أهوى الهوى كتابمكتبة بورخيس

الحياة التي تمضي مثل شربة ماء| وداد سلوم

الحياة التي تمضي كشربة ماء، تحمل للسوريين غصّات وغصّات

  مثل شربة ماء، عنوان المجموعة القصصية الصادرة في 2024 عن دائرة الثقافة في الشارقة للأديبة السورية الدكتورة أماني محمد ناصر تحت باب إبداعات عربية. وكانت أماني ناصر قد أصدرت ثماني مؤلفات في مجال اختصاصها في التربية وفي الأدب والترجمة. تحتوي المجموعة خمس عشرة قصة تستمد أحداثها من الواقع السوري المنهك بأحداثه وآلامه ومعاناته، وتتنوع مواضيعها بتنوع هذه المعاناة.

  تحمل المجموعة عنوان إحدى القصص وهو إذ يوحي بسرعة مضي الزمن والحياة التي لا تستوعب جموح أحلام الانسان ورغبته الشديدة بتحقيقها. يأخذنا في القصة إلى منحى آخر، حيث قصص الحب التي ما زالت تحدث صدفة وبتلك البساطة؛ فقيس كان ينشد شربة ماء حين التقى بليلاه وهام بها حتى الجنون وكذلك جميل بثينة التقى حبيبته عند النبع. فالحب هنا يوازي شربة ماء تعيد الحياة للعطشان في الصحراء، لا يحتاج تبريرا أو تفسيراً، يلتقي بطل القصة صدفة في أحد المقاهي بامرأة تسلب اهتمامه، يتضح فيما بعد أنها مذيعة في إحدى المحطات التلفزيونية، تستحوذ على اهتمامه كاملا وحين تغادر تنسى شالها على الكرسي فيحتفظ به بانتظار عودتها ويكون الشال حجة للتعارف ويعترف أنه القطرة التي ستقوده للجنون.

  تدور القصة الأولى بعنوان «هذه هي الحياة» على لسان جنين في رحم أمه، تمنحه الكاتبة حواس مكتملة من سمع وبصر كما أنه يفكر ويدرك ويخزن المعلومات التي يسمعها من أمه التي كانت دوما تغني الحياة حلوة بس نفهمها، لكنه يدرك أن كل شيء ينبئ بقسوة الواقع. هذا الأسلوب اتبعه الكاتب البريطاني الحائز على جائزة البوكر العالمية عام ١٩٨٨ إيان ماكيوان في روايته قشرة الجوزة (Nutshell) حين منح الجنين دور السارد الذي يروي الأحداث وهو في بطن أمه ناقلا أفكارها وهواجسها وكاشفا سر جريمة قتل والده الحقيقي التي ارتكبتها مع عمه.

  وتلك مغامرة فريدة تراهن على قدرات جنين لم يولد وما تختزنه ذاكرته من أفكار وأحداث، فالكاتبة تمنحه القدرة على السمع والبصر والفهم إذ يُدون على جدار الرحم أفكاره واستنتاجاته وتجعله يقول ما يخشى الكبار الافصاح عنه من نقد لمظاهر الفساد والتردّي الاجتماعي الذي نعيشه ممثلا بفقدان الأخلاق ونكران أقرب الناس أمام المصالح الشخصية والمكاسب المادية. وتنتهي القصة بسخرية لاذعة إذ بموت الجنين أثناء الولادة حين يحاول القدوم بكامل الأناقة صانعاً من الحبل السري ربطة عنق لا تتركه يشاهد من الحياة إلا نور يسارع للإنطفاء.

  تلتصق د. أماني في قصصها بالواقع السوري المترع بالألم وترصد ردود أفعال أشخاصه، ففي قصة «الخلود» يعتقد البطل في حلمه أنه نال الخلود مكتشفاً فيه المحنة الوجودية، وهو ما اكتشفه الانسان منذ القديم فَكفَّ عن البحث عنه، لكن بطل القصة يخرج عن ذلك بيقظته مكتشفاً التناقض بين الحلم والواقع الضيق حيث الغرفة التي نزح إليها وعائلته موبخاً نفسه على سذاجة أحلامه في زمن الحرب التي تحشرهم في زاوية الحياة.

  وتغتال أيضا قصص الحب، ففي قصة «الأبد» يصبح كل حبيب هو شادي الذي ضاع في أغنية فيروز التي بتنا نكتشفها كلما فقدنا أحبة لنا. في قصة «تنقلات مواطن معدم» اختارت اسم مسكين لبطلها ولكل امرئ من اسمه نصيب لتخبرنا عن النحس الذي رافق حياته منذ ولادته والحرمان والعجز عن أدنى الاحتياجات إلى أن اصيب بقذيفة ثم بالكورونا.

  استغرقت الكاتبة في نقل تفاصيل الواقع ومعاناة الانسان التي لا تخص فردا بل المجموع بشخص مسكين، فلم تلجأ للاقتصاد باللغة بل كانت تكتب وكأنها تدير حديثا مع القارئ وتحكي له حكايات الناس وهمومهم المادية والمعاشية والصحية في بلاد أكلتها الحرب وبصقتها للأزمة الاقتصادية دون رحمة، فيخيل للقارئ أن ما يقرأه حوادث في الجوار سمعها من أقرانه، مما جعل صوت الكاتبة يبرز عبر أبطالها في السرد والتهكم.

  تميز في قصتيها «رواية» و«جائزة» بين نمطين من الكتّاب: الأول يبدو متسلقاً يقوم بالتأثير العاطفي على القارئ رغم معاناته الحقيقة والثاني صادق وحقيقي وملتصق بمعاناته لدرجة أنه يخسر الجائزة التي فاز بها اذ صرفها على مساعدة الآخرين دون تردد.

  تشير في قصة «رواية» إلى ذلك الالتباس الذي يعيشه القارئ تجاه أحداث الرواية التي يقرأها ويحسبها الحقيقة مذكرة أن القراءة يجب أن تمنحنا القوة لنخرج من أزماتنا وذلك بالخروج من الحالة العاطفية تجاه ما نقرأ إلى امتلاك القدرة على التمييز والانتقاء.

  تأخذنا الدكتورة أماني إلى قصص إنسانية مؤثرة كقصة «عود ثقاب» وقصة «الحب» الذي أجهضته إعاقة سارة وكذلك قصة آخر كرنفالات الخيبة ذات النهاية المأساوية التقليدية.

  أما قصة «نصف» فتقدم المرأة المثال التي لم يجعلها استئصال جزء من صدرها نتيجة إصابتها بالسرطان تنكفئ وتتراجع إلى مؤخرة الساعين بل بنت لنفسها كيانا وسمعة مهنية يهابها الجميع فكانت قوية تثبت لنفسها وللعالم أنها في عمق طالبي الحياة وتنافس أقدرهم عليها.

  هكذا تطرق أماني ناصر شواغل الناس من قضايا واقعية هامة ومتنوعة معيشية وانسانية إلى طريقة الحياة اليومية فتولي وسائل التواصل الاجتماعي اهتمامها لتعبر عن أهميتها في حياتهم إذ صارت جزءا مهما منها سواء للتواصل مع الأهل بعد أن هاجر عدد كبير من أولادهم أو في الداخل حيث صارت عادة أدمنها الناس، لتطرح فكرة جوهرية نفسية في قصة «تواصل اجتماعي أم عزلة فردية» وهي عجز هذه الوسائل عن إيصال حقيقتنا للآخر وقد تقود إلى سوء الفهم عبر مفارقة كوميدية تهكمية تبين أثرها السلبي علينا حين يقودنا التواصل الافتراضي إلى عزلة حقيقة في الواقع.

  تتجاوز د. أماني نفسها في قصة قتيل الوهم عما في القصص الأخرى لترصد الصراع الذي يعيشه البطل الوحيد العاجز في ظروف قاسية ومخاوفه التي تقوده إلى اطلاق النار على القادم إليه قبل أن يتبينه فيكون أخاه العائد من الغربة هربا من كورونا. وتتساءل أليس الخوف صانع الجرائم الأول؟ وفي قصة صفعة نرى سوء الظن بالأم لتصرفاتها الغريبة لكن في النهاية يكتشف الأبناء إصابتها بالزهايمر وتنجلى الإجابة عن كل أسئلتهم لتفسير تصرفاتها.

  لا تريد الكاتبة أن تنهي قصصها بألم المعاناة الذي يخيم على المجموعة فتضع قصة خيط أمل على شاطئ البحر التي تجمع رجلا بائساً مع امرأة مشرقة تمسح عن حياته الكآبة ويبدآ مشوارهما في الحياة بمزيد من الحب والأمل.

  يُغفر للكاتبة الهنّات التي أضعفت المجموعة، كالتكرار في الوصف والضعف الأدبي الواضح وقد فرضه الاكتفاء بنقل الواقع كما تراه دون الغوص في عالم الشخصيات الداخلي وتطوراتها. إضافة للإطالة أحيانا في الشرح والوصف مع أن النهايات لديها تأتي مبتسرة وصادمة ومؤثرة.

*****

الكاتبة السورية وداد سلوم

مثل شربة ماء

خاص قنّاص – أهوى الهوى كتاب

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى