خان شاو جونغ: القرويون أساتذتنا في الأدب
الترجمة عن الصينية مي عاشور
خان شاو جونغ من مواليد ١٩٥٣، كاتب وأديب صيني معاصر من مقاطعة خونان. شارك مع زملائه في الثورة الثقافية الكبرى بعد أن عُلّقت الدراسة عام ١٩٦٦. تخرج خان شاو جونغ من جامعة خونان للمعلمين، قسم اللغة الصينية. وهو واحد من أبرز كتاب الصين المعاصرين، تتميز أعماله أنها تتناول الثقافة الشعبية والريفية، والتاريخ والثقافة بعمق. وهو من رواد «أدب البحث عن الجذور»، يقول: «للأدب جذور، وهذه الجذور مترسخة في تربة الثقافة القومية التقليدية، فإنْ كان الجذر غير متغلغل في الأعماق، فلا سبيل للأوراق أن تنبت وتزدهر».

تمت ترجمة المقال بالاتفاق بين الكاتب خان شاو جونغ والأستاذة مي عاشور. صدر في صحيفة جوانغ مينغ اليومية بتاريخ ٢١ أكتوبر ٢٠٢١.
***
قرية بو لوه، هي موطني الذي يألفه قلبي، قضيت فيها وقتاً أطول مما قضيت في تشانغ شا التي ولدت بها، لذا؛ أعرف الكثير عن قرية بو لوه، فهي منحتني قدراً جيداً من المعرفة، والتجارب، والسعادة.
وصلت إلى القرية، الهواء النقي كان يغلف المكان، وينابيع مياه نظيفة، والخضروات يانعة، قطعاً فرص التواصل مع الطبيعة وفيرة. في القرية كلما تفتح الباب لا تلمح الكثير من الناس، بل ترى النباتات، والحيوانات، وتتصل طوال اليوم بالشمس، والقمر، والجبال والأنهار. إن التفاعل في رحاب الطبيعة يكون غاية في الهدوء والأريحية.
من عادات أهل المدينة تفحص الآخرين. فمثلاً عند لقائهم بجارهم -صدفة- في ممر البناية، يلقون عليه نظرة فاحصة لمعرفة أي شخص هو؟ هل يستحق الاحترام أم لا؟ وما هي هويته؟ ومكانته؟ بل وتشغلهم التعابير التي ينبغي أن يظهروها على وجوههم، بحيث لا تجعلهم يبدون في غاية التزلف والغطرسة، وعلاوة على ذلك يكون لديهم العديد من الحسابات.
أما القرويون، فقلوبهم لا تحمل حذراً، ولا يكونون متحفزين. لذا؛ فضحكة القرويين على سجيتها، فنحن ساكنو الجبل قلما نرى ناساً، وعندما نراهم نكون في قمة السعادة والود. في تقديري أن هذه الابتسامة يصعب وصفها، ولكنها أحياناً تبدو لي أشبه بابتسامة الضفدعة، أو الجمل أو حتى السمكة.
لقمر القرية حضور مهيب
عرف أهل القرية بمضي الوقت أنني كاتب، فبدأ يتملكهم الفضول حول كتاباتي. ولاحقاً، كتبت -هناك- نصاً نثرياً طويلاً تحت عنوان: «الجبل من الجنوب، والنهر من الغرب». وكانت ٧٠٪ وربما ٨٠٪ من الشخصيات الموجودة فيه، مستمدة من الواقع. وبالطبع، عندما أكتب، أكون حذراً للغاية، أغير الأشخاص والأمكنة، بل وأبذل قصارى جهدي حتى لا أجعلهم يستشعرون أنني أكتب عنهم أو أشير إليهم. كنت أخاف من الاستفاضة في كتابة بعض الأشياء فتثير حنقهم. في الحقيقة كلهم نجحوا في التخمين، ومن بينهم طبيب؛ لأنني قد حولته في النص إلى طبيب ماهر، معتز بنفسه، ولكن ما لم يعجبه، أن كان لذلك الطبيب أنف أفطس، فقال: «آه، العزيز خان أريد الذهاب والتحدث معه»، لكن بسبب كبر سنه، لم تتح أمامه فرصة ليحضر ويناقشني.
والجدير بالذكر أن أهل القرية، قد نقدوا النص بشكل ممتاز. فأنا أتطلع أن يكون لكتبي تأثير، لا يقف فقط عند الدوائر الأدبية والمثقفين، بل يمتد ليصل إلى العديد من الناس وخاصة البسطاء منهم. فسيكون ذلك أمراً في منتهى الروعة..
هل بوسعنا رؤية القمر في المدينة؟ فهذا على الأرجح أمر نادر، فأكثر ما نراه هو مصابيح الطرقات. ولكن للقمر في القرية حضور مهيب، عندما تخرج في الأماسي، تجد ضوء القمر تماماً أشبه بالشمس التي تعتلي الأفق، يغمرك بنوره، وينثر ضوءه، ويبدو صاخباً، بل ويلمس قلبك.
في القرية، تكون درجة انتشار الصوت ومساحات الرؤية مرتفعين. ليل القرية ساكن، وأحياناً يمكن سماع سعال شخص، أو تهامسه -من على بعد بضعة أميال- بينما يسير في الطريق. فيصل إليك الصوت من مكان قصي، بل ويجتاز جدران بيتك، فهذا شعور عجيب جداً، وكذلك جيد للغاية.
بالطبع؛ هذه كلها تفاصيل صغيرة، والأهم منها هو أنك هناك، ستتمكن من فهم العديد من أنماط البشر -خارج نطاق الدوائر الأدبية والثقافية- من فلاحين، وتجار، وكوادر أساسية، ومدرسين للمراحل الابتدائية. فطريقة تفكيرهم، ونقاط انفعالهم تكون مختلفة عنا بقدر كبير، بل وتفصلنا عنها مسافة، وهذه المسافة والفروقات، فرصة عظيمة لمعرفة المجتمع. بالنسبة للكاتب، هذه طريقة ممتازة لشحن نفسه بالإدراك والمعرفة.
الكاتب لا يستند إلى النظرة الخاطفة
في الماضي، كان الكتّاب -وخاصة المتفرغين منهم- يمكنهم تعويض نقص التجارب الحياتية من خلال جمع المواد بالذهاب إلى أمكنة بعينها، أو العمل المؤقت في وظيفة ما، ولكن في الحقيقة، كل هذه الأساليب محدودة للغاية. إذا ذهبت لعمل مقابلات، يمكن أن يقلق منك من تتحدث إليهم؛ ولأنهم لا يعرفون غايتك وهدفك من وراء ذلك، يتكلمون معك بحذر، ويتفحصونك، ومن أجل حماية أنفسهم لا يقولون الكثير، ويراوغون ببعض الجمل، التي قد يتخللها كلام فارغ، أو يختصرون كلامهم للتخلص منك، وهذا بالنسبة للكاتب أمر غير مفيد بالمرة.
أهم شيء أن يفهم الكاتب الطبيعة البشرية، وهذا الأمر لا يعتمد على المقابلات، ولا التجارب الخاطفة في وقت وجيز. بل على الاحتكاك، والصدف التي تتدفق بتلقائية في الحياة، والاكتشاف عن طريق السعي، لا الطلب. لا يمكن أن تسعى لذلك بغرض المنفعة أو الربح المادي، وأن تفتح عيناك للتفتيش -يومياً- عن أي شخص أو شيء يفيد ما تكتب أو يحرك الحبكة؛ لأنه بهذا الشكل سيكون المردود ضعيفاً. ولكن بمجرد أن تندمج وسط جموع الناس، ستكتشف -بلا مقدمات- أن قلوب العديد منهم تنفتح لك دون أدنى مجهود، بل وسيبدؤون في الإفصاح عن أنفسهم، وحينها ستكون ثمة فرصة عظيمة للاكتشاف.
التعبيرات الشفهية للقروين غذاء لغوي للكاتب
في القرية قَلّم يُستخدم المنطق والمفاهيم للتعبير عن المشاعر، بل تستخدم أساليب السرد والحكي. يمكن أن يتولد منها بعض التعابير الشفهية العبقرية، يكون الكلام حيوياً، واللغة مفعمة بالتصوير والخيال، بل وتفيض بالتجسيد والوصف الحي، في الحقيقة ذلك مرتبط بالأدب بشكل قوي ووثيق.
على سبيل المثال: عندما يغضب أهل القرية، يمكنهم أن يسبوك وينعتوك بأنك سيئ جداً! ولكن بشكل يثير ذهولك! فسباب القرويين يحمل وصفاً نابضاً بالحياة. هناك شخص قد سب ابنه، فقال: «سألكمك حتى أحولك إلى لوحة يشاهدها الناس على الجدار» ، «سأضعك على السندان، وأطرق عليك كقطعة الحديد». فخصائص هذه التعبيرات، محددة للغاية، ومفعمة بالحيوية، وبها تصوير. في الحقيقة هذا حيز مدهش من الخيال، بل وموهبة إبداعية أدبية، فالقرويون بوسعهم أن يكونوا أساتذتنا في الأدب، فلغتهم الشفهية دائماً تمدنا بغذاء لغوي جديد.
اللغة العامية هي لغة الثقافة، أما اللغة الرسمية هي لغة الوسيلة. فلغة الوسيلة، ولغة الثقافة مختلفتان ومتشابهتان، يمكننا رؤية أن نكات الصينيين لا تُضحك الإنجليز عند سماعها. فما الذي ينقصها إذاً؟ قطعاً ينقصها مذاق بعينه، والذي قد يتمثل في الصور، والإيقاع، والإحساس، وحيز التخيل.. إلخ. وهذا لون من ألوان الإبداع الثقافي.
لذا، نحتاج إلى بذل مجهود لإيجاد توازن بين لغة الوسيلة ولغة الثقافة، وأن ما نكتبه يكون مغلفاً بالثقافة ومفعماً بالحيوية، ولكن ليس على حساب فهم الناس له، لأنه ببساطة أمر لا يجوز.
من خلال خبرتي في القرية لسنوات طوال، وجدت أن المشاكل هناك معظمها موجودة في المدينة، والعكس صحيح. ذات مرة، وأنا أحتسي الجُعَّة، مع عجوز -قد اجتاز السبعين- قال لي بعدما شرب ثلاث كؤوس: «العزيز خان، أسألك سؤلاً، فقد شاهدت عشرات المسلسلات، ولكنني لم أعثر -أبداً- على الإجابة». فقلت في قرارة نفسي، قد أعجز أنا أيضاً عن إجابته، ما دام سؤالاً معقداً إلى هذا الحد. فسألني: ما هو الحب؟ وما هي الصداقة؟ ابتسمت، وقلت له، إنه سؤال توجهه إلى الكاتبة جين ياو، وليس لي.
عندما رأيت رجلاً عجوزاً قد اجتاز السبعين، ينشغل بهذه الأسئلة، وتفكيره مثل تفكير الشباب في المدينة. أدركت انطلاقاً من تلك اللحظة: إن طريقة وعادات تعبير القرويين تختلف عن أهل المدينة. فمثل هذا السؤال لا يناقشه القرويون عادة، ولكنهم يناقشونه -فقط- في مواقف أو تحت ظروف معينة، مثلاً بعد احتسائهم بضع كؤوس. ولكنهم لا يرددونه دائماً على ألسنتهم، كغيرهم من الناس، ويفيضون بعواطف جياشة، ويتملكهم الغرام بجنون. فعلى الرغم من أن طرق تعبيرهم مختلفة، ولكن بعض التساؤلات المتشابكة التي تحير قلوبهم -هي نفسها- التي تشغل أهل المدينة.
مقال للأديب الصيني المعاصر خان شاو جونغ: القرويون أساتذتنا في الأدب
الكاتبة المصرية مي عاشور









بالفعل معظم الكتاب والشعراء من أبناء الريف والأطراف بعيداً عن المدن الكبيرة والمراكز، كما يوضح مقال خان شاو جونغ الذي يرى في القرويين أساتذة للأدب ومصدرًا حيًا للغة والصور والتجربة الإنسانية.