عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

طغيان التراث الصوفي على الدراما في «جزيرة غمام» | د. هويدا صالح

يعتبر التلفزيون من أهم وسائل الاتصال الأكثر تأثيرا في الجماهير الغفيرة؛ ذلك لتنوع مضامينه الإعلامية والثقافية والفنية، واستهدافه لقطاع عريض من الجماهير بتنوع أعمارهم واختلاف ثقافاتهم وخلفياتهم المعرفية.

كما تعتبر الدراما، بشتّى أنواعها التراجيدية والكوميدية، التي تأتي من نص أدبي أو مكتوبة خصيصا لهذا الوسيط الهام، من أهم هذه المضامين الثقافية والفنية التي يقدمها التلفزيون لجمهوره العريض، حيث تُشكل الصورة والصوت والحركة والألوان تأثيرات كبرى على متلقيها من الصغار قبل الكبار، كما تهدف مضامينها الفنية والثقافية تحقيق جملة من المفاهيم التي يمكن لها أن تؤثر على أي كيان اجتماعي مهما كانت درجة وعيه وتقدمه.

وهناك أعمال درامية تستمد مادتها من التاريخ الرسمي والتاريخ الديني، ومن التراث بشتى تجلياته، سواء التراث الشعبي أو التراث الديني؛ لتأويل ما جرى في حياة الشعوب من أحداث، و للإسقاط على حاضر هذه الشعوب، والتنبؤ بمستقبلها؛ مما يتيح للمشاهد معرفة ماضيه وقراءة حاضره، والتشوف لمستقبله، باعتبار أن التاريخ يعيد نفسه في بعض مراحله الشائكة.

وكاتب العمل الدرامي الذي يستند إلى عناصر التراث يحاول أن يستلهم الماضي بهدف تحقيق تواصل إنساني من خلال تجربة فنية اتصالية روحية تطرح تساؤلاتها على الواقع المعاصر في محاولة البحث عن رؤية مستقبلية1.

وتنتقي الدراما من كل زمان اتجاهاته وأفكاره ووسائله وتشريعاته التي تسهم في تكوين شخصية الفرد والتأثير فيه، وتتميز الدراما بتعدد وظائفها ومهامها التربوية والأخلاقية والجمالية والترفيهية، فهي تعيد تصوير الحياة من أجل تعميق تجربة الإنسان الحياتية، وهي “متسامية” في عالم من الصور الفنية والمتخيلة، ولهذا تعد الدراما التاريخية والتي تعتمد على التراث بالنسبة لكل ذات منفردة ليست مجرد وسيلة لمعرفة الناس الآخرين، بل أيضا أداة لمعرفة الإنسان نفسه”2.

ويمثل التراث الديني بعامة، و الصوفي بخاصة السردية الكبرى التي تعالجها الكثير من الأعمال الدرامية لما فيه من ثراء وتنوع ومساحات من التخييل والفانتازيا لا تتيحها بعض الموضوعات الواقعية والاجتماعية؛ لذا يلجأ إليه بعض كتاب الدراما ليقوموا من خلاله بالإسقاط على الواقع المعيش وكشف ملابساته وانتصاراته وإخفاقاته كنوع من التخييل الدرامي المشوق.

تمثلات التراث وتجلياته في الأعمال الدرامية

اتجه  كتاب الدراما العرب إلى التراث؛ لينهلوا من ينابيعه المتعددة، لما فيها من قيم حضارية وشعبية تؤكد على هوية الجماعة الشعبية، كذلك لما لها من قيمة  معنوية  كبرى في وجدان أي أمة من الأمم؛ مما يشكل بوابة مرور للأعمال الدرامية لوعي وعقل وقلب المشاهد لأنه ـ وأعني التراث بشتى تجلياته ـ قادر على  الانتصار للشعور القومي والإعلاء من حضوره في محاولة للخروج من أزمات الواقع المعيش سواء على المستوى الاجتماعي أو الحضاري أو حتى على المستوى الاقتصادي.

وحين يعود كاتب الدراما للتراث فهو مثل كاتب المسرح الذي يعود لهذا التراث” لا ليمارس حنينه نحو ذلك الإرث التليد، ولكن ليفرز معاناته ويسقطها على معطيات التراث، وبهذا يمتد خيط التاريخ ليصل إلى الحاضر عبر أدوات فنية، فهو إذن يتجاوز التصور السكوني للتراث، لأنه يأخذ منه، ويضيف إليه أبعاداً جديدة من خلال رؤيته المعاصرة، وهذا يعنى أن المبدع المسرحي الذي يعي دور التراث وعياً نقدياً هو الذي يفجر ما في هذا التراث من دلالات إيحائية، لذلك ينبغي أن تكون الدلالة الإيحائية نابعة من قدرة المصدر التراثي على الإيحاء والتعبير”3.

واللجوء للتراث ليس معناه نكران للواقع الاجتماعي وما فيه من صراعات وأزمات، وليس معناه أيضا الإغراق في الماضي هروبا من أزمات الحاضر، بل على العكس في بعض الأحيان، وحين يجد الكاتب الدرامي نفسه أسير تكرار طروحات أزمات الواقع ومشاكله يجد ضرورة وحتمية أن يذهب للماضي لفهم ما يدور في الحاضر” فالماضي والحاضر كلاهما معاشان في الشعور، ووصف الشعور هو في نفس الوقت وصف للمخزون النفسي المتراكم من الموروث في تفاعله مع الواقع الحاضر، إسقاطاً من الماضي أو رؤية للحاضر، فتحليل التراث هو في نفس الوقت تحليل لعقليتنا المعاصرة وبيان أسباب معوقاتها، وتحليل عقليتنا المعاصرة هو في نفس الوقت تحليل للتراث لما كان التراث القديم مكوناً رئيسياً في عقليتنا المعاصرة ومن ثم يسهل علينا رؤية الحاضر في الماضي ورؤية الماضي في الحاضر”4.

ويمكن أن نضع  أسباب عودة كتاب الدراما التلفزيونية للتراث  في نفس السياق الذي وضع فيه الباحث محمد عزام كتاب المسرح العربي وأسباب عودتهم للتراث، فقد رأى عزام أن كتاب المسرح العربي يعودون للتراث لجملة من الأسباب لعل أهمها: إكساب تجربته الفنية نوعا من الأصالة بمد جسور حضارية مع التراث تتخطى حواجز الزمن بالمزج بين الماضي والحاضر، كذلك  استلهام  الأشكال والتقنيات التراثية، والرجوع إلى ثقافتنا العربية حتى لا نقع في فخاخ ثقافة الاستعمار؛ لأن  أخطر ما يواجه الأمم والشعوب هو فقدان الهوية القومية، بعد أن عمل المستعمر على تمزيقها ومحوها5.

 كما يشير بعض الباحثين إلى أن العودة للتراث في مجال الفن عامة لها فلسفتها التي تبررها، فالكاتب في هذا السياق يراعي منطق الجمهور الذي يتوجه إليه بالعمل الفني، والكاتب حينما  يفلسف أمرا من الأمور “فإنه لا ينجح إلا إذا راعى منطق الجمهور في التفلسف، وكل ذلك يجعله أشد حرصاً على الاتصال بالتراث الشعبي لهذا الجمهور، حيث يجد المادة الغنية المتنوعة، من الموضوع الكامل، إلى “الموتيفة” الجزئية، إلى “وسائل الأداء” المختلفة6.

وتأسيسا على ما سبق سوف نحاول في هذا البحث تأمل تجليات التراث الديني والصوفي في مسلسل “جزيرة غمام” الذي كتب له السيناريو الروائي والسيناريست المصري عبد الرحيم كمال.

وقد عرف عبد الرحيم كمال بميله الشديد نحو عالم التصوف، ليس في أعماله الدرامية المتعددة والمتنوعة فقط، ولكن في رواياته أيضا، فقد أصدر قبل سنوات رواية “بواب الحانة”7، حيث يمتزج فيها الواقعي بالمتخيَّل، وتختلط فيها الحقيقة بالحلم، ويبني الرواية على السردية الصوفية، عبر مجموعة من الإحالات إلى التراث الصوفي بعناصره المختلفة حتى أنه يدرج أبياتا مطولة للحلاج في أكثر من موضع من الرواية.

ولم يكن الرجوع إلى التراث، وخاصة التراث الديني عامة، والصوفي خاصة في الرواية فقط، بل في كثير من الأعمال التي قدمها عبد الرحيم كمال للشاشة الصغيرة استلهم هذا التراث وغرف من ينابيعه الفياضة في مسلسلات : “شيخ  العرب همام”، “الرحايا” ، “الخواجة عبد القادر” ، “ونوس”، وأخيرا مسلسل “جزيرة غمام”.

تبدأ الحلقة الأولى من المسلسل بحدث تاريخي عادي، حيث يزور الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات قرية “أولاد عرفات”، ومن بعدها يقتل على يد الجماعات المتشددة، ثم يعود السرد بالكاميرا عبر الفلاش باك لاستجلاء تاريخ القرية التي كانت تُسمّى فيما مضى بـ “جزيرة غمام”، والغمام في المخيلة الشعبية هو الغيم بما له من إحالات لا شعورية بارتباطها بالضباب والعتمة والإظلام، فالغيمة المحملة بالمطر والتي لها دلالة الخير والخصوبة تُجمع غيم أو غيوم أو غيمات أما الغمام فالمخيلة الشعبية تربطه بالظلام والضباب وغياب الرؤية، لذا حين حط الغمام على الجزيرة تغيرت أحوالها، وانتقلت من عالم الاستقرار والثراء من فيض البحر بأسماكه وامتلاء الشباك بهذا الخير الوفير إلى شح البحر وكساد الرزق، وهبوط  “طرح البحر” على الجزيرة كما الغمام أو كما الجراد.

تجليات التراث الديني

ثمة تمثلات عديدة قام الكاتب بتمثلها وهو يبني شخصيات مسلسل “جزيرة غَمَام”، لكن قبل أن نرصد عناصر التراث واشتغالاتها في السيناريو، نلخص قصة المسلسل بإيجاز:

يحكي المسلسل قصة جزيرة تقع في جنوب مصر، بل ترمز لمصر كلها في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتحديدا في حكم الخديوي عباس حلمي الثاني الذي حكم مصر في الفترة من 1892 ـ حتى 1914. يحط الغمام على الجزيرة، ويقل الرزق في البحر بعد أن قتل ثلاثة من شباب الجزيرة فتاة اسمها “سندس”، فينزل عقاب السماء بقلة الرزق، وفي نفس التوقيت تقريبا يحط على الجزيرة أيضا جماعة من “الغجر” الرحّل، يلقبون بـ “طرح البحر” في إشارة لعدم انتسابهم لعائلات وأصول. بالتوازي مع هاتين اللحظتين، يموت الشيخ “مَدْيَن” العارف بالله، وقبل رحيله يأتي بتلاميذه أو حواريه الثلاثة ويوصيهم: “مُحَارب” الذي يُمثّل العلم الظاهر، ويشير في النص إلى تنامي التيار الديني المتشدد، يوصي له بأن يؤم الناس ويخطب فيهم للصلاة،  و”يُسْرِي” الذي يُمثّل الدين الشعبي أو البعد الأسطوري للدين، فيمارس السحر والشعوذة ويوصي له بمنزله، أما “عرفات” أقرب تلاميذ الشيخ إلى قلبه وروحه، فيوصي  له فقط بمسبحته.

وهكذا يبدأ الصراع بين الدين الرسمي  الذي يمثله الفقهاء والتصور الشعبي للدين  الذي يمثله يسري، والتصور العرفاني الصوفي للدين الذي يمثله عرفات. وكل هؤلاء في جانب، وفي جانب آخر خلدون زعيم طرح البحر الذي يمثل جانب الشر المطلق والذي يسعى هو وجماعته إلى إفساد أهل الجزيرة التي يحكمها “العجمي” الدكتاتور العادل، وحين يصل الصراع إلى ذروته تهب الزوبعة على الجزيرة ، فلا ينجو منها إلا من يلحق بعرفات والسفينة التي صنعها.

إن اشتغال عناصر التراث في النص الدرامي كثيرة ومتعددة، فشخصية “عرفات” بناها الكاتب مستفيدا من شخصيات تراثية دينية عديدة، ليصنع منه ذلك القطب الصوفي الذي آمن بأن المحبة هي وسيلة النجاة الوحيدة ليس من الزوبعة فقط، بل من فخاخ خلدون زعيم جماعة طرح البحر، فجاء عرفات مزيجا وخليطا من شخصيات  المسيح وزكريا  وموسى  عليهم السلام. عرفات / المسيح الذي يدور بين الناس ودينه المحبة، يحاول أن يجمعهم على حب الله، وهو نجار  مثل زكريا عليه السلام وهو يقوم برحلة للتعرف على نفسه حينما حاول خلدون أن يغرر به مثل موسى عليه السلام، فلما اغتر بعباءة خلدون ومديحه عاقب نفسه بأن يسير في الصحراء بحثا عن ذاته، مثل سيدنا موسى الذي اغتر بعلمه، فأراد الله أن يعلمه أن هناك من هو أعلم منه، فأمره بأن يرافق الخضر عليه السلام. وهكذا من يتأمل شخصية عرفات يجدها مزيجا من كل هؤلاء.

يعقد الكاتب طوال النص الدرامي مقارنة ضمنية بين التصورات المختلفة للدين وعلاقة الإنسان بالإله. ويُخيّر المُشاهد طوال الوقت بين واحد من التصورات الثلاثة، العلم الظاهر الذي يمثله محارب أم العلم العرفاني الذي يمثله عرفات أم التصور الشعبي الأسطوري الذي يمثل يسري. وفي النهاية ينتصر الكاتب للخطاب الصوفي الذي يمثل العلم العرفاني ويتخذه منهاجا وشريعة.

في بنائه لشخصية خلدون يتمثل الكاتب التصور الديني لشخصية الشيطان، الشيطان الذي رفض الركوع لآدم ورأى أنه أفضل منه، ثم حاجّ الإله بأنه مخلوق من نار وآدم مخلوق من طين، وأن النار أفضل من الطين، ثم طلب أن ينظره الإله حتى يوم يبعثون وأنه سيقعد لآدم وذريته مقعد الغواية: ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾8.

ولا يمكن أن يتغافل المشاهد عن التناص الديني في قصة “الزوبعة” التي تماثل السردية الدينية الخاصة بقصة الطوفان، طوفان نوح، حيث انتشر الكفر والفساد، فحذر نوح أهل قريته، فلما لم يستجيبوا شرع في بناء السفينة التي لحق به فيها المؤمنون من قومه، فكذلك فعل عرفات، بنى السفينة، ولم يلحق به سوى الطيبين الذين نجوا معه بعد أن قضت الزوبعة على الجميع. كذلك تناص مع شخصية مريم المجدلية التي حاولت إغواء المسيح في شخصية “العايقة” التي قامت بها الفنانة مي عز الدين، كما ترمز أيضا للدنيا والغواية.

التناص الأدبي

لم يكتف الكاتب بالتناص مع النصوص الدينية الكثيرة في السيناريو، بل قام بالتناص مع نصوص أدبية عالمية، في بناء شخصيات المسلسل، فشخصية خلدون مثلا بعض ظلالها الثقافية مستوحاة من “فاوست” لجوته9، فثمة ملامح بين خلدون وشخصية مفستوفيليس، حيث يقدم فاوست روحه للشيطان في مقابل الإغراءات والملذات الدنيوية، وقد تأثر بها عبد الرحيم كمال في بناء شخصية “خلدون” الذين يعتبر الاستعارة الدينية للشيطان.

 كما يتناص مع عالم نجيب محفوظ، وخاصة في “أولاد حارتنا” وبداية البشرية وإسقاطاته على  الأنبياء وتاريخهم والصراع الدائم بين الخير والشر، فشخصية “عجمي” كبير الجزيرة هو نظير لشخصية “الجبلاوي” في بداية حياته، أما الشيخ “مدين” فهو نظير “الجبلاوي” في نهاية حياته الذي يمنح تلاميذه كل ما يناسبه.

كما يتناص مع الأساطير اليونانية التي تصور البحر كرمز للقوة المخادعة التي تغري المبحرين فيها بسلامة الوصول ثم تغرقهم، وهكذا “خلدون” وطرح البحر.

جماليات الصورة الدرامية

رغم إغراق النص في غواية التراث الصوفي بما يمثله من فانتازيا مغايرة لما هو عادي واقعي، إلا أن المخرج حسين المنباوي تمكن عبر  الرؤية الإخراجية وعبر كاميرا مدير التصوير إسلام عبد السميع أن يقدم كادرات درامية لها من جماليات الصورة ما يجعل المشاهد يواصل مشاهدتها بدهشة وإثارة، فقد لعبت الإضاءة دورا كبيرا في تصوير هذه الكادرات،الكادرات الواسعة  تمنح المشاهد أبعادا ومقاسات أسطورية تناسب الرؤية الفانتازية، في حين أن الكادرات الضيقة تضع المشاهد في عمق المشهد، فيتماس مع لغة الجسد ولغة الكلمات ولغة العيون، وقد لعبت الإضاءة دورا كبيرا في الإسقاطات التاريخية والصوفية.

كما أن مهندس الديكور أحمد عباس قدم مواقع للتصوير تناسب السردية في بعديها الزماني والمكاني.

أما الأداء الدرامي لفريق العمل فقد جاء متميزا ومختلفا حتى عن الأدوار النمطية التي سجن فيها بعض الممثلين أنفسهم، فالفنان أحمد أمين الذي تعود الجمهور أن يراه في الأدوار الكوميدية قام بدور العارف بالله عرفات بشكل فيه إجادة وإتقان كبيرين، وكذلك الفنانة مي عز الدين التي  تعود عليها الجمهور في أدوار الفتاة الجميلة والشريرة والقوية قامت بدور “العايقة” بشكل مميز أيضا.

ولم يقل عنهما  الفنانون، طارق لطفي  في دور “خلدون” ، ورياض الخولي في دور “العجمي” محمود البزاوي في دور “البطلان” وفتحي عبد الوهاب في دور “محارب” و لبنى ونس في دور “زين المواصف” وهكذا.

أما الموسيقى التصويرية فقد لعبت دورا كبيرا في توصيل الدلالة الكلية التي أرادها المسلسل.

دلالات الأسماء

دأب الأديب العالمي نجيب محفوظ  على أن يحمّل أسماءه الروائية بعض الدلالات التي يبغي توصيلها من خلال الشخصيات الروائية، وكذلك تأثر به عبد الرحيم كمال، فالأسماء لها ظلال دلالية وليست مجرد اسم يشير لتعيين الشخصية الروائية، فنجده يمنح  الشيخ الصوفي اسم عرفات، في إشارة للطريق العرفاني الذي يسلكه في النص.

كذلك يمنح الشيخ الذي سيحمل مشروع تصاعد الدور التاريخي للتصور المتشدد للإسلام اسم “محارب” بما يشير الاسم إلى الكفاح والحرب من أجل أن يفرض تصوره الضيق والوحيد للدين.

أما اسم “يسري” فهو يرمز للتصور الشعبي البسيط اليسير للدين الإسلامي.

واسم “سندس” الفتاة التي اغتيلت غدرا، والتي بسبب اغتصابها وقتلها يتحول مصير الجزيرة، فيقل الرزق في البحر ويعيش الناس أياما من الشدة والفقر، منها اسم “سندس” بما له من ظلال تتعلق بالجنة.

ويأتي اسم “عايقة” الذي هو مخفف الهمزة على نبرة في الثقافة الشعبية، ليرمز إلى الغواية والإغواء، فمفردة “العايقة” في الصعيد هي المرأة الجميلة التي  تهتم بجمالها وتتزين من أجل إغواء الرجل.

وابنة  عرفات “درة” بما كان لها من مكانة اجتماعية، فهي الدرة المكرمة المعززة. والعجوز التي هي كبيرة الغجر اسمها “زين المواصف” لما في شخصيتها من غواية، رغم كبر سنها، ولما تتمتع به من شر مضمر.

وهكذا  lعظم الأسماء في المسلسل الدرامي “جزيرة غمام” تحمل دلالات وظلال ثقافية مرتبطة بالاسم.

ويبقى أن نشير أن وقوع عبد الرحيم كمال في غرام التراث جعله يفرط في استخدامه، حتى أنه يجمع لشخصياته الكثير من الدلالات والإشارات الثقافية التراثية، فيربك المتلقي/ المشاهد الذي ينشغل عن جماليات السرد الدرامي بالبحث عن الرموز والدلالات؛ مما يحول النص لأحاجي وألغاز  ليتعرف عن ملامح الشخصيات التراثية التي حشدها الكاتب لشخصياته الدرامية.


 ينظر، حسين على هارف، فلسفة التاريخ في الدراما التاريخية ، دار الكندي للنشر والتوزيع، الأردن، 2001،ص11.[1]

 ينظر المرجع السابق،ص12.[2]

 مصطفى رمضاني، توظيف التراث وإشكالية التأصيل في المسرح العربي، مجلة عالم الفكر، مجلد 17، عدد 4، الكويت،1987،ص87ـ 88.[3]

  حسن حنفي: التراث والتجديد: موقفنا من    التراث القديم، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثالثة، 1987، ص16ـ 17.[4]

 محمد عزام، توظيف التراث في المسرح العربي الحديث والمعاصر، مجلة الوحدة، العدد ـ 94ـ 95،بيروت ـ 1992، ص67[5]

 عز الدين إسماعيل، توظيف التراث في المسرح، مجلة فصول، مجلد1، عدد 1، القاهرة، أكتوبر 1981،ص 178.[6]

 عبد الرحيم كمال، بواب الحانة، دار كيان للنشر والتوزيع، القاهرة، 2016.،[7]

 سورة الحجر ، ص 36.[8]

فاوست هي مسرحية تراجيدية، من تأليف الكاتب المسرحي الألماني يوهان فولفغانغ جوته، تقع في فصلين: الجزء الأول من التراجيديا نشر للمرة الأولى عام 1808، والجزء الثاني نشر 1832. [9]

د. هويدا صالح؛ أكاديمية ومترجمة مصرية

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى