نتيجة الحائط
حين اتّجه ببصره إلى نتيجة الحائط؛ انتبه لوجود وريقات قديمة، عالقة بكتلة من الأوراق لا تسمح لورقة منها بالانفلات والسقوط مالم تمتد أصابع لنزعها.
اليوم يشبه ما حدث في الأسبوع قبل الماضي، حيث وجد بالنتيجة ست وريقات صرفته عنها شواغل الدنيا، كل ورقة ينزعها تواجهه بسؤال «الأيام تجري دون جلبة، فهل شعرت بجريانها»؟! ويجيب على نفسه: «نعم. مَرَّتْ سريعًا ولا أدري كيف مرّت».
كان في الشهر الأول من العام الجديد، يسحب ورقة كل يوم بانتظام، ويقرأ في عجالة العبارات والأمثال التي يحض بعضها على الفضيلة، ويظهر بعضها الآخر تفاهة الحياة ومتاع الدنيا الفاني، فيهز رأسه بتأثر يتغلغل سريعًا إلى روحه. الآن، بعدما قرأ السطور المطبوعة باعتيادية وامتثال للأمر الواقع؛ ضغط الوريقات فصارت كورقة قمامة أدّت مهمتها، سار إلى المطبخ، حيث تقبع في ركن منه سلّة المهملات، فتحها وألقى بأسف ثلاثة أيام في نصفها الفارغ.
هو يفهم صيرورة الأحداث على هذا النحو: أن كل حدث يصعد إلى ذروته قبل انتهائه، تمامًا مثل تلك الأوراق الملتصقة بغراء قوي المفعول، تشهد على ما حدث وما يجيء به التاريخ من أفراح وأتراح.
كلما يفكر في العطايا التي تهبها الحياة أو تمنعها، وفي تقلباتها المفاجئة، والصادمة أحيانًا؛ يغمغم مرددًا: «لابد للأيام أن تمضي».
تحتفظ ذاكرته برصيد من الصور، تسطع أمام عينيه كضوء كاشف، يزيل منهما القشور والغبار المتراكم تدريجًا كي يرى دائمًا بوضوح.
من بين الصور الأكثر إلحاحًا وثباتًا في وعيه صورة قطار لا يُهدّئ من سرعته على القضبان الحديدية، كأنه في سباق مع الزمن، للوصول إلى آخر المحطات، يرى في هذه الصورة الرمزية ما يكمّل المعنى للأوراق المتناقصة من نتيجة الحائط، بتلاشيها ورقة إثر ورقة، يعاوده التساؤل «كيف جرى العمر من دون الإحساس به»؟! كما لو كنت في سفر، تحثُّ الخطى إلى قدّام فيما تنطرح الأيام تباعًا خلف ظهرك، هل تتخلص من النتيجة بإقصائها من على الحائط؟! لكن الوقت سوف يلاحقك على شاشة الموبايل، أو بأية وسيلة يختارها.
ربما لهذا السبب ظلت ساعة بحجم كبير تحتل جانبًا آخر من الوعي، كانت في صدر أحد جدران المؤسسة التي عمِلتَ بها، وللحقيقة لم يزعجك صوت عقربها ونقراته الرشيقة المنتظمة لمّا أرهفت السمع إلى الساعة، لم تكن للوقت تلك الأهمية قبل الإحالة على المعاش، كأن لا دور لنتيجة حائط سوى التذكير باقتراب النهاية، لكن أيّة نهاية؟! حياتك، أم نهاية عالم لا يختلف طبعه عن قانون الغاب، يصفه فريدريك نيتشه الفيلسوف الألماني بقوله «يأكلون بعضهم بعضًا ليعيشوا على نحو يعتقدونه أفضل».
على أي حال، لا فرق بين موتك ونهاية العالم، والسؤال الأخير: فيما سينقضي ما تبقّى من العمر…؟! ليس بوسعك غير أن تقرأ وتقرأ، ثم تكتب لكي تظل على قيد الحياة.
يعتقد أنه كتب قصة جيدة، لكن نهايتها في رأيه تقريرية، سيضع لها بعد تناوله الغداء خاتمة أخرى، حفظها مؤقتًا على جهاز الكمبيوتر وأغلقه، في طريقه إلى المطبخ حانت منه التفاتة إلى نتيجة الحائط بغرفة المعيشة، قرر مثل بطل قصته ألا ينزعج لرؤية كتلة الورق المثبتة على النتيجة يتناقص عددها، سوف يتوقف أيضًا عن إحصاء عدد الوريقات التي تنتزعها يده، فلا فائدة من ذلك طالما فات الأوان لإتمام أُمور في حينها.
بعد كل غداء يقرأ ويتجاهل النظر إلى نتيجة الحائط، ومع ذلك، في وقت غداء أحد الأيام التفت إليها لمّا نسى تاريخ اليوم، لم يجد أيًّا من الأوراق على سطحها، عاد إلى القراءة للخلاص من التفكير باحتمال أنه في واحدة من النوبات المتكررة لخوفه الغامض؛ انتزع من الحائط بقية أيام السنة ورماها دفعة واحدة في سلة المهملات.
القاص المصري سمير حكيم














