مرآة الضوءمسرحُ أفلام

هل يعكس فيلم Flow أزمة اللاجئين والمشرّدين جراء الكوارث البيئية؟

يمزج الفيلم بين الكوارث الطبيعية، ليصوّر عالمًا يبدو وكأنه نشأ بعد زوال البشرية: فيضانات تجتاح كل شيء، تاركة خلفها حيوانات تتنقل بين أنقاض الحضارة، في إشارة ضمنية إلى ماضٍ بشري مندثر

فيلم فلو Flow

بقلم شيماء اليوسف

تخيل نفسك على متن سفينة تائهة وسط البحر، محاطًا بعشرين شخصًا لا يتحدث أي منكم لغة الآخر. عالم من الاختلافات يجمعكم، أفكار، توجهات، وثقافات متباينة، لكن مصيرًا واحدًا يوحّدكم في لحظة عاصفة. تهب الرياح العاتية، ولا صوت يعلو سوى صخب العاصفة وحركة الأمواج العنيفة، بينما تواجهون معًا المجهول، بلا لغة مشتركة سوى غريزة البقاء.

هذا بالضبط ما حدث مع القط فلو Flow، البريء الذي وجد نفسه في مواجهة كارثة بيئية وسط مجموعة متنوعة من الحيوانات. لكن هذه ليست مجرد شخصيات، بل تمثيلات مجازية للكائنات البشرية، لكل منها أسلوبه في التعامل مع الأزمة، من التكيّف إلى الصراع، ومن الأنانية إلى التعاون.

الكارثة البيئية هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل تعكس الواقع البيئي المتدهور، مسلطة الضوء على تأثيرات تغير المناخ والفوضى التي تغرق فيها الأرض بسبب السلوك البشري. القط الأسود الوديع يرمز إلى البراءة الضائعة أو التائهة وسط عالم ينهار، بينما تعكس بقية الحيوانات أنماطًا مختلفة من ردود الفعل البشرية: البعض يقاتل من أجل البقاء، البعض يستغل الفوضى، وآخرون يستسلمون للتيار.

لكن لماذا اختار صُنّاع فيلم فلو Flow الاعتماد على السرد البصري والموسيقى بدلًا من الحوار لنقل المشاعر؟ هل كان ذلك محاولة لمحاكاة واقع لا نفهم فيه لغة الحيوانات، مما يجعل التجربة أكثر صدقًا وقربًا من الطبيعة؟ أم أن قصة القط فلو Flow، الذي يجد نفسه في عالم جديد بعد كارثة طبيعية، تحمل بُعدًا استعاريًا يعكس أزمة اللاجئين والمشرّدين جراء الكوارث البيئية؟

وربما يكون الفيلم في جوهره تحذيرًا لما قد يواجهه البشر جميعًا إن استمروا في إلحاق الأذى بالكوكب.

عُرض فيلم فلو (Flow) للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان كان السينمائي 2024، ويمثل تجربة سينمائية مختلفة عن الأنماط التقليدية للأنيميشن، من إخراج وكتابة اللاتفي جينتس زيلبالوديس، وهو كاتب معروف بأعماله في مجال الرسوم المتحركة.

 حصد فيلم فلو Flow ، جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة في حفل توزيع جوائز جولدن جلوب لعام 2025، متفوقًا على أفلام مثل (Inside Out 2) و (Moana 2)، هو أول فيلم لاتفي يُرشح لجائزة الأوسكار، لذلك تم عرض الجائزة في المتحف الوطني للفنون في دولة لاتفيا لمدة أسبوع تقديرا لهذا الحدث التاريخي.

يقدم فيلم فلو Flow تجربة آسرة، مستعرضًا دراسة واقعية لسلوكيات الحيوانات دون الحاجة إلى الحوار، إذ تنقل الإيماءات وحدها مغزى تصرفاتها، مما يسمح للمشاهد بالتفاعل مع القصة على مستوى حسي بحت.

يمزج الفيلم بين الكوارث الطبيعية، ليصوّر عالمًا يبدو وكأنه نشأ بعد زوال البشرية: فيضانات تجتاح كل شيء، تاركة خلفها حيوانات تتنقل بين أنقاض الحضارة، في إشارة ضمنية إلى ماضٍ بشري مندثر. ثم يأتي الجفاف، حيث تنحسر المياه، ويظهر مشهد موت كائن ضخم يشبه الحوت بجانب طائر طويل القامة، وكأن الفيلم يلمّح إلى الانقراض.

تضفي الموسيقى التصويرية المهيبة رهبة تعكس الحضور الطاغي للطبيعة، لتجعل من فلو Flow أكثر من مجرد فيلم—إنه رحلة تأقلم مستمرة، حيث تنساب الحياة كما ينساب الماء، في حركة دائمة لا تتوقف.

تبدأ الأحداث عندما يتجول فلو Flow في الغابة، ليجد نفسه أمام تماثيل لقطط بأحجام مختلفة، وكأنها بقايا مدينة قديمة للقطط. يواصل طريقه بحذر، متسللًا عبر نافذة غرفة هادئة داخل منزل بشري مهجور. بعد أن يستلقي مسترخيًا على السرير، يعود إلى بركة المياه ليروي عطشه. لكن أصوات كلاب تقترب، تدفعه إلى التخفي، إذ يراهم يصطادون السمك. فجأة، تندفع سمكة نحوه، فيلتقطها بسرعة، مما يثير غضب الكلاب التي تلاحقه، غير أن جذع شجرة يسد طريقهم، فيختبئ مؤقتًا. لكن أصوات الطيور المحلقة تحذّره من خطر داهم، خاصة مع عودة الكلاب التي لم تستسلم لمطاردته.

في الوقت ذاته، كانت الغزلان تتبع اندفاع الكلاب ومخاوفهم، فهرولت مذعورة خلفهم، مدفوعة بغريزة البقاء. يجد فلو نفسه بين أقدامها، تائهًا وسط الفوضى، يصدر أصواتًا تعكس قلقًا لا يدرك سببه. تحت وطأة الأقدام المتسارعة، يشعر بالعجز، بلا عائلة تحميه أو صوت يحذّره من الكارثة الوشيكة. حتى جاء الطوفان، ليجرفه مع مخاوفه نحو المجهول.

جسّد المخرج استغاثة فلو Flow من خلال صرخاته في الخلفية، كصرخة يائسة تبحث عن يد تمتد لإنقاذه من الجحيم الذي يغرق فيه.

لكن القدر ألقى له بطوق نجاة على هيئة جذع شجرة متدلٍ فوق المياه. تشبث به سريعًا، محاولًا استيعاب ما يجري حوله، حتى لحق به كلب آخر، فاجتمع كلاهما على الجذع الهش. لم يعد الصراع على السمكة، بل بات صراعًا للبقاء، حيث وجد الاثنان نفسيهما في مواجهة الموت، مترابطين في حلقة مصير واحدة.

ينبح الكلب على رفاقه بعدما نجا من الموت المحدق، فيجيبونه كأنهم يطمئنونه بأن عائلته بخير. لكن فلو Flow لا يملك عائلة، فهو وحيد، إلا أن القدر كان قد خطط لوهبِه عائلة جديدة تولد معه من رحم المعاناة.

المياه تتدفق بقوة، تستعد لاجتياح كل شيء، ولم يبقَ سوى قارب صغير يطفو وسط الطوفان، قد يكون الملاذ الأخير في هذا العالم الذي ينهار. يطلق الكلب نداءً للقط، يحثه على الفرار معه، مشيرًا بعينيه إلى القارب. لكن مشاهد جثث القطط المبعثرة تلوّح له بتحذير مرعب، نذيرًا بمصير مجهول إذا لم يغتنم الفرصة. المكان الذي كان يومًا ملاذًا له قد غمرته المياه، حتى منزله لم يسلم من الغرق.

يصعد فلو Flow إلى القارب، مشبعًا بالخوف، لكنه خوفٌ أقل وطأة من الموت الذي كان قاب قوسين أو أدنى منه. فجأة، يجد نفسه في مواجهة «كابيبارا»، ينظر إليه بتوجس، لكن الأخير لا يسعى سوى إلى التعارف، إلى أن يجد من يخفف عنه وحدة الفقدان. شيئًا فشيئًا، يطمئن فلو إلى جواره، حتى يغلبه النوم.

لكن أصوات الخطر لا تتوقف، تحيط بهم من كل جانب. يندس القط فوق القارب، متوجسًا من أصوات القلق المتصاعدة. يتحرك بحذر، يستطلع ما يحدث، ليجد «الليمور»، مخلوقًا آخر جرفه الطوفان وسلب منه كل شيء. بينما يواصل القارب رحلته، يعبر على أطلال مدينة مهجورة، بقايا حضارة أُبيدت. تحيط به أسراب من الأسماك الهاربة، تندفع في سباق يائس نحو النجاة، في مشهدٍ يجسد الصراع الأبدي بين الحياة والموت.

يتجلى مشهد سقوط فلو Flow من القارب وسط أمواج الطوفان العاتية كصراعٍ قصير لكنه مصيري، معركة جديدة للعودة إلى القارب، ذاك الذي بات رمزًا للحياة ذاتها. على سطحه، يتوجب على من يعتليه أن يتكاتف ويتجاوز خلافاته، لأن النجاة لا تمنح إلا لمن يتحد أمام الخطر.

في أعماق المياه المعتمة، يتصاعد الخوف ويُطبق اليأس على فلو Flow ، مستسلِمًا للنهاية الوشيكة. لكن فجأة، تنتشله سمكة حوت، ترفعه على ظهرها، لتوقد في داخله شمعة أمل جديدة. يستعيد وعيه ليجد نفسه محمولًا بين قدمي طائر ضخم، يحلق به عاليًا. يشتد رعبه من جديد، لكنه يبذل جهدًا للإفلات، لينتهي به المطاف ساقطًا في صحن القارب مرة أخرى.

على امتداد الأفق، تلوح يدٌ بشرية مرفوعة ورأس إنسان مُعلّقان في اتجاه مسار القارب، وكأنهما إنذارٌ صارخ بانقراض البشر، نهاية حادة محفوفة بغضب الطبيعة وانتقامها.

يرتطم القارب ببقايا منزل متهالك، فيهرع «الكابيبارا» و«الليمور» إلى داخله، يجمعان بعض الأدوات، رغم أنهما لا يفهمان بعضهما البعض. يدركان سريعًا أن الوقت لا يسمح بالتأخير، فيفران قبل أن تبتلع المياه ما تبقى من المنزل.

بينما يستعيد فلو Flow أنفاسه، تعود إلى مخيلته مشاهد الغزلان الهاربة في مطلع الطوفان. المشهد الذي لم يفارقه، وكأن الفاجعة لا تزال تقتات على صدره، حتى وهو ناجٍ على سطح القارب.

يتولى القط فلو Flow دفة القارب، يوجّهه نحو اليابسة، حيث يتوق رفاقه الثلاثة إلى ملمس الأرض الصلبة تحت أقدامهم. يقفزون إليها في لهفة، كأنهم ينهلون من حنينٍ قديم إلى التراب، يشبعون أنفاسهم برائحة الحياة التي كاد الطوفان أن يسلبها منهم. فجأة، يظهر الكلب، تتجلى في عينيه دهشة ممزوجة بالفرح، كأنه لم يصدق أن القدر منحه رفاقًا مجددًا. في تلك اللحظة، وكأنما يدٌ خفية امتدت إليه، عاد الأمل ليتغلغل في روحه التي أوشكت على الاستسلام للوحدة والموت.

يشعر فلو Flow بجوعٍ ينهش معدته، فيحاول التقاط سمكة، ربما تمنحه إحساسًا بالحياة التي عرفها قبل الغرق. لكنه يتردد، كأن شعورًا غامضًا بالارتياب يقيّده، قبل أن يظهر الطائر الأبيض الضخم، بجناحيه العريضين، ويحقق له ما عجز عنه، باسطًا أمامه سمكة وكأنها هدية للبقاء.

في كل مشهد، يتجلى صوت فلو Flow دون كلمات، صرخاته تحمل الخوف حينًا، والمناجاة حينًا آخر، وحتى الشكر الصامت، حيث يترجم صوته ما تعجز عنه الحوارات.

تتسع دائرة الرفاق، فيصبحون أربعة، لكنهم سرعان ما يكتشفون أن الأرض التي وطئوها ليست لهم وحدهم. إنها مملكة تحكمها طيور البجع الكبيرة، المنقسمة بين مرحّبٍ بهم ورافضٍ لوجودهم. يحتدم الصراع بين الطائرين، حتى يحسمه البجع المسيطر بالقوة، محطمًا جناح أحدهم، مُسقطًا إياه في هزيمةٍ مؤلمة. يراقب الرفاق المشهد بأعين مثقلة بالأسى، وكأنهم يرون انعكاسًا لمصائرهم المعلقة. ومع ذلك، لا يتركون الطائر المكسور وحيدًا. على متن القارب، ينضم إليهم، ليصبحوا خمسة. لم تعد بينهم فوارق أو اختلافات، فقد أصبحوا عائلة واحدة، يجمعهم مصيرٌ واحد، ومستقبلٌ مجهول، وطريقٌ واحد نحو النجاة.

يحاول الرفاق التأقلم مع واقعهم الجديد، متجاوزين الخوف والغرابة، باحثين عن لحظات من التعايش والانسجام. الكلب يسحب لعبة بين فكيه، يلوّح بها وكأنه يستجدي رفيقًا يشاركه اللعب، بينما يحاول القط فلو Flow تقليد وقفة البجع، منتصبًا على ظهر القارب في محاولة للانتماء. وفي لحظة غير متوقعة، يلمح الليمور قاربًا آخر، وعلى متنه عائلته المفقودة. تتسارع دقات قلبه وهو يلوّح لهم بفرحة غامرة، لكنهم، بعد لحظة تردد، يديرون ظهورهم ويغادرون، تاركينه خلفهم ليواصل رحلته مع رفاقه الجدد.

يتسلل القارب داخل مدينة غارقة، أطلال من إرث البشر، لكنها بلا بشر. هنا، حيث الطبيعة استعادت سيادتها، يندلع خلاف بين الرفاق؛ البجع يركل كرة الكلب فتسقط في الماء، ما يثير غضب الليمور الذي يصرّ على استعادتها، لكن البجع يرفض، وكأن هذا المشهد البسيط يعيد تجسيد صراعات البشر القديمة، حيث تُرسم الحدود وتُفرض الإرادات.

مع مرور الوقت، لم يعد القارب مجرد وسيلة للنجاة، بل أصبح وطنًا آمنًا، يلوذ به الجميع. لم يعد فلو Flow ذاك القط المرتاب والخائف، بل تحول إلى صياد ماهر، يقفز إلى الماء، يلتقط الأسماك الصغيرة، ثم يعود بها إلى سطح القارب، يطعم رفاقه الجائعين، يملأ بطونهم كما يملأ قلوبهم بالدفء والمسؤولية. لقد أصبحت هذه العائلة الجديدة جزءًا منه، ووجد في خدمتهم معنى جديدًا للحياة.

من قال إن الفيلم، يخلو من الحوار؟ الأصوات المتبادلة بين الحيوانات تشكّل لغة متكاملة، تحاكي الطبيعة وتختزل المشاعر بعمق أبلغ من الكلمات. منذ الطوفان، حينما صدح فلو Flow مستغيثًا، وعندما دوّت نداءات الكلاب العالقة خلف بوابة منزل مهجور، وحتى اللحظة التي رفع فيها الرفاق أصواتهم، متوسلين إلى البجع قائد القارب أن يتجه نحوهم لإنقاذ الكلاب. في كل لحظة، لم تكن هناك حاجة للكلمات، فقد تكفّلت الأصوات بنقل كل ما لا يمكن للغة أن تعبر عنه.

على أنقاض مدينةٍ بناها البشر، تلقي المياه بالقط فلو Flow، فيتسلق سلماً صخرياً مسرعاً نحو القمة. هناك، يقف البجع شامخاً، كما لو كان يبحث عن خلاصٍ من الطوفان، محاولاً الفرار من المدينة الغارقة، محلقاً نحو السماء. يراقبه فلو Flow، يحاول قراءة أفكاره، وكأنما يريد أن يقول له: «لست وحدك… لا تيأس»، أملاً أن يبعث فيه الأمان، لكنه لم يستطع وبينما تتلاشى صورة البجع في الأفق، أدرك القط فلو Flow، أن عليه مواصلة الطريق.

عاد فلو Flow باحثاً عن القارب ورفاقه، فلا يجد أحداً. تجرفه المياه فوق كرةٍ طافية حتى يبدأ الطوفان في التراجع، وترفع الأشجار رؤوسها من جديد، تستعيد الأرض أنفاسها، ويبدأ فلو بالصراخ بحثاً عن عائلته.

لا أحد يجيبه، لكنه يشعر بوجودهم. يتحسس أثرهم حتى يجد القارب معلقاً في غصن شجرة، ورفاقه محاصرون بداخله، ينادون طلباً للنجدة. يقاتل لإنقاذهم من موتٍ محتوم، يقفزون واحداً تلو الآخر إلى اليابسة، وما إن تسقط الشجرة آخِذةً القارب معها، حتى يتعالى هتافهم فرحاً بنجاتهم، وكأنما زالت كل الفوارق أمام غضب الطبيعة، ولم يبقَ سوى غريزة الحياة التي جمعتهم معاً.

يُختتم الفيلم بمشهد الحوت، الذي جرفه الطوفان بعيداً عن المحيط، بعيداً عن موطنه وعائلته، حتى لم يعد قادراً على العودة. يقف فلو Flow أمامه، يلامسه بحزن، كأنما يواسيه، يعبر بلمسته عن وداعٍ أخير، عن حبٍ رغم الاختلاف، عن صداقةٍ تتجاوز الحدود.

*****

الكاتبة المصرية شيماء اليوسف

شيماء اليوسف

خاص قنّاص – مسرح أفلام

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى