أهوى الهوى كتابمكتبة بورخيس

«لعنة سين» روايةٌ بين التاريخي والأسطوري | عماد الدين موسى

رغم الإطار التاريخي والأسطوري، تبقى الرواية عن الإنسان في مواجهة ظروف قاسية. الجوع، الوحدة، الخوف من المجهول، الطموح في حياة أفضل، كلها قضايا تعبر النص من بدايته إلى نهايته

«لعنة سين» رواية بين التاريخي والأسطوري

ينتمي الكاتب والروائي العُماني بسّام علي إلى جيل يشتبك في أعماله مع التراث المحلي والعالمي عبر منظور إنساني واسع؛ يميل إلى توظيف البحث التاريخي والمصادر الشفوية والميثولوجيا، ويمزجها بأسلوب سردي يقوم على التقطيع الزمني وتعدد الأصوات. براعته في تتبع التفاصيل المكانية البحرية واضحة، إذ يبدع في إدخال القارئ إلى بيئات السفن والموانئ، وإلى حكايات الرحلات البعيدة، دون أن يكتفي بالوصف الخارجي، بل يمنح شخصياته عمقًا نفسيًا واجتماعيًا.

في عمله الروائي الأحدث «لعنة سين»، الصادرة عن دار عرب في لندن (2023)، يعتمد على المزج بين التاريخ والأسطورة والرحلة البحرية، حيثُ يوزّع السرد على أزمنة وأماكن متباعدة، ويجمع شخصيات من خلفيات مختلفة، بعضها مستمد من الواقع البحري والتاريخ الاستعماري، وبعضها مستوحى من الميثولوجيا البابلية، بينما البناء السردي يقوم على مشاهد متعاقبة تشبه مقاطع من أرشيف قديم، حيث يتداخل صوت المذكرات مع الرسائل والسرد المباشر.

تدور أحداث الرواية حول مصائر شخصيات تتوزع على ثلاثة محاور زمنية ومكانية، تربطها خيوط متشابكة من الصراع مع قوى الطبيعة والتاريخ والأسطورة. ينطلق المحور الأول من بابل القديمة، حيث يعيش إيشوكو تجربة الطوفان الكبرى، ويواجه الحصار المائي على قمة الجبل بعد مغادرته سفينة أوتنبشتم، فيدخل في صراع مع الجوع والوحدة تحت عين الإله سين. أما المحور الثاني فينتقل إلى مطلع القرن التاسع عشر في جنوب إنجلترا، حيث يظهر روبرت الشاب الذي يتسلل إلى سفينة انفستيجاتور ويجد نفسه جزءًا من رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر، تتداخل فيها التوترات العائلية مع تحديات الملاحة. بينما المحور الثالث يصل إلى أواخر القرن التاسع عشر على سواحل أفريقيا والمحيط الهندي، حيث يقود النوخذة العيدروس سفينته التجارية في رحلة بين عمان وزنجبار، ترافقه طاقم متنوع ومنهم عبد الله البحار الذي يطمح إلى تحسين حياته عبر التجارة والزواج.

تتحرك هذه المحاور الثلاثة في خطوط متوازية، لكنها تلتقي في ثيمات مشتركة مثل البحث عن النجاة، مواجهة المجهول، والتعامل مع القرارات الحاسمة التي تحدد مصير الإنسان. البحر في جميع هذه المحاور حاضر كمسرح للأحداث وكمفتاح لفهم العلاقة بين الماضي الأسطوري والواقع التاريخي، بينما تبقى لعنة سين رمزًا للتجربة الإنسانية التي تتكرر بأشكال مختلفة عبر الزمن.

تعدد الأصوات وتوزيع السرد

يجد القارئ نفسه أمام نص يعبر قرونًا طويلة، من بابل في القرن السادس عشر قبل الميلاد، إلى جنوب إنجلترا عام 1801، إلى سواحل القرن الإفريقي في أواخر القرن التاسع عشر؛ تشكّل هذه القفزات الزمنية أساس البنية الروائية، إذ يضع الكاتب مصائر شخصياته في سياقات تاريخية مختلفة، ويجعلها تواجه اختبارات متشابهة في جوهرها.

تقدّم الرواية أكثر من راوٍ، بحيث يشارك كل صوت في بناء جزء من الحكاية؛ هناك صوت إيشوكو من بابل، الذي يروي تجربة النجاة من الطوفان وما تبعها من عزلة وجوع وصراع مع الإله سين. وهناك صوت روبرت، الشاب الإنجليزي الذي يجد نفسه على متن سفينة انفستيجاتور -والتي تعود إلى الإنجليزية بمعنى المُسْتَقصي أو المُتَحرّي- في رحلة استكشافية طويلة. وهناك صوت عبد الله البحار العماني الذي يرافق النوخذة العيدروس في رحلة تجارة القرنفل والعبيد نحو سواحل أفريقيا.

هذا التنوع في الأصوات يمنح الرواية بعدًا وثائقيًا، حيث يشعر القارئ أن كل راوٍ يسجل تجربته الخاصة، مستخدمًا مفردات وأساليب تناسب بيئته وزمنه. يضبط الكاتب الفروق بين هذه الأصوات، فيظهر الاختلاف بين لغة البحار الأوروبي، ولغة البحار العُماني، ولغة الشخصية البابلية.

البحر كمحور أساسي

يبدو المكان الأكثر حضورًا في الرواية هو البحر، حيثُ تبدأ جميع الشخصيات رحلتها من البحر أو تنتهي إليه أو تجد نفسها محاصرة بمياهه. البحر في النص مساحة للأحداث وامتحان للمصائر. على متنه تتشكل التحالفات، وتظهر النزاعات، وتُختبر الشجاعة، وتنكشف حدود القدرة البشرية.

وصف البحر يجمع بين دقة التفاصيل الملاحية مثل الصواري والأشرعة والمجاديف، وبين ملاحظات الحياة اليومية على ظهر السفن، من توزيع الطعام، إلى إصلاح الأعطال، إلى مواجهة العواصف. القارئ يجد نفسه وسط هذا العالم المزدحم بالحركة والخطر، حيث يمكن لأي حادث أن يتحول إلى منعطف حاد في المصير.

النص لا يتبع ترتيبًا زمنيًا خطيًا، بل يقفز بين العصور، ويعتمد على المقاطع المستقلة التي ترتبط عبر الموضوعات والمصائر. الانتقال من بابل إلى إنجلترا إلى عمان وأفريقيا يتم بسلاسة، إذ يملك كل مقطع بداية ووسطًا ونهاية.

هذا الأسلوب يجعل القارئ يعيد ترتيب الأحداث في ذهنه، ويرى كيف تتكرر الأنماط الإنسانية رغم اختلاف القرون. فالجوع والطموح والرغبة في النجاة والصراع مع القوى الكبرى، كلها حاضرة في كل زمن من أزمنة الرواية.

الشخصيات ومصائرها

تتحرك الشخصيات في «لعنة سين» وفق إمكاناتها ومحدوديتها. إيشوكو في القسم البابلي يختار مغادرة سفينة أوتنبشتم، فيدخل في صراع مع الجوع والعزلة ويعيش على أمل تدخل الإله سين. روبرت في القسم الإنجليزي يجد نفسه في مغامرة بحرية لم يخطط لها، ويضطر لقبول دور الكاتب على متن السفينة لتوثيق الرحلة. عبد الله البحار العماني يعيش بين خدمة سيده وحلمه في تحقيق مكسب من تجارة القطن والزواج من سعدة. كل شخصية تواجه موقفًا يختبر قدرتها على اتخاذ القرار تحت الضغط. هذه القرارات تحدد مسار حياتها، سواء انتهت بالنجاة أو بالخسارة.

الميثولوجيا البابلية حاضرة بشكل واضح، خصوصًا أسطورة الطوفان وأوتنبشتم. الكاتب يعيد تقديمها من منظور شخصية هامشية ترى الأمور بعيونها الخاصة. إيشوكو لا ينظر إلى أوتنبشتم باعتباره حكيمًا فقط، بل يراه قائدًا يتخذ قرارات قد تضر الركاب. هذا التحويل في زاوية النظر يجعل الأسطورة مادة للنقاش.

الإله سين يظهر كمحور للصراع الداخلي للشخصية، بين الرغبة في الطاعة والرغبة في النجاة بأي وسيلة. حيثُ يمثّل سين القوّة الكونيّة التي تراقب وتختبر البشر. حضوره يربط بين الماضي الأسطوري والوقائع اللاحقة. فيما يرمز البحر للمجهول وللمصير المشترك بين الشعوب. من يدخله يخضع لقوانينه. أما الطوفان فيُعدّ استعارة للكوارث الكبرى التي تمحو ما قبلها وتفرض بدايات جديدة.

السمكة في قصة إيشوكو، ترمز إلى فرصة النجاة، وإلى الاختيار بين إشباع الحاجة الفورية أو الحفاظ على العلاقة مع القوى العليا. وتمثّل الأفعى الخطر المستمر الذي قد يظهر فجأة ويقلب التوازن.

اللغة وأسلوب الكتابة

يستخدم الكاتب لغة واضحة ومباشرة في الحوارات، مع دقة في المفردات الملاحية والتاريخية. السرد يميل إلى التفصيل في وصف البيئات الملاحية والمرافئ والمدن الساحلية. هذا التفصيل يخدم الجانب التوثيقي، ويمنح القارئ إحساسًا بمصداقية العالم الذي يقرأه.

التنقل بين مستويات اللغة يتم بسلاسة، بحيث تكون لغة إيشوكو أقرب إلى نبرة الحكايات القديمة، بينما لغة روبرت تحمل أثر الثقافة الإنجليزية البحرية، ولغة عبد الله تمزج بين مفردات عربية وأخرى من بيئة الموانئ العُمانية والأفريقية.

تعتمد الرواية البنية المقطعية حيثُ تُقسّم إلى مقاطع قصيرة نسبيًا يجعل القراءة متدفقة، ويتيح لكل جزء أن يترك أثره قبل الانتقال إلى الجزء التالي. هذه البنية تمنح النص مرونة، وتمكنه من استيعاب أحداث في أزمنة متباعدة دون أن يثقل على القارئ. كما أن كل مقطع ينتهي بلحظة مفصلية تُحفّز على متابعة القراءة.

ورغم الإطار التاريخي والأسطوري، تبقى الرواية عن الإنسان في مواجهة ظروف قاسية. الجوع، الوحدة، الخوف من المجهول، الطموح في حياة أفضل، كلها قضايا تعبر النص من بدايته إلى نهايته.

تعيد «لعنة سين» صياغة العلاقة بين التاريخ والأسطورة من خلال البحر كمساحة سردية؛ ينجح في جعل القارئ يتنقل بين أزمنة متباعدة دون فقدان الرابط بينها. تعدد الأصوات، وتنوع البيئات، واستخدام الرموز، تجعل النص متماسكًا رغم تشعبه. إنها حكاية عن الاختبار الإنساني المستمر، وعن أن النجاة ليست مجرد وصول إلى بَر، بل فهم للثمن الذي دفع من أجل ذلك.

*****

اقرأ أيضا في قنّاص:

فصل من رواية «لعنة سين» للعُماني بسّام علي
لعنة سين أسطورة الحيرة لا أسطورة اليقين | أحمد عمر زعبار
لعنة سين للروائي العُماني بسام علي | وفاء الحوسني

الكاتب السوري عماد الدين موسى

رواية لعنة سين

خاص قنّاص – أهوى الهوى كتاب

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى