تحديثات معاصرة على نسخ القاتل المتسلسل جاك السفاح
استلهم الباحث والفيلسوف البريطاني كولن ولسون شخصية جاك السفاح في عمله الروائي الأول «طقوس في الظلام»، والذي يمثل الاسقاط الواقعي لكتاب اللا منتمي القائم على تحليل الجوانب المظلمة في الشخصيات. فتحول القاتل المتسلسل إلى نموذج يتكرر في الإبداعات العالمية، لتجسيد عقدة أوديب الكامنة في لا وعي الذكر، والتي تتشوه وتتلبس في حال إجهاضها القسري، بفعل عزوف بعض النساء عن الالتزام بالدور الأمومي، بشهوة القتل المتسربل بعباءة الطقسية الدينية.
تعيد حبكة رواية «آخر موعد للقتل» للنمساوي أندرياس جروبر إلى الأذهان نمط المخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك، القائم على زخم الترقب المتشرب بالرعب. إذ يدشن نصه الروائي بوصف وجيز لأصابع تُقطع، يعقبه رصد دقيق لرجل ملثم يلاحق ممرضة تبلغ سبعا وأربعين عاما، وتعمل كمساعدة لأحد الجراحين في معهد علم الأمراض في فيينا. وبينما تدخل قبو المعهد، حيث ركنت سيارتها، يتساءل المؤلف تحت وطأة شعور بطلة الظل الأساسية بالتهديد عن نسبة الأمان المتاحة للنساء اللواتي يعشن بمفردهن، وهل تزداد مع التقدم في العمر أم تنخفض.
يكتسب هذا التساؤل مشروعيته وأهميته مع تزايد عدد حالات الخطف التي تبطن بين ثناياها سُعار الانتقام، من امرأة جُبلت حياتها على الخوف والشعور الدائم بالتهديد، فأهملت طفلها الصغير وتركته يستسلم تحت نطع التعنيف الأبوي. لذلك جمدها القاتل – ابنها كارل ـ في حالة من الخوف والجنون، بأن صب حولها اسمنتا، تاركا لها حرية البقاء على قيد الحياة، لمعاينة القهر الذي دمغ حياته. وقبل انصرافه عنها يدندن أغنية أطفال قديمة، تُعرفها على هوية خاطفها. وحين تعجز عن تحمل المزيد من الألم داخل تلك الخرسانة، تنتحر ببلع لسانها، فتختنق بدمائها.
يقدم جروبر فصله التالي بعبارة لآنا سالتر: «العالم في الواقع مكان محفوف بالمخاطر. فهناك كثير من الأشياء السيئة التي قد تصيبك في الخارج. وهي تنجح في ذلك في كثير من الأحيان». فعقب مرور شهرين على صلب الممرضة الاسمنتي، تباغت زابينه، الشرطية النمساوية التي تعمل كمعاونة مباحث جنائية، بشعور سيء مقترن بمنظر الكنيسة المواجهة لنافذة المبنى الذي تقيم فيه شقيقتها. ولاحقا يترجم هذا الشعور بواقعة اختطاف أمها، وقتلها عبر تقييدها بأرجل أرغن الكنيسة، وسكب ليترين من الحبر داخل فمها، في عملية بدت أشبه بالإعدام. وتغدو تلك العبارة مفتاحا لفهم الجمود الذي باغت الشرطية الشابة؛ فلم يكن هناك أي شيء يستطيع تهيئتها لتقبل العثور على أمها بهذه الطريقة، ولا حتى الوقت الذي قضته في أكاديمية الشرطة، ولا مهامها في الخدمة الجنائية الدائمة.
لاحقا تكتشف زابينه وشريكها الهولندي شنايدر وقوع أربع جرائم في ألمانيا، مرتبطة بالأحداث التي وقعت في النمسا. إذ اختطف كارل ست نساء وقتل خمسا منهن، وبعد كل عملية اختطاف كان يتصل بشخص ما من دائرة معارف الضحية، ويرسل له دليلا، ثم يسمح بمرور ثمان وأربعين ساعة، ليحل هذا الشخص لغز سبب الاختطاف، ثم يقتل النساء، وفق تمثيل حر يستند على كتاب للأطفال يدعى «بيتر ذو الرأس الأشعث». فهناك من قُيدت، وتركت للكلاب كي تنهشها وهي حية، ومَنْ أحرقت في حوض من الصفيح حتى صارت كومة من الرماد، ومَنْ أكلت المعجنات وغرقت بالحبر. وثلاثتهن من معلمات المدارس، من الروضة، فالابتدائية والثانوية، واللواتي كان كارل على اتصال بهن، أثناء طفولته ومراهقته، فقتلهن استجابة لكراهيته لأخته التي لم يلتق بها قط.
وبذلك، يؤطر جروبر العنف التراكمي في الطفولة لدى كارل، ويربطه بمبدأ العقاب الرادع المتخلق في كتاب بيتر ذو الرأس الأشعث، بقصص تعليمية قاسية بحق الأطفال الذين يتمردون على سلطة آبائهم، كغمسهم في الحبر من قبل سانتا كلوز لعدم طاعتهم، وبتر إبهام أولئك الذين دأبوا على مص إبهامهم …
توقفت جرائم الثماني والأربعين ساعة، عند الطبيبة النفسية هيلين، التي تستلم إصبعا مبتورة مع خاتم، وتعطى تلك المهلة لمعرفة هوية المختطف وسبب الاختطاف. وهذه المرحلة من التحليل لعقلية المجرم، تدشن بعبارة لـ ألدوكس هكسلي: «لقد حققت الأبحاث في مجال الأمراض تقدما كبيرا لدرجة أن العثور على شخص معافى تماما صار فكرة تزداد صعوبة». لذلك يتساءل المحقق شنايدر عن الكيفية التي يمكن من خلالها فهم استدلالات العقل المريض دون الإصابة بالجنون. وكيف سيكون رد فعل القاتل إذا تمكن شخص من حل لغز الـ 48 ساعة، وهل سيجازف بترك ضحيته على قيد الحياة.
تخفف هيلين من وطأة تلك الأسئلة على النفس، ومن قسوة اليأس الذي تقذفه في القلوب، عبر تحليل شخصية القاتل استناداً على نزعته النرجسية التي تتغذى من الإثارة المتأتية عن مخاطر القبض عليه. فمهارته العالية في السيطرة على ضحاياه، ظلت تشعره بأنه لا يقهر، ورغم أنه منح ضحاياه مهلة 48 ساعة، بالإضافة إلى الإرشادات، إلا أنه استمتع بانتصار نابع من تقدمه عليهم بخطوة.
تكتشف هيلين هوية المختطف وتدرك صلة الربط بينها وبين ضحيته، وهي د. روزا، المعالجة النفسية التي لعبت دورا مزدوجا في حياتها، فقد خانتها مع زوجها، وبالوقت نفسه، دمرت آخر قلاع الثقة بالجنس البشري لدى كارل. فقبل خمسة أشهر من وقوع أولى الجرائم، تم تكليفها بإجراء حوارات مع كارل بوني، بالاعتماد على تخصصها التدريبي بالعلاج بالمعنى، كشرط لإيقاف تنفيذ عقوبة السجن بحقه لمدة ثلاثة أعوام، بتهمة ملاحقة النساء، وحيازة المخدرات.
وتمثلت المفارقة الأولى في جلسات العلاج بتعبير كارل عن نزعته العدوانية برمزية الحمامة البيضاء، أي طائر أنثوي. وهو ما سيقود روزا نحو سبر أعماق طفولته، وتحديدا نحو تجسد ذلك الطائر بطفلة في الخامسة من عمرها، تدعى ماريا، سيتوسط اسمها عقب موتها لقب كارل، فيصبح: كارل ماريا بوني.
حملت والدة كارل للمرة الأولى وهي في السابعة عشرة، وبعد خمس سنوات فقدت طفلتها الصغيرة ماريا، التي خالفت أوامرها، وركضت نحو حوض السباحة وغرقت فيه، فلم تتجاوز الأمر قط. وبعد أن افترسها تأنيب الضمير لجأت إلى علاقات عاطفية متعددة، على أمل أن ينبذها زوجها، لكنه لم يفعل ذلك قط. وحين حملت بكارل وأنجبته عجزت عن تحمل الخوف من فقدانه، وهددت بترك الأسرة، عندها بدأ الأب الذي يعمل كعازف على الأرغن، بمعاقبة الطفل لإجباره على الطاعة المطلقة. ولأن الأسرة اضطرت للتنقل مرات عديدة، بدأت سيرتهم في فيينا واستمرت في المدن الألمانية.
أرادت روزا أن تصنع لنفسها اسما بتحقيق نجاح علاجي سريع، مرة بالتنويم المغناطيسي، وأخرى باستخدام حبة الحقيقة، مما أشعر كارل بالخيانة، وحول عالمه العاطفي إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها. فامتدت كراهيته إليها، وطالت جميع النساء المؤثرات في طفولته.
بالمقابل، تستخدم الكاتبة البريطانية تشارلين هاريس في روايتها «ميت حتى حلول الظلام» نفس المفاهيم السابقة ولكن من خلال بعدها الطاقي. فتعاين الطبيعة الوحشية للمجرم السايكوباتي، عبر الاتكاء على نمط القتل المتسلسل لجاك السفاح الذي تجسد كراهيته للنساء طاقة سلبية كثيفة تقوده نحو تفريغها بالعنف.
وتتخذ هاريس من شخصية بطلتها سوكي نموذجا إيجابيا للتعبير عن الخلل المتأتي عن تبادل الطاقة بين أشخاص مختلفي السوية. وتبرز من خلالها القدرة الحدسية على استشعار الانحراف الأخلاقي عند الذكر المصاب بلوثة عقلية، تسول له تعنيف المرأة، وإن كانت أخته، والاقتصاص منها، تحت ذريعة عدم توافقها مع معاييره الخاصة، والتي تترجم في الرواية بارتباط الشابة بعلاقة مع أحد مصاصي الدماء، الذين يمثلون واقعيا مصاصي الطاقة في المجتمع والبيئة الأسرية الحاضنة لهم.
ويشير عنوان الرواية إلى أساطير الخلود المرتبطة بمصاصي الدماء، الذين يستلقون في قبورهم أثناء النهار، ليستيقظوا ليلا، ويمارسوا حياتهم المستندة إلى تفوق على البشر، من ناحية القوة والقدرة على إدامة المتعة الجسدية والوصول بها إلى آفاق عالية.
لا تشذ هاريس في التركيبة البنائية لروايتها عن أنماط سرديات مصاصي الدماء، القائمة على فرضية بلوغ أقصى المتعة بدم بارد يتخطى الانفعالية العاطفية لدى البشر. لكنها في الوقت نفسه، تطرح قابلية تعرضهم إلى الاستنزاف من قبل البشر، عبر سحب دمائهم، وبيعها للبشر الفانين التواقين إلى تجاوز شرطيتهم الإنسانية، الأمر الذي يعرضهم للموت في خاتمة المطاف. وبذلك تحدث اختراقا في ثنائية الشهوة – القوة لديهم، وترد إليهم نُتَفا من إنسانيتهم البائدة، لكونهم بشر أصيبوا بفيروس معين، فأصبحوا من الخالدين.
تتمتع بطلة الرواية سوكي بِهِبَة تقترن بالوقت نفسه بلعنة قراءة أفكار المتواجدين معها في نفس المحيط، مما يطوق عقلها بفوضى الآخرين الذهنية، ويفقدها متعة التواصل الحقيقي معهم. وهو ما يجعل من بِلٌ، مصاص الدماء، شريكا مثاليا لها، نظرا لصمته المطبق، ومقدرته على حجب تدفق أفكاره ومشاعر الخوف والذعر لديه، إن وجدت، بسبب تهديدات المستنزفين من البشر.
وفي مجتمع معاصر متعايش مع فكرة وجود مصاصي الدماء، أي الطاقة، يصبح من السهولة نسب الجرائم المتسلسلة لأحد هؤلاء، بذريعة الحصول على الدماء، عوضا عن المكملات الصناعية. وبالتالي، سيشار إلى التبادل الطاقي بين النوعين، البشري ومصاصي الدماء، بالاستنزاف الذي يضمن للأول مدد القوة والنشوة، وللثاني مصدراً صرفا للغذاء. ومن منحى آخر ترصد الكاتبة وجود بائعي المتعة من النوعين، والمهوسين بالتعاطي مع مصاصي الدماء، عبر منحهم أعناقهم أو أذرعهم لسحب الدماء التي ترمز فعليا إلى تدفق الطاقة. وبذلك يُصَنفون بجماعة محبي الأنياب الذين سيصبحون طرائد الوحوش البشرية.
وأسوة بجاك السفاح، الذي دأب على انتقاء بائعات الهوى، ليفرغ من خلالهن مشاعره السادية، اصطفى رينيه الشابات اللواتي ارتبطن بعلاقات دائمة أو عابرة بمصاصي الدماء، ليغطي على مشاعره المنحرفة تجاه شقيقته. وبدأ مشروعه الانتقامي من النساء تحت هذه الذريعة، فخنق أخته ثم اغتصبها جثة هامدة، وشرع تاليا في اصطياد أمثالها من النادلات اللواتي انغمسن في تعددية العلاقات الجنسية. وحين أراد قتل سوكي، ولم يجدها في البيت، ضرب جدتها العجوز بوحشية حتى لفظت أنفاسها. وعندما نجح أخيرا في الوصول إليها، وطاردها عبر المقبرة، وكاد أن يقتلها، طوقتها ظلمات نفسه الكثيفة، والمتأتية عن مخاضة العنف والقسوة التي اضطرت النادلات الشابات لاجتيازها قبل أن يلفظن أنفاسهن الأخيرة.
في كلا الروايتين ثمة أخت طفلة أو شابة، وقع على كاهلها تلقي عبء الكراهية التي أثقلت نفوس المنحرفين، فسعوا إلى قتلها مرارا وتكرارا من خلال استنساخها عبر مثيلاتها، مما يعيدنا دوما إلى جاك السفاح. بالمقابل، رصد الاختلاف بين نموذجي القاتلين تعنيفاً أبويا، اقترن بصمت الأم ولا مبالاتها، في حالة كارل، وشهوات منحرفة توارت خلف قناع رب الأسرة السعيدة، الدمث والخلوق، رينيه.
الكاتبة السورية جينا سلطان تكتب عن جاك السفاح والتحديثات الأدبية المعاصرة على نسخ القاتل المتسلسل
الكاتبة السورية جينا سلطان




