أحبار التُرجُمانمكتبة بورخيس

المجري الفائز بنوبل .. سيّدُ الكتابة عن نهاية العالم: لاسلو كراسناهوركاي

بهذه الرواية أستطيع أن أُثبت أنني كتبت في حياتي كتابًا واحدًا فقط. الكتاب هو تانغو الخراب، كآبة المقاومة، حرب وحرب، والبارون. هذا هو كتابي الوحيد

لاسلو كراسناهوركاي: سيد الكتابة عن نهاية العالم

بقلم: جورج سيرتيس، ترجمة: إبراهيم فوزي

نُشر المقال في موقع TLS ، وتمت الترجمة إلى العربية بتصريح من جورج سيرتيس. اللغة الأصلية للنص: الانجليزية، تاريخ النشر: 17 أكتوبر 2025.
جورج سيرتيس: شاعرٌ ومترجم بريطاني، يترجم عن اللغة المجرية إلى الإنجليزية. ينحدر أصلًا من المجر، وقد عاش في المملكة المتحدة معظم حياته بعد وصوله إليها لاجئًا في سن الثامنة.

***

لاسلو كراسناهوركاي هو ثاني كاتب مجري يحصل على جائزة نوبل في الآداب، بعد إيمري كيرتش، المعروف عالميًا بروايته المعنونة «بلا مصير»، التي تحكي عن مراهقٍ في الخامسة عشرة من عمره يُسجن في أوشفيتز، وبعد خروجه وعودته إلى وطنه، يكتشف أنه لا أحد يفهم معاناته، وقد انفصلت الكلمات عن معانيها الحقيقية.

كُتبت رواية كيرتش في الستينيات، لكنها لم تُنشر إلا عام 1975. وقد نال جائزة نوبل في 2002، أي بعد سبع وعشرين سنة من نشر العمل الأصلي، وعشر سنوات بعد الترجمة الأولى، والتي سرعان ما تبعتها ترجمة أفضل للمترجم تيم ويلكينسون بعد عامين. في هذه الأثناء، تغيّرت طبيعة أعماله؛ فاختفى النثر البسيط الواضح ليحل محله كتابة أكثر كثافة تعكس التعقيد والصدمات التي عاشها.

أما كراسناهوركاي، فقد صدرت أول أعماله «تانغو الخراب» عام 1985 حينما كان في الثلاثين من عمره، وتبعتها بعض الروايات القصيرة. اليوم هو في الحادية والسبعين، وكما حدث مع كيرتش، جاءت جائزة نوبل متأخرة كثيرًا. لقد حقّقت «تانغو الخراب» نجاحًا في الترجمة الألمانية، لكن الرواية التي رسّخت مكانته العالمية بشكل أكبر هي «كآبة المقاومة» الصادرة عام1989 ، والتي فازت بجائزة بيستنليست في ألمانيا، وكانت أول رواياته التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 1998.

دخل صاحب نوبل إلى الساحة الإنجليزية والأمريكية على استحياء؛ حيث نالت كتبه مراجعات جيدة، وإن كانت قصيرة، لكن سمعته القوية تشكّلت بين القراء رويدًا رويدًا. صدرت رواية «حرب وحرب» عام 1999، وتُرجمت إلى الإنجليزية عام 2006، ثم كانت القفزة الكبيرة في مسيرته عندما نُشرت «تانغو الخراب» بالإنجليزية عام 2012.

قد يُشبه دور تلك الرواية في بناء سمعته الأدبية عالميًا دور «أوستيرليتز» في شهرة سيبالد عام 2001، الذي وافته المنية في العام نفسه. مع نشر تلك الرواية تدفّقت الثناءات على كراسناهوركاي في العالم الناطق بالإنجليزية، وكان في المقدمة سوزان سونتاج وجيمس وود.
والجدير بالذكر أيضًا أن سيبالد قد كتب عن «كآبة المقاومة»:
«إن رؤيته الشاملة تضاهي (النفوس الميتة) لجوجول وتتجاوز كثيرًا هموم الكتابة المعاصرة».

يجمع كراسناهوركاي وسيبالد – علاوة على أنهما من أبناء أوروبا الوسطى الذين نشأوا في منتصف القرن العشرين – حسٍّ من الكآبة القلقة التي تكاد تميل إلى اليأس. التقيت كلاهما في جامعة إيست أنجليا بعدما نُشرتْ «كآبة المقاومة»، حيث حضر كراسناهوركاي ليقرأ أجزاء من الرواية ويجري بعض المقابلات. كانت لغته الإنجليزية متعثّرة آنذاك، ووجدنا أنفسنا نُجري حوارًا فكاهيًا من حيث التوقيت. قلّة هم من يهتمون بحس الدعابة في كتبه، كما في  أعمال سيبالد. لكن هذا الحس الفكاهي موجود، وأنا آمل أن أُبيّنه لاحقًا.

رغم أن تانغو الخراب كانت بداية مسيرته، فإن إصدارها بالإنجليزية كان علامة فاصلة؛ فقد تمازجت تجاربه الروائية مع أعماله السينمائية. تعاون مع المخرج المجري بِيلا تارْ في سبعة أفلام، من بينها «تانغو الخراب»، «تناغمات فيركمايستر» المقتبسة من «كآبة المقاومة»، و«حصان تورينو».

كما في الكتب، اكتسبت الأفلام جمهورًا مخلصًا، رغم طولها وبطئها، وتصويرها بالأبيض والأسود الصارم الذي يعكس إيقاع النصوص. تدور أحداث فيلم «تانغو الخراب» فيما يقارب السبع ساعات وربع. و«تناغمات فيركمايستر»، رغم اختصار جزء كبير من الرواية، يستغرق حوالي ساعتين ونصف.

عالم كراسناهوركاي ليس من الأفلام بل من الكلمات، من الجمل التي لا تنتهي، ومن الفقرات المتداخلة التي تنساب تدريجيًا. أحيانًا تكفي جملة واحدة أو فقرة واحدة. الصفحات تنساب في استمرارية، تعقيدها وزخمها الأدبي يكاد يطغى على التقدم البطيء للأحداث، كحمم بركانية تزحف لا محالة على المنظر العام.

نُشرت «تانغو الخراب» في السنوات الأخيرة للإمبراطورية السوفيتية، تلك الإمبراطورية القاسية الفاسدة التي بدا أنها ستظل إلى الأبد. حينها بدا كل شيء على حافة الانهيار. حاول معاصروه البارزون في المجر، مثل بيتر ناداس وبيتر إسترهازي، أن يمنحوا ذلك الواقع صوتًا بطرقهما المميزة: ناداس من خلال تضخيم الذاكرة والتجربة (من ينسى قُبلة الصفحات التسع في كتابه كتاب الذكريات)، وإسترهازي من خلال مغامرات لغوية بعد حداثية. لقد كانت عبثية الواقع، وعدم الاستقرار، واليأس تطارد الوعي في أوروبا الوسطى خلال القرن العشرين، وعالم كراسناهوركاي المحلي يغوص بعمق في هذا الهاجس.

تدور تانغو الخراب في مزرعة تعاونية تحتضر، في مجتمع هامشي بلا أمل أو ترفيه سوى حانة صغيرة حيث رقص التانغو. تدور أحداث «كآبة المقاومة» في مكان مشابه، ولكنها تحدث في بلدة صغيرة وليس في قرية، تواجه السلطة الفوضى والدمار والذي يتمثل في حوت ضخم يُعرَض في الساحة المركزية. بينما تبدأ «حرب وحرب» في مدينة متهالكة، حين يكتشف أمين متحف نصًا غامضًا يقوده إلى نيويورك الفوضوية والخطرة، ثم كولونيا في القرون الوسطى، ثم سويسرا بحثًا عن معنى، ومعه الدمار يلاحقه.

إرث كراسناهوركاي يستمد جذوره من دوستويفسكي، جوجول، وكافكا، مع لمحة من روبرت فالزر وتوماس بيرنهارد؛ حيث ينبثق من أرضٍ نفسية وتاريخية مشتركة. التفكّك البطيء للنفس والمجتمع والجسد، بل للعالم ذاته، هو الثيمة التي يصارعها ليس فقط في رواياته بل في قصصه ومقالاته؛ فجميعها أجزاء من الكون ذاته في مرحلة متقدمة من نهاية العالم، ولهذا وصفته سوزان سونتاج بـ «سيد الكتابة عن نهاية العالم».

ومع ذلك، في «حرب وحرب» وفي أعماله المترجمة من قِبَل أوتيلي مولزيت وجون باتكي، ثمة محاولة لاستكشاف عالم خفي من النظام، كما يظهر في النص الغامض الذي يقرأه الأمين، وفي شخصية إستر المهتمة بالموسيقى التي تبحث عن تناغم طبيعي في عالم مضطرب. في حوار دار بيننا بعد نشر «تانغو الخراب»، حين توقفتْ ترجمتي لأعماله الطويلة وتسلمتْها مولزيت، سألته: «إلى أين الآن؟» فأجاب: «أريد أن أكتب كتابًا بلا شخصيات بشرية على الإطلاق».

ذلك الطموح تجلّى في عمله «إلى الشمال جبل، وإلى الجنوب بحيرة، وإلى الغرب درب، وإلى الشرق نهر» الصادر عام 2003، والذي تُرجِم عام 2023 بعد تأخر طويل. تقع أحداث هذا الكتاب في اليابان، ويُعدّ أكثر أعماله هدوءًا، إذ يكاد يتخلى عن الشخصيات ويركّز على حديقة دير في كيوتو، مع اضطرابات في موت الحيوانات، بينما يسعى الكتاب إلى عمق الوجود والخلود. يليها في تسلسل الإنتاج الأدبي لكراسناهوركاي «سيوبو هناك في الأسفل» وهي مجموعة قصصية يواصل فيها سعيه نحو الكمال عبر سلسلة من الفنانين الذين يلاحقون شغفهم بصبرٍ وصرامة. أما رواية «عودة البارون وينكهايم»، الصادرة بالمجرية عام 2016 والمترجمة إلى الإنجليزية عام 2019، فتُكمل دائرة أعماله المتمركزة حول المجر. يقول كراسناهوركاي عن نفسه: «بهذه الرواية أستطيع أن أُثبت أنني كتبت في حياتي كتابًا واحدًا فقط. الكتاب هو تانغو الخراب، كآبة المقاومة، حرب وحرب، والبارون. هذا هو كتابي الوحيد».

وكما في «كآبة المقاومة»، نجد في «عودة البارون وينكهايم» شخصية البارون الذي، مثل إستر، يدفن نفسه في حقلٍ غامضٍ من الدراسة، ساعيًا إلى الانفصال الكامل عن العالم. أما روايته الأحدث المترجمة إلى الإنجليزية «هيرشت» فهي مغامرة أكثر حيوية تدور حول مجرم مهووس بموسيقى باخ. كل ذلك، بطبيعة الحال، يجري داخل جملةٍ واحدةٍ ممتدة.

*****

إبراهيم سيد فوزي: مدرس مساعد الأدب الإنجليزي بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب بجامعة الفيوم. حصل على جائزة iRead فرع مراجعات القراء لروايات نجيب محفوظ في عام 2021.

كراسناهوركاي

خاص قنّاص – أحبار الترجمان

مقالات أخرى لإبراهيم فوزي

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى