أندريه بولين: مذكرات مناضلة أفريقية
بقلم: شيرين ماهر
صدرت مذكراتها لأول مرة في عام 1983، والتي حملت عنوان «وطني أفريقيا: سيرة ذاتية للباشوناريا السمراء»، لكنها نفذت بعد صدورها وظلت غير متوفرة طوال الأربعة عقود الماضية. وفي عام 2025 أعادت دار فيرسو البريطانية طبعها من جديد باللغة الإنجليزية.

أندريه بلوين شخصية استثنائية شهدت عن كثب لحظات السعادة العارمة والحزن المأساوي في نضال أفريقيا من أجل الاستقلال: بدأت كفاحها في غينيا والكونغو ضد الحكام الاستعماريين الأوروبيين. كانت ملابسات حياتها الشخصية مشحونة بقدر انخراطها السياسي في القارة الأفريقية بأكملها. برزت كشخصية محورية يكتنفها الغموض في النضال من أجل أفريقيا خالية من الاستعمار في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ورغم عذاباتها في دار للأيتام، لكنها ارتقت في الحياة السياسية ولقبت بـ«أقوى امرأة في أفريقيا». صدرت مذكراتها لأول مرة في عام 1983، والتي حملت عنوان «وطني أفريقيا: سيرة ذاتية للباشوناريا السمراء»، لكنها نفذت بعد صدورها وظلت غير متوفرة طوال الأربعة عقود الماضية. وفي عام 2025 أعادت دار فيرسو البريطانية طبعها من جديد باللغة الانجليزية، وتعد هذه المذكرات بمنزلة الوثيقة الأكثر ثراءً حول مسيرتها النشطة. وفي نفس العام، أطلقت دار نشر إنكاني بوكس، وهي مشروع تابع لمعهد القارات الثلاث للبحث الاجتماعي في جنوب أفريقيا، جائزة تحمل اسم (اندريه بولين) إحياءً لذكرى كفاحها من أجل تحرير ملايين الأفارقة. كذلك ستصدر النسخة الفرنسية من مذكراتها في 17 أبريل من العام الجاري، تليها النسختان الإسبانية والفلمنكية، تزامنًا مع حلول الذكرى الـ 40 على رحيلها.
لُقّبت أندريه بلوين بـ«الباشيوناريا» تيمنًا ببطلة الحرب الأهلية الإسبانية، دولوريس إيباروري، قائدة المقاومة الإسبانية عام 1935. ويحمل هذا التشبيه طابع الإعجاب الخطابي، ويشير إلى حضورها السياسي القوي وموقعها المحوري داخل حركات التحرر الإفريقية، بصفتها امرأة أسهمت بفاعلية في صناعة القرار والنضال، في مجال ظل لسنوات طويلة حكرًا على الرجال. جسدت مسيرتها نضالات المرأة والعرق والهوية؛ وكان نضالٌها ضدّ الهيمنة الاستعمارية العنصرية يشعل فتيل الاحتجاج من أجل الاستقلال والواقع المرير الذي اجتاح ليس فقط إحدى أغنى دول العالم، بل القارة الأفريقية بأكملها. إنها قصةٌ مُذهلة لامرأةٍ وُلدت منبوذةً، وعاشت لتُصبح واحدةً من أجرأ الثائرات الأفريقيات على مرّ العصور. تجربتها ثرية من موقع الفاعل السياسي، تنقلت خلالها بين عواصم إفريقية وحركات تحرر متعددة. وبعد مرور أربعة عقود على وفاتها، تعود حياتها الحافلة بالأحداث اليوم لتثير الاهتمام وتصبح جديرة بإعادة الاكتشاف والتنقيب من جديد.
الفيلم الوثائقي موسيقى تصويرية للانقلاب

تعد مذكرات أندريه بلوين «وطني، أفريقيا: سيرة ذاتية للباشوناريا السمراء» إضافة قيّمة للأدب الأفريقي، في وقتٍ لا تزال فيه آثار الاستعمار المدمرة تُلقي بظلالها الثقيلة على القارة، لكونها تكشف ملابسات حياتها الشخصة منذ طفولتها البائسة ومرورًا بحياتها الشخصية وما ألمّ بها من أحداث بها من التعصُب والانتقائية ما غذى بداخلها الحس الثوري بدوافع شخصية ثم بدوافع عامة. يُكمّل هذا الكتاب ما بدأه الفيلم الوثائقي «موسيقى تصويرية للانقلاب» للمخرج جون جريمونبريز، الذي عرض لأول مرة في عام 2024 في مهرجان صندانس وحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة للأفلام الوثائقية العالمية للإنجاز السينمائي، مُعيدًا إحياء الاهتمام التاريخي بسياسات وتاريخ الاستعمار في مختلف أنحاء أفريقيا، حيث سلط الفيلم الضوء على التاريخ لا كوقائع سياسية متحجرة، وإنما كمعزوفة من الأصوات والصور والذاكرة ومزج بين الوثيقة والتأمل، بين الموسيقى كفعل مقاومة والسياسة كفعل إلغاء، ليضع المشاهد في مواجهة لحظة فارقة من الحرب الباردة، حيث يصبح الجاز صوتًا للثورة والكرامة. ويعيد المخرج طرح سؤال الفن في زمن الانقلاب، ويصوغ من خلاله خطابًا بصريًا يفضح تواطؤ القوى الكبرى في اغتيال الحلم الإفريقي الذي مثّله باتريس لومومبا. يُسلّط كل من الفيلم والكتاب معًا الضوء على قادة أفارقة وشخصيات، غالبًا ما يتم تجاهلهم، مثل أندريه بلوين، والذين كانوا في طليعة تجربة التحرر الأفريقي. لقد كان هؤلاء قادةً بارزين في التاريخ العالمي لحركات التحرر من الاستعمار، إذ شهدوا الأحداث تتكشف أمام أعينهم، ودفعوا ثمنًا باهظًا لمشاركتهم في النضالات التقدمية. تلك المذكرات تُؤرّخ لمراحل مختلفة من حياة بلوين، وتُبيّن كيف تداخلت حياتها مع مختلف المراحل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كانت تدور في أفريقيا. ففي بعض المحطات، تُصبح حياتها نموذجًا مصغرًا لهذه المراحل، وفي أحيان أخرى، يكون لهذه المراحل تأثير عميق على حياتها.
أندريه بولين في دار الأيتام

وُلدت أندريه بلوين في 16 ديسمبر 1921 في بيسو، وهي قرية تقع على ضفاف نهر أوبانغي، في جمهورية أفريقيا الوسطى حاليًا. كان والدها بيير جيربيلات، 41 عامًا، تاجرًا من فرنسا؛ أما والدتها فكانت جوزفين وواسيمبا، 14 عامًا فقط، ابنة زعيم محلي. وكما هو حال العديد من الرجال البيض في المستعمرات، كان جيربيلات مرتبطًا بالفعل في أوروبا. عندما بلغت «بلوين» الثالثة من عمرها، أودعها والدها في دار أيتام في برازافيل للفتيات من أصول مختلطة (أحد الوالدين أسود والآخر أبيض). لم تمنحها الراهبات الكاثوليكيات اللواتي يُدرن الدار اسمٌا، بل كانت تُعرف بـالرقم 22. وكان على الفتيات تناول الطعام في صمت، ولم يُسمح لهن بمغادرة دار الأيتام المُحاطة بسور عالٍ تعلوه قطع من الزجاج المكسور. تكشف «بلوين» في هذا القسم من مذكراتها الكثير عن آلية عمل الاستعمار على أرض الواقع، وكيف تتداخل السلطة الاستعمارية والدين والعرق، وغالبًا ما تكون العواقب وخيمة على السكان المُستعمَرين. تُبرز المقاطع التي تُصوّر الحياة المنزلية تحليل فانون للاستعمار، حيث لا يقتصر تأثير الحكم الاستعماري على تشويه العلاقات الاجتماعية المحلية فحسب، بل يمتد ليشمل تأثيرًا دائمًا ومدمرًا على الحالة النفسية للسكان المُستعمَرين. يُعدّ هذا أحد أكثر أقسام الكتاب إيلامًا، لكن بلوين تُقدّمه بأسلوبٍ سلسٍ ينتقل بسلاسة بين حياتها الشخصية والمجتمع الأفريقي ككل وعملية الاستعمار، واصفةً الطبيعة الحقيقية لوحشيته.
كتبت أندريه بولين في مذكراتها: “«مأساة ابني جعلتني أكثر وعيًا بالسياسة من أي شيء آخر. لم يؤثر فيّ شيء بقدر وفاته، وهو لم يتجاوز عامه الثاني». لقد توفي ابنها بمرض الملاريا بين ذراعيها عام 1944 في بانغي، عاصمة مستعمرة أوبانجي شاري الفرنسية في وسط أفريقيا، حيث كانت تعيش المناضلة المستقبلية من أجل التحرير مع زوجها الفرنسي. ولكون ابنها مختلط العرق مثل والدته، رفضت السلطات الفرنسية إعطاءه الدواء بذريعة «ثمة من هم أولى بالعلاج». كتبت أندريه عن رحيله: «لقد سيّس موت ابني حياتي أكثر من أي شيء آخر. الاستعمار لم يعد مسألة تتعلق بمصير أحدنا، وإنما نظام شرير امتدت مخالبه إلى كل مرحلة من مراحل الحياة في أفريقي».
لقد عانى ذوو الأعراق الهجينة من ظروف قاسية. كان السود يطلقون عليهن لقب «كافيه أو ليه» أو «مال بلانشي» (أي مبيضات البشرة الرديئة)، بينما كان البيض يطلقون عليهن لقب «نيجرو» (أي زنوج). في سن السابعة عشرة، هربت «بلوين» من زواج قسري من رجل ذي عرق مختلط، وهربت من دار الأيتام، وعملت خياطة لكسب قوتها. كتبت أندريه بولين: «كانت دار الأيتام أشبه بسلة مهملات لنفايات هذا المجتمع الأسود والأبيض: أطفال الدم المختلط الذين لا ينتمون إلى أي مكان على الأطلاق».
كانت «بلوين» تتمتع بروح ثائرة ووثابة في نفس الوقت. ولأن دار السينما الوحيدة في برازافيل كانت ترفض دخول السود، جمعت بعض الشابات اللواتي تعرفهن من دار الأيتام. وضعن ثمن التذاكر على المنضدة ودخلن دار السينما. استدعى أصحاب الدار الشرطة. وفي نهاية الأسبوع التالي، عدن، وتعرضت بلوين، وهي حامل في شهورها الأخيرة، للضرب على أيدي رجال الشرطة. كتبت لاحقًا أنها لم تفعل ذلك من أجل نفسها، «بل من أجل ما كان بداخلي، طفلي الذي لم يولد بعد. شعرت أنه لا بد من فعل ذلك – كان علينا أن ننطلق من مكان ما». وأخيرًا، سُمح للنساء ذوى البشرة السمراء بالذهاب إلى دور السينما. تقول إحدى الفقرات الرئيسية في مذكراتها: «إن سبب حديثنا عن الاستعمار هو أنه ترك بصمته علينا كالوصمة المجتمعية الحارقة. لا يمكنك أن تطلب من طفل عاش طفولة تعيسة أن ينسى كل شيء، وتقول له: «أنت الآن بالغ، هذا ماضٍ. لنكن أصدقاء- لا أحد يمكنه النسيان. نحن، الذين استُعمِرنا، لا يمكننا أن ننسى أبدًا هذا الماضي الموحش».
أندريه بولين أقوى امرأة في أفريقيا

أصبحت أندريه بولين ناشطة سياسية وثورية، ومناضلة شجاعة متكأة على معاناتها الشخصية التي اتخذت منها جذوة انطلاق سعيًا إلى استقلال المستعمرات الأفريقية، ومثلت استثناءً بارزًا: فقد كانت المرأة الوحيدة بين الرجال الذين قاتلوا في الصفوف الأمامية ضد الاستعمار في أفريقيا منذ أواخر الخمسينيات. أطلق عليها الصحفيون لقب «امرأة أفريقيا الغامضة» و«ملهمة لومومبا»، ووصفها مسؤول بلجيكي بأنها «أقوى امرأة في أفريقيا». لكن بعد وفاتها في المنفى قبل 40 عامًا، طواها النسيان. وفي العام الماضي فقط، أعيد نشر سيرتها الذاتية التي نفدت طبعاتها منذ زمن طويل، “وطني، أفريقيا”، والتي تصف فيها حياةً لا يمكن وصفها بـ”المغامرة” بقدر ما تُوصَف بكونها “حافلة بالأحداث التى لا حصر لها”.
كانت غانا في مارس 1957، المستعمرة البريطانية آنذاك، في طليعة الدول التي تناضل من أجل استقلالها، ونالته بالفعل. روّج سياسيون مثل كوامي نكروما، وجمال عبد الناصر، وهيلا سيلاسي، لفكرة الوحدة الأفريقية الواثقة، وتبنّوا رؤية ماركوس جارفي الطوباوية للولايات المتحدة الأفريقية. كانت بلوين من أقرب حلفاء باتريس لومومبا، السياسي الكونغولي الكاريزمي الذي قاد بلاده إلى الاستقلال قبل اغتياله عام 1961. ولطالما اعتبرها الأمريكيون والبلجيكيون شخصية «متعصبة»، وربما عميلة شيوعية، ومعارضة بشدة للقوى الغربية.
كما هو الحال مع العديد من الناشطين، تشكّلت مشاركة «بولين”»من خلال تجاربها الشخصية. بعد أربع سنوات من وفاة ابنها المأساوية، في عام 1948، التقت «بولين» بضابط مدفعية فرنسي سابق وخبير تعدين. تزوجا وهو أمر نادر الحدوث بين البيض في أفريقيا، وسافرت معه إلى سيغيري في غينيا، حيث كان يعمل في المكتب الفرنسي للمناجم الخارجية، وبقيا معًا ربع قرن، وأنجبا طفلين. كتبت أندريه بولين أنه على عكس العديد من الرجال البيض الآخرين في أفريقيا، «كان قد تخلص من عقلية الاستعمار». انتقلت بعدها إلى غينيا في غرب أفريقيا بعد أن حصل زوجها على وظيفة في مجال أبحاث تعدين الذهب الغريني في البلاد.
شهدت خمسينيات القرن العشرين حراكًا سياسيًا محمومًا في جميع أنحاء أفريقيا، وانخرطت «بولين» في النشاط السياسي طوال تلك الفترة بدعم من زوجها. وقد اغتنمت أول فرصة استقلال لاحت في أفق الجمهورية الغينية، لتعتلي المنابر ثائرة وملهمة، حيث انضمت الى التجمع الديمقراطي الأفريقي (RDA)، معلنة بدء مشوارها السياسي من خلال مساندة زعيم التجمع «سيكو توري» الذي نجح في أن يكون أول رئيس للبلاد. وكان أول إجراء اتخذته «بلوين» هو شن حملة ضد انضمام غينيا إلى المجموعة الفرنسية – الأفريقية، وهي اتحاد المستعمرات الفرنسية السابقة. وكان الجنرال شارل ديجول قد منح السكان الحق في إجراء استفتاءات حول هذه القضية. جالت أندريه بولين البلاد، وأينما تواجدت وتحدثت، احتشد الآلاف. وفي 28 سبتمبر 1958، أصبحت غينيا المستعمرة الوحيدة التي صوت سكانها بأغلبية ساحقة ضد الانضمام. وبعد أربعة أيام، نالت الدولة الواقعة في غرب أفريقيا استقلالها. وحذت دول أخرى حذوها: وبحلول عام 1960، نالت 17 دولة من أصل 54 دولة أفريقية استقلالها. وبعد نجاحها في غينيا، دُعيت «بلوين» من قِبل أفرادٍ يشاركونها نفس الأفكار إلى الكونغو البلجيكية في بداية ذلك العام الاستثنائي. وهناك، أسست الحركة النسائية للتضامن الأفريقي، وقامت برحلاتٍ شاقة، متألقةً بأناقتها المعهودة، إلى مناطق نائية، لا سيما لتشجيع النساء على النضال من أجل الاستقلال. وبحلول مايو 1960، انضمت نحو 45 ألف امرأة إلى حركتها.
امرأة أفريقيا الغامضة ملهمة لومومبا
كان أهم شخصية سياسية في الكونغو البلجيكية في ذلك الوقت هو باتريس لومومبا، 34 عامًا، الذي وصفه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، بأنه «ثوري دون ثورة أو صخب». وفي مايو 1960، فاز حزبه، حزب الحركة الوطنية الكونغولية، بأول انتخابات برلمانية حرة في الكونغو البلجيكية. وفي 30 يونيو 1960، نالت الكونغو استقلالها، وأصبح لومومبا، ذو الشخصية الكاريزمية، أول رئيس وزراء للبلاد.
قبل أسبوعين من تاريخه، أبلغت السلطات البلجيكية «بلوين» بأن تأشيرتها لن تُجدَد، وأنه يتعين عليها مغادرة ليوبولدفيل (كينشاسا حاليًا) في غضون ثلاثة أيام. لم يتمكن لومومبا من منع ذلك، وودعها قائلًا: «اذهبي بسلام». سافرت إلى إيطاليا ومعها إعلان مشترك، موقع شخصيًا من قبل ممثلين عن جميع شركاء لومومبا في الائتلاف. لقد قامت بتهريب الوثيقة المهمة من الكونغو مُخبأة في شعرها الكثيف، وقدمتها في مؤتمر صحفي في روما. وعند عودتها في يوليو، عيّنها لومومبا مستشارة للبروتوكول والمراسم. أدّت مهامها ببراعة، وأصبحت مستشارته السياسية.
كان عام 1960 عامًا محوريًا لأفريقيا. فقد نالت سبع عشرة مستعمرة استقلالها. وقررت فرنسا وبريطانيا وبلجيكا أن الحفاظ على الحكم الرسمي بات محفوفًا بالمخاطر، فبدأت بالبحث عن سبل جديدة وأقل رسمية للاحتفاظ بنفوذها الاقتصادي والسياسي. ولم يكن غموض هذه العملية أكثر وضوحًا في أي مكان آخر منها في الكونغو، تلك الأرض الشاسعة الغنية بالموارد التي نهبها البلجيكيون على مدار عقود.
في أوائل عام 1960، أمضت أندريه بولين شهورًا في جولةٍ شملت كويلو ومقاطعات كونغولية أخرى، حيث ألقت خطاباتٍ أمام حشودٍ غفيرة من النساء والرجال برفقة قافلةٍ تابعةٍ لحزب العمل الشعبي. ونظّمت جمعيةً نسائيةً مؤيدةً للاستقلال، والتي بلغ عدد أعضائها 45 ألف عضوةٍ بحلول نهاية مايو. وعلى الحدود مع أنجولا الخاضعة للحكم البرتغالي، ساعدت أيضًا في إنشاء قريةٍ للاجئين الأنجوليين، والتي شكّلت قاعدةً خلفيةً مبكرةً للحركة الشعبية لتحرير أنجولا (MPLA) المتمردة.
في 30 يونيو 1960، نالت الكونغو استقلالها رسميًا في عهد لومومبا رئيسًا للوزراء. وبينما كانت أندريه بولين تستمع إلى الراديو في غينيا، سمعت خطابه المؤثر. كانت الكلمات مألوفة لديها، إذ إن الخطاب الذي ألقاه لومومبا – والذي سيُخلّد كواحد من أشهر الانتقادات للاستعمار – كان من بين الخطابات التي ساهمت في صياغتها. تحكى أندريه في مذكراتها عن صعوبة تلك المرحلة، قائلة: «كان لومومبا بطلاً حقيقياً في العصر الحديث، لكن أولئك الذين يتمتعون بالإيمان هم في الغالب مَن يتعرضون للخداع بقسوة» وبعد سبعة أشهر من تولي لومومبا السلطة، استولى رئيس أركان الجيش جوزيف موبوتو على السلطة، وفي السابع عشر من يناير عام 1961، اغتيل لومومبا رمياً بالرصاص، في كتابها، قالت بلوين إن الصدمة والحزن الناجمين عن وفاة لومومبا أفقدتها القدرة على الكلام، وبعدها تم نفيها إلى باريس واحتجبت عن المقابلات أو اللقاءات السياسية.
جائزة تحمل اسم اندريه بولين

توفيت أندريه في باريس عام 1986 متأثرة بالسرطان الذي رفضت أن تعالج منه بعد أن شعرت باليأس. وقد نعتها ابنتها «إيف» بتدوينة موجعة: «استقبل العالم وفاة والدتي دون اكتراث. لا حشود في جنازتها ولا أحد يذكر تاريخها. تتذكر ابنتها، الكاتبة إيف بلوين، هذا الأمر. وتروي السيدة البالغة من العمر سبعين عامًا خلال لقاء معها في لندن، حيث استقرت بعد رحلة طويلة عبر ثلاث قارات، قائلة: «كانت والدتي سيدة قوية، لكنها كانت مُرهِقة أيضًا. كانت تُرسلني دائمًا من مكان لآخر. فهي سيدة صعبة المراس. فكم عانت من أزمة هوية.. لطالما لم تكن تعرف من هي»، كما تقول إيف بلوين، «لم تكن سوداء ولا بيضاء». اليوم، لم يعُد كون المرء من عرق مختلط أمرًا مميزًا، «لكن عندما كانت شابة، كان هذا الأمر نادرًا للغاية».
مذكرات اندريه بولين تمثل مرجعًا لا غنى عنه للمهتمين بدراسات مرحلة ما بعد الاستعمار، ودراسات الجندر التقاطعية، والدراسات الأفريقية الشاملة، فضلًا عن السير الذاتية. تمزج مذكراتها بين تصويراتٍ قاسيةٍ لجميع جوانب المجتمع الاستعماري ولحظاتٍ رقيقةٍ من الأمل. كما أنها تمزج بسلاسةٍ بين نقاط قوة التنظيم ومخاطر التفاؤل الجامح. وباعتبارها شاهدةً مباشرةً على العديد من جوانب المعاناة التي أحدثها الاستعمار في أفريقيا، فإنّ نزعتها الأفريقية الجامعة تُشكّل نهجًا عمليًا لبناء التحالفات والتضامن المتجذّر في إطارٍ مناهضٍ للاستعمار. تُعد مذكراتها شهادة على المحاولات المختلفة التي سعت بلا كلل لإعادة التفكير في عالم بلا معاناة أو استعمار.
الكاتبة المصرية شيرين ماهر














