مشكلة الأقليّات في العراق | عزيز نيسين

ترجمة عن التركية: أحمد زكريا وملاك دينيز أوزدمير

عزيز نيسين في العراق 1976.. مشكلة الأقليات

وصل حزب البعث إلى الحكم، مع انقلاب عام 1968 بقيادة حسن البكر. وبعد ستة أشهر من وصولهم للحكم، أصدر مجلس قيادة الثورة العراقي بيانًا أعطى فيه بعض الحقوق للتركمان في العراق، وكانوا يمثلون عشرة بالمئة من سكان العراق. كان هدف حزب البعث هو الوحدة العربية الاشتراكية، لكن هذه الوحدة لم تجمع بين الأعراق المختلفة، بقدر ما أرادت أن تجعل من الأكراد والتركمان عربًا. إلا أن هذا البيان قد تضمن للمرة الأولى حقوقًا لم تُذكر من قبل بشأن تركمان العراق، وهي:

1.    تعليم اللغة التركمانية في المدارس الابتدائية التي تضم طلابًا من التركمان.

2.    يكون التعامل الرسمي في هذه المدارس باللغة التركمانية.

3.    تأسيس مديرية تعليمية للتركمان، وتتبع وزارة التعليم العراقية.

4.    السماح للكُتّاب والشعراء التركمان بإقامة اتحاد خاص بهم، يتبع اتحاد الكتاب العراقي، ويُقدَّم لهم الدعم من أجل نشر الكتب الخاصة بهم.

5.    تأسيس مديرية ثقافية للتركمان، تتبع وزارة الثقافة العراقية.

6.    السماح بنشر جريدة أسبوعية ومجلة شهرية باللغة التركمانية.

7.    تقديم البرامج باللغة التركمانية في تلفزيون كركوك. 

يمكن اعتبار هذا البيان صالحًا لكلّ البلدان التي تضم أقليات مختلفة، وجميع بنوده سارية حتى الآن، ولكن على الورق فقط.

طُبّقَت بنود هذا البيان في أول الأمر، وفُتحت 148 مدرسة في كركوك والموصل، وهي أماكن تواجد التركمان في العراق، بقي منها ثماني مدارس فقط. أما جريدة “يورت” (الوطن)، والتي تأسست بعد هذا البيان، فما زالت تصدر حتى الآن باللغة التركية، ولكن بحروف عربية. وبالنسبة لمجلة “صوت الاتحاد” فلم تصدر خلال ست سنوات إلا عشر مرات فقط، وكان نصفها بالعربية والنصف الآخر بالتركية. إلا أن هذه المجلة لم تكن تُقرأ بشكل جيد، لأن أوضاع التركمان لم تكن تسمح بشراء المجلات. وهكذا ضاعت جهود الكُتّاب في إعداد المقالات التي لم يقرأها أحد. ووفقًا للمادة الرابعة في البيان، أُسِّسَ اتحاد أدباء التركمان.

أسس حزب البعث السوري ميشيل عفلق، وعُقد أول مؤتمر للحزب في دمشق عام 1947. شعار حزب البعث هو “أمة عربية واحدة”. ورغم أن غاية الحزب هي وحدة البلاد العربية، إلا أن حزب البعث نفسه انقسم إلى “حزب البعث السوري” و”حزب البعث العراقي”.

كان ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث عدوًا كبيرًا لحافظ الأسد، ولذلك ترك سوريا وذهب إلى العراق. وكان أحد أهم أسباب انقسام الحزب هو الخلاف على رئاسته، ولم تكن هذه المشكلة في سورية والعراق فقط، ولكن طوال التاريخ، إذا أراد العرب أن يتحدوا، تظهر هذه المشكلة. مثلًا، لم تقدر سورية ومصر على إكمال الوحدة بينهما، وحدث هذا أيضًا بين سورية والعراق، ومصر وليبيا، ومصر والسودان. 

قام الاتحاد السوفيتي ببناء سدّ على نهر الفرات بسورية، وفي عام 1974 حجزت سورية الماء في خزانات السدّ، وبدأت مشاكل الجفاف في العراق، وكادت الحرب أن تندلع بين البلدين، لكن المملكة العربية السعودية منعت ذلك. وفي العام 1979 قالوا إن سورية والعراق سيتّحدان، حتى إن صدام حسين التقى بحافظ الأسد في دمشق، واتفقا على سياسات مشتركة.

في هذه الأثناء كان حسن البكر ومن حوله يريدون وحدة سورية مع العراق، واضطر صدام حسين لقبول ذلك، لكنه كان يرغب أن يكون ميشيل عفلق رئيسًا للبلدين، وكان هذا هو سبب عدم التوافق على الوحدة. كانت هناك مشاكل كبيرة في العراق، من أبرزها مشكلة السنة والشيعة، وخصوصًا بعد حرب العراق وإيران.     

وكانت هناك تناقضات كبيرة أيضًا في مسألة وحدة العراق مع سورية، ففي العراق ذات الأغلبية الشيعية كان الرئيس سُنيًّا، بينما كان رئيس سورية ذات الأغلبية السنية علويًّا.

وكانت من أبرز المشاكل في العراق، مشكلة الأقليات. حيث كان التركمان يمثلون عشرة بالمئة من سكان العراق، والأكراد أكثر من هذه النسبة، إلا أن النظام العراقي يحاول دائمًا دمج هذه الأقليات في القومية العربية.

حتى وإن كانوا أقليّات، فإن اللغة هي أهم وأبرز عوامل اجتماع أبناء الشعب الواحد. وإذا ضاعت لغة أقليّة ما، فسوف تنصهر في الأكثرية، بطبيعة الحال. ولأن الكُتّاب التركمان كانوا يدركون هذه الحقيقة جيدًا، قاموا بنشر الكثير من المقالات في مجلة “صوت الاتحاد” حول هذا الموضوع وكل الموضوعات الثقافية التي تتناول مسألة الحفاظ على اللغة الأم والهوية الثقافية. كما قاموا أيضًا بنشر أشعار ومقالات الشاعر التركماني هجري دَادَه، التي ينادي فيها بأهمية الحفاظ على اللغة الأم. ولكن للأسف، كان التركمان يفقدون لغتهم الأم يومًا بعد آخر. ولم تكن سياسة فرض العربية على الأقليات في العراق وحدها، بل كان مثلها أيضًا في إيران وأذربيجان.

* فصل من كتاب “الدنيا قِدرٌ كبيرٌ وأنا مِغرفة: رحلة مصر والعراق” الحاصل على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة (2021 – 2020) في فرع “الريبورتاج الرحلي المترجم – الرحلة الصحافية” بترجمة: أحمد زكريا وملاك دينيز أوزدمير، ويصدر في الأشهر القادمة.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى