع الأساطير والملاحم من أجل العودة إلى ذواتنا لأن تلك المصابيح لا يمكن أن تنطفئ أبداً، وهي الشعلة المتجددة في حياتنا، وخاصة نحن العرب. هذا الاستذكار هو بمثابة دق جرس الإنذار لما يصيب أرواحنا العربية من عطب وصدأ، عبر قصيدة طويلة شاملة تختزل العالم في 268 صفحة.

 أدونيس في عمله الجديد، يضيف كلمة “أدونيادا” إلى قاموسنا العربي، فهو مزيج من أدنيس والإلياذة، كأنه في اقتفاء خطى الملاحم يعود بنا إلى الواقع العربي، ويعيد صياغة مشكلاتنا الفكرية على غرار الملاحم. فهو يقدم ملحمته عبر ملحمة الإنسان العربي أيضاً، فما أحوجنا إلى روح الملاحم لنشهد على ما يجري في عالمنا من تهافت وانحدار وطغيان. ولكل إنسان منا ملحمته لكنه عاجز عن كتابتها. فهو لا يكتفي بالعنوان البرّاق الصادم بل يدخلنا في أناشيده، ويرغم القارئ على التفكير بالقرون السحيقة، لينتبه إلى ما يعتري ذاته من شروخ ومآس لأن عالمنا المليء بالضجيج والموسيقى والأحداث والحروب بحاجة إلى من ينسج منه ملحمة وسيرة، وها هو أدونيس يكتب أناشيدنا المحصورة في ذواتنا ولا تستطيع الخروج منها بل ظلت حبيسة في دواخلنا لأن الواقع العربي لا يسمح بخروجها إلى السطح.

يركز أدونيس في “أدونيادا” على تاريخه الشعري والفكري ويسعى إلى اختزاله في هذا الكتاب، مجسداً حاضره وحاضر الشعر. يستخدم الماضي لاستحضار الحاضر ليس إلا. وهناك علاقة بين هذا العمل والإلياذة، بين عالمين يتشكلان. أدونيس لا يروي لنا بطولات الماضي بل بطولات الحاضر، ولكنه يشترك مع أبطال ملاحم هوميروس وفيرجيل بأنه كذلك البطل الذي يبحث عن وطن، هذا هو وجه المقارنة بين الاثنين. وكلها تبحث عن خلق عالم جديد، وهذا هو جوهر العمل الذي يشيده أدونيس من مغامراته وتجاربه. كما يلقي الضوء على فروسية العصر الحاضر، أين تكمن يا تُرى؟ لا يجد الشاعر في هذه الفروسية سوى العودة إلى الذات. وهي ذات الأبطال الذين تطرق إليها هوميروس وفيرجيل.   

هل يحتفل أدونيس بذاته في “أدونيادا” بعد أن يئس من العالم الخارجي المليء بالمصائب والكوارث والحروب؟

أدونيس يعود إلى الحياة ويرتقي إلى أسماء كما في الأسطورة، وهو يستعيد اسمه كنيته من جديد ليذكّرنا بأن الأسطورة ضرورة لحياتنا، ولا يمكن الانفصال عنها. ولكن لا بد من العودة إليها. أدونيس بكل رمزيته حاضر في أناشيد أدونيس الشاعر في كتابه، وخصوصاً في نورانيته وألقه. “الأودنيادة” قصيدة ملحمية انسانية، ذات مغزى شعري كوني، شأنها شأن القصائد الملحمية عند الشعوب، إنها سيرة ثقافية تشق طريقها إلى جانب الأعمال الملحمية الكبيرة. وكم حاجتنا إلى مثل هذه الأعمال الشعرية أي الأعمال التي تجمع بين الذاتي والموضوعي في نسيج واحد، وهو الأناشيد. لا يزال أدونيس ينظر إلى الشعر كأداة لإنتاج المعرفة وليس لطرح الأسئلة فقط، فقد طرح أسئلة الشعر في أعماله الأخرى، وتم ترسيخها في سؤال الشعر كما في عمله ”الكتاب” بأجزائه الثلاثة. كما في أعماله الآخرى، يتجاور الحسي مع الذهني، والغنائي مع التأملي، والعفوي مع الفلسفي، وهو ما يشكل نسيج الشعر الأدونيسي بامتياز. فهو يتجاوز الجمالي إلى المعرفي، والحدسي إلى الذهني.

كان أدونيس ولا يزال منشغلاً بمعنى القصيدة، ويسعى إلى تقديمها عبر نصوصه، وهو يشتبك مع الرموز والأساطير والملاحم كما في هذه القصيدة الطويلة ليلتقي بالحياة.

لا أستطيع الاستشهاد بالقصائد لأنني لا أعرف النصوص الأصلية لكنني سأستشهد بالكلمات والفقرات المترجمة إلى اللغة الفرنسية، في هذه الرحلة الطويلة، يربط أدونيس بين الليل واللا نهائي، ويغوص في النثر لكي يخرج بالشعر، وفي الجسد لكي يخرج الروح. يناشد العشيقة، والشاعر والرّحال. ويجعل من الأرض ترنيمة وأنشودة. الأقوال تريد أن تضفي الشرعية على التاريخ، تاريخنا. منذ الأنشودة الأولى، يركز على فكرة أن الأساطير مقدسة ومباركة، ويبدأ بآدم.

شاكر نوري؛ اعلامي وروائي عراقي مقيم في دبي | qannaass.com

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى