أرخبيل النصوصجسدُ السرد

قصة قصيرة: حين تصبح الحياة سباقا تخسره قبل أن تركض

لعنة أن أصل دائماً متأخراً، يفوتني القطار الأخير، تماماً كما كتب كافكا: لقد فاتني القطار لكني لم أعد راغباً في السفر

محمد أبو زيد يكتب: حين تصبح الحياة سباقا تخسره قبل أن تركض

يقال إنّ لكل إنسان قصة حب واحدة، وقطاراً لا ينتظر، وصباحاً تأخر عليه إلى الأبد، بعضنا يعيش حياته في الصفوف الأمامية، والبعض الآخر لا يجد لنفسه مقعداً، هذا النص ليس عن الانتصار، بل عن كل شيء فات، عن الطفولة التي لم تُلتقط، والحب الذي لم يُعش، والحكاية التي بدأت ولم تُكتب.

الفوات قبل الأوان

منذ طفولتي وأنا أصل متأخرا، كل شيء جميل فاتني وكأن الحياة كانت توزع فرصها في طابور الصباح وأنا لا أزال أرتدي فردة الحذاء الثانية، كنت الطفل الذي يأتي من أقصى المدينة – يجري – بخطى لاهثة، يسبق الشمس أحياناً، لكنه يصل متأخّراً، يحاول اللحاق بالنشيد الوطني فيفشل، وقبل أن يلتقط أنفاسه يجد الناظر واقفا على باب المدرسة بعصاه كأنه حارس الزمن، لم تكن عصاه مجرد وسيلة عقاب بل تذكير يومي بأنني وصلت متأخراً من جديد، كنت أعود إلى مكاني في الفصل، أضع يدي المتورمتين على الطاولة، وأتظاهر بالكتابة بينما أتأمل تفاصيل السقف.

نجمة اسمها ليلى

ذات صباح نظرت لي الأستاذة منى بنظرة أمهات غير مقتنعات، وسألتني: إنت ليه بتتأخر كل يوم؟

أخبرتها ببراءة لم تكن تتوقعها أنني أنام على سطح بيتنا، لا لأرقب القمر بل في انتظار «ليلى»!

رفعت حاجبيها باستغراب: ليلى؟

قلت لها: ليلى ليست فتاة، إنها نجمة في السماء، لكنها مختلفة، أكثرهم لمعاناً، وكأنها الوحيدة التي تراني. أكلمها كل ليلة، نحكي بصمت، نظراتي تلتقي بها، فأشعر أن هناك من يسمعني في الأعلى.

قاطعتني بنظرة مشفقة، ودست يدها داخل حقيبتها وأخرجت دواء الضغط وقالت: «باين عليك مجنون.. يا ريتني ما سألتك». ربما كنت طفلاً حالماً أكثر مما يجب، أو هارباً من عالم لا يحتمل البطيئين المترددين الذين يتعثرون في كل شيء حتى في النوم.

لعنة الوصول المتأخر

ربما كنت مصاباً بلعنة لا تُشفى، لعنة أن أصل دائماً متأخراً، يفوتني القطار الأخير، تماماً كما كتب كافكا: «لقد فاتني القطار لكني لم أعد راغباً في السفر». يجلس في المقعد الوحيد الفارغ في المترو شخص يشبهني ولكنه سبقني بثواني، حتى بائع الجرائد يعتذر لي لأن (النسخة الأخيرة) بيعت للتو، أحياناً يبدو أن الحياة تُدير ظهرها لمن يتأخر عنها وكأنها تعاقبنا لأننا لم نأتِ في الموعد.

حين تعيش في الهامش

كل مرحلة من حياتي حملت في طياتها شعوراً غريباً بأنني أصل متأخراً دائمًا، كتبت نصف رواية ثم انشغلت بنصف حياة، حتى الحب نفسه كان يمر جواري ثم يعبر إلى جهة أخرى، لم أختبر قصة حب حقيقية، كل ما مر بي كان يشبه (العابرون في كلمات عابرة) كما قال محمود درويش.

الحب الذي لم يحدث والرواية التي لم تُكتب

منذ سنوات كتبت أول فصول روايتي عن بطل وحيد وحبيبة، ثم توقفت كما لو أنني أنتظر شعورا لم يأت أو حدثا ينقذ النص أو حبّا يبرر الكتابة، ولم يأتِ شيء، بقيت الرواية مثل حياتي متأخرة، باردة.

أعرف لِمَ لَمْ أُكمل روايتي الأولى، لأن الحياة نفسها كانت ناقصة؛

كلما حاولت الإمساك بخيط الحكاية انقطع في المنتصف، أنا لا أصدق ماركيز حين قال «يبدأ الحب وكتابة الرواية في الخمسين». أعتقد أن قلبي في هذا العمر سوف يكون مُتعبا من التأخير ولن يعرف الحب، بالكاد ما أفعله هو الجلوس على كرسي هزاز، أدخن سجائري وأحاول إنهاء الرواية التي بدأتها منذ سنين، لكن هذه الرواية وأنا في سن الخمسين لن تكون عن العشاق، سأجعل أبطالها أشرارا ناقمين، يكرهون الأغنياء والمصادفات والحظ، سأكتبها كما لو كنت أكتب انتقامي من عالم يركض أسرع مني دوماً، ربما الكتابة ليست علاجاً لكنها على أقل تقدير انتقام جميل من الزمن.

هل الجحيم هو الآخرون يا سارتر

قال سارتر «الجحيم هو الآخرون»، لكني أظن أن الجحيم الحقيقي هو أن تدرك أنك وصلت بعد فوات الأوان، أن تفتح الباب بعد أن يُغلق، أن تكتشف الحب بعد أن يُغادر، أن تدرك ما تريده بعدما لا يعود متاحاً، أن تحب شخصاً تزوج، وأن تكتب رواية بعد أن نسيت شعورك الأول، وأن تفهم الحياة فقط عندما لا تعود قادراً على عيشها، كل ما يمكنني فعله هو أن أكتب، أحوّل هذا التأخير إلى قصة، وأن أدعو الله في سري أن يقرأها أحد في الوقت المناسب.

*****

الكاتب والصحفي المصري محمد أبو زيد

محمد أبو زيد

خاص قنّاص – جسد السرد

اقرأ أيضا في قنّاص

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى