مدخل لقراءة قصيدة «بورتريه شخصي في مرآة محدبة» للشاعر الأمريكي جون آشبيري | زاهر السالمي

أن تترجم جون آشْبيري، فأنت تمشي فوق حقل ألغام. لكن؛ هذه ليست كل الحكاية. إنما حتى قراءته جِدّ صعبة، من قرّاء لغتهم الأم هي الإنجليزية، وفي مقدمتهم المشتغلون بالأدب والشعر! فقد كانت غايته «إنتاج شعر لا يستطيع حتى النقّاد التحدث عنه»1. وهذا النوع من الشعر، والذي يمثل تحدياً للمتلقي، كان أحد سِمات المدرسة المعروفة بإسم «مدرسة نيويورك»، والتي كان آشْبيري أحد أعضائها الأربعة المؤسسين، مع فرانك أوهارا (Frank O’Hara)، وجيمس شولر (James Schulyer)، وكينيث كوخ (Kenneth Koch)، في الخمسينيات من القرن العشرين.  لكن آشْبيري -حسب النقّاد- ذهب بعيداً في استخدام أساليب لغوية وفنية جديدة، استقاها من معرفته العميقة بالرسم والموسيقى والتجريد الفني. وقصيدته الأشهر «بورتريه شخصي في مرآة محدبة» تعتبر الأقل غموضاً في سياق شعره العام، والتي أدخلته بعد نشرها مباشرة (1975) في قائمة الآثار الأدبية المعتمدة من خلال الفوز «بالتاج الثلاثي» للأدب الأمريكي الحديث: جائزة بوليتزر، وجائزة الكتاب الوطني، وجائزة الدائرة الوطنية لنقاد الكتب في 1976.

هناك عدد كبير من الدراسات الأكاديمية والكتب التي تناولت هذه القصيدة، ومن مختلف الزوايا الشعرية واللغوية والفلسفية، مما يدل على عمارتها الشاهقة، التي صارت أحد الشواهد الأصيلة في تجسيدها لما بعد الحداثة الإنسانية شعريا. قراءة كل ما كتب عن هذه القصيدة أو معظمه، ربما يكون الأجدى لمحاولة ترجمتها، لكنه يحتاج إلى تفرّغ تام، وهذا ما لم يتوفر لنا. لذلك؛ قرأنا بعضها، واعتمدنا على القليل جداً منها في محاولة تقريبها للقارئ العربي.

الفكرة من هذا المدخل، ليس شرح القصيدة سطراً سطراً أو مقطعاً مقطعا، وإنما إضاءة الثيمات والتقنيات الأسلوبية، التي تتيح للقارئ الذهاب في طريقه الخاص لاستكشاف عوالم القصيدة والتفاعل معها.

كُتبت القصيدة بأسلوب ولغة توصف عادة بالتعبير الشفهي2، وهذا ربما كان أحد أسباب تفاعل الجمهور معها وشعبيتها متمايزة عن أعماله الشعرية الأخرى التي توصف بأنها صعبة وغامضة. القصيدة طويلة العنوان مُستوحاة من لوحة تحمل ذات الاسم، أنجزت في 1524، على يد فنّان عصر النهضة فرانسيسكو مازولا (Francesco Mazzola: 1503-1540) الشهير باسم بارميجيانينو (Parmigianino).

تعتبر القصيدة تأملا (meditation) في اللوحة. المباشرة والفورية في افتتاحية القصيدة تمهد لما هو قادم: وصف مدهش للوحة، لكنها أيضا، وفي مقاطع أخرى من القصيدة، تقدم وصفاً للقصيدة نفسها2، في استقصائها للأساليب الكتابية عن الذات في «بورتريه شخصي للشاعر»:

«كما أنجزها بارميجيانينو، اليد اليمنى أكبر

من الرأس، تدفع الناظر ثم انحراف سهل

للبعيد، كما لو أنها تَحْمي ما تُعْلن عنه.

بعض الألواح الزجاجية المُرصَّصة، عوارض قديمة،

فِراء، موسْلين مَطْوي، خاتم مُرجان، تلتقي معاً

في حَركة تَسْنُدُ الوجه، الذي يسبح مقترباً

ومُبتعداً مثل اليد ما عدا أنه في استرخاء. هو ما هو معزول».

ومن هذا الوصف المتبادل -عبر القصيدة- للوحة وللقصيدة التي يكتبها، يذهب المؤلف إلى التعليق على مفهوم الشكل، الشكل الفني: لوحة، تمثالا.. وعلاقته بثقافة المجتمع الذي أنتجه. يذهب أيضاً الى التعليق على الأساليب الشعرية، كشكل يتمدّد فوق ورقة، ومدى صلابة المعنى: معنى الكلمة، النص، أو القصيدة، عبر تنقله في الزمن، وبين المجتمعات.

الفكرة المأخوذة من مرآتين موضوعتين بشكل مُتقارب لخلق سلسلة من الإنعكاسات، والنظرية التي تقول أن التأمل (meditation) في هذه الظاهرة يمكنه أن يكشف شيئاً عميقاً عن المحدودية أو الإمكانية التي للفن وللنفس الإنسانية لم تكن جديدة. فمنذ أن كتب بلاتو (Plato) في 360 قبل الميلاد حواريته تيمايوس (Timaeus)، والكتّاب مع الفلاسفة والفنّانين يتفاعلون مع  الفكرة ثيمة وموضوعا. ورغم ذلك، لم يتمكن أحدهم لأن يصل إلى إعادة صياغة التأثير الجمالي لمرآتين مزدوجتين كما فعل آشْبيري: الإرباك المُحيّر للأعماق المخادعة، والإحساس المتناقض في الشَرَك المكون من نطاقات غير محدودة، أو الطريقة التي تُقدِّم بها وجهات النظر المختلفة موضوعًا: “في موجة تُعاود/ الوصول”3.

كان لدى آشْبيري الحظ ليكتب في لحظة تاريخية مناسبة بشكل فريد لمثل هذا التأمل. التفكيكية، والسيميائية، ونظرية التحليل النفسي الحديثة، الذات مقابل الآخر، والدال مقابل المدلول، والواقع مقابل المُحاكاة، كانت قد تجذرت إلى النقطة التي صار فيها آشْبيري لا يحتاج للإشارة إلى مراجعه بشكل مباشر3.

في افتتاحية القصيدة؛ يورد آشْبيري مدخلاً مختصراً على لسان المؤرخ الفني جيورجيو فاساري، لتعريف القارئ  بهذه المرآة المحدبة المصنوعة من نصف كرة خشبية، والتي استعملها بارميجيانينو ليرسم انعكاسه، مجسداً المدرسة النمطية في ذروتها:

يقول فاساري:

«ذات يوم هيّأ فرانسيسكو نفسه

ليرسم بورتريهاً لشخصه، ناظراً إلى نفسه لتلك الغاية

في مرآة محدبة، مثل التي يستخدمها الحلّاقون…

لذلك صنع كرة من خشب عند عامل خراطة،

مقسومة إلى نصفين، وجعلها في حجم مرآة،

هيّأ نفسه لينسخ كل ما رآه في المرآة بفن عظيم».

والفن النمطي/التصنعي (Mannerism)، مدرسة ظهرت في عصر النهضة الإيطالية العليا، وذهبت إلى صنع أشكال إنسانية غير مُتّسقة الأبعاد والملامح، من أجل الإبهار، متجاوزة المدرسة الفنية التي جاءت قبلها (دافنشي، ميكل أنجلو) والتي كانت مُذهلة في تجسيد الإنسان في ملامحه المثالية. هذه المدرسة الفنية -حسب تفسيراتها- تنفي الثبات في المبادئ والنظريات الفنية، وتجسد هذا النفي في إبداعها الحُر، ومن أشهر ممثليها بارميجيانينو. وكما جاء في سياق القصيدة: نشأتْ عن التوتر التصنعي:

«البورتريهات اللاحقة كالتي في يوفيزي4

“جنتلمان”، والتي في بورجيس5 “الأسقف الشاب”

والتي في نابْلِسْ6 “أنْتيا”7، صدرت عن التوتر

العائد للمدرسة النمطية، لكنْ هنا المفاجأة،

كما أشار إليها فريدبرغ8،

أن التوتر يقع في المبدأ

وليس في تجسيدها.

انسجام عصر النهضة العُليا حاضر،

وإن حُرّف بالمرآة»

وما يقصده آشْبيري هنا -وحسب فريدبرغ- أن التوتر التبايني يتأصّل في المبدأ، والمبدأ في تصور الأشكال هو نسبي مثلما هو المعنى في الجملة اللغوية، حيث يتم فهمها حسب الخلفيات المعرفية والثقافية، أي أن معناها منزلق-غير ثابت (وهذا نفي لثبات المبدأ في الحالة الفنية)9. ومن هنا نشير إلى أن آشْبيري انطلق من هذا المفهوم الفني ومقاربته بمفهوم المعنى وتأويلاته في الأدب. وما يلفت الانتباه هو أن اللوحة والقصيدة، كلاهما تجسيد لانعكاس الذات. بينما بارميجيانينو يبهر في لوحته عبر المبالغة التصويرية، فان آشْبيري يشدنا عبر عرض واستقصاء لأسلوبه في قطعته الشعرية. ذهب النقّاد إلى أن آشْبيري ينتقد في القصيدة الأسلوب الفني الذي للوحة، ليس من زاوية تجسيده لانعكاس الذات، إنما لنرجسيتها الطاغية ومحدوديتها10. وقليل من الـتأمّل من قبل القارئ في اللوحة، يُمَكّنه من تلمّس نرجسية الذات عبر المبالغة التصويرية، والمحدودية في الإيحاء بتجربة روحية مُعينة، أي في الأخير: ماذا تقول أو توحي به هذه اللوحة؟ فالروح:

«الروح تُقِيمُ ذاتَها. لكن إلى أي مدى

تستطيع السباحة بعيداً خلال العيون

ومع ذلك تعود بأمان إلى عشّها؟ سطح المرآة

كونه محدبا، تزداد المسافة بشكل بَيِّن؛

هذا يكفي لبيان وجهة النظر بأنّ الروح

أسيرة، تُعامل بإنسانية، موضوعةً

في حالة مُعلّقة، غير قادرة على الابتعاد أكثر

من نظرتك وهي تتقاطع مع الصورة»

في مدخل القصيدة وفي قفلتها، يبدي آشْبيري ارتياباً من إمكانية العمل الفني في توصيل رسالة. جدلية بارميجيانينو في لوحته أنه يمكن قراءة روحه من الوجه الذي رسمه في البورتريه الشخصي، لكنه من الصعب أو من المستحيل الجزم بما يدل عليه هذا الوجه10:   

«يودّ المرء أن يُبرز يده

خارج الكرة، لكنّ ما يحملها

هي أبعادها، التي لن تسْمح بذلك.

لا شكّ أن هذا هو، وليس الانعكاس

لإخفاء شيء ما، الذي يجعل اليد تبدو كبيرة

وهي تتراجع قليلا. لا توجد طريقة

لتشكيلها مُسطّحة مثل جزء من جدار:

يجب أن تنضمّ إلى مقطع من دائرة،

تَجُولُ عائدة إلى الجسد الذي على ما يبدو

من المستبعد جداً أن تكون جزءً منه، تُحيط

وتسند الوجه حيث جهد هذه الحالة يُقْرأ

كمثل غمّازة ابتسامة، ومْضة

أو نجمة غير مُتَيقَّن مِن أن المرء قد رآها

مع استئناف الظلام. ضوء جانح

رقّة هلاكه حتمية تستبق زهْو اشتعاله:

غير مهم لكنه مقصود»

بينما تبدأ الفقرات الشعرية في التراكم، ينتقل آشْبيري من الحديث عن لوحة بارميجيانينو أو نسخته الفريدة من الشعر، إلى الحديث عن الفصل بين الطبيعة الساكنة للفن وبين اللغة والديناميكيات الدائمة التقلب للوعي، حيث الكلمات ليست غير تخمين3:

«هذا هو اللحْن إنما لا كلمات.

الكلمات ليست غيرتخمين،

(من speclum باللاتينية، مرآة)11:

الكلمات تسْعى ولا يمكنها العثور على معنى الموسيقى.

نشاهد فقط وضْعيّات الحُلم،

راكبو حركةٍ تُأرْجحُ الوجه،

في مَنْظرٍ تحت سماوات المساء، بلا

فوضى خادعة كدليل على الأصالة»

يُفهم التعبير الشفهي في سياقاته الأدبية المعاصرة على أنه يقابل «الفن التجريدي» في الرسم، وأهم ممثلي الفن التجريدي جاكسون بولوك وبابلو بيكاسو، وكانت الخمسينات من القرن الماضي، في نيويورك مسرح ظهوره. يُعرف الفن التجريدي بأنه استخدام متعمد لعناصر تحريفية في موضوع اللوحة لخلق تأثير انفعالي معين. وهنا يكمن اختلافه عن الفن النمطي في مرحلة عصر النهضة؛ في غايته، وفي تجسداته السريالية. وبلغة أبسط؛ التعبير الشفهي هو ما يكتب أدبياً بلغة تقترب من المحكي في حواراتنا اليومية بانقطاعاتها وشطحاتها وفراغاتها التعبيرية، بينما المعنى المقصود إيصاله يجد طريقه للآخر. وليست الغاية إيصال حقيقة تقريرية، بمفهومها الأفقي التقليدي، في جدل منطقي للأفكار. إنما إيصال حقيقة انفعالية تنسب إلى اللحظة والتجربة العاطفية10: «نقيّ ذاك الذي لا يؤكد شيئاً»:

«ومثلما لا توجد كلمات للسطح، هذا هو،

لا كلمات لتقول حقّاً ما هو، ذلك هو ليس بالسطحي

لكن جوهر مرئي، ثم لا سبيل للخروج من مشكلة التفخيم

الدرامي للحزن مقابل الخبرة.

سوف تبقى، متململا، هادئاً في إيماءتك

التي ليست تحديقاً ولا تحذيراً

لكنها التي تحمل شيئاً من الاثنين

في تأكيد نقيّ ذاك الذي لا يؤكد شيئاً»

وفي قصيدة “بورتريه شخصي” يناقش آشْبيري بحذق لوحة بارميجيانينو، مقدماً لمحة عن العواطف والانفعالات التي تشي بها اللوحة، طارحاً التعبيرية الشفهية كمقابل للتجربة البصرية عند مشاهدة اللوحة. وهو بهذا يتجاوز الوصف الصرف للوحة، ذاهباً إلى تحديد الاحتمالات والإمكانيات التي تقدمها الأساليب التعبيرية الشفهية والبصرية3.

وفي مقاربته للتجريد الفني، ولخلق انحراف تجريدي وكسر في انسيابية القصيدة، نجده يأخْذُ اقتباسات طويلة من النقد الفني -من فاساري وفريدبرغ- التي تعتبر عادة بعيدة كلية عن الشعرية من الناحية اللغوية، يلحمها بشكل مدهش وبسهولة تامة في قماشة قصيدته10. هناك أيضا اقتباسات من النقد الموسيقي (شخصيات هوفمان)  ومن المسرح الشكسبيري: (إيموجين في مسرحية سيمبيلاين). وفي محاذاة هذه الاقتباسات، يُدخل بعض الكلمات الأجنبية مطبوعة بشكل منحرف، مثل (speclum)، و (bizarria)، و (le temps)، و (en permanence). هذه كلمات تُعرف بأنها غريبة عن الانجليزية!

«لكن عيونك تعلن

أن كلَّ شيء هو سطح. السطح هو ما هو هناك

ولا شيء يمكن أن يوجد إلا ما هو هناك.

لا توجد فُرَضٌ في الغرفة، فقط تجاويف،

ولا أهمية كبيرة للنافذة، أو شِقّة النافذة تلك،

أو المرآة على اليمين، حتى كمعيار للطقس،

الذي هو  le temps بالفرنسية، مفردة الزمن،

والتي تَتْبع دورة حيث التبدّلات مَحْض خصائص للكل»

وهناك مجموعة أخرى من الكلمات يضعها آشْبيري بين مزدوجين للدلالة على الاقتباس، وهي ليست غريبة عن الإنجليزية، إنما كلمات وعبارات متداولة ومعروفة. هاتان المجموعتان تمثلان النقيض لغويا: الغريب ونقيضه المستعمل والمتداول. نلاحظ  هنا أن آشْبيري لا يدخل المقاطع النقدية الطويلة والمفردات الأجنبية كتعابير جديدة، ولا يحاول تأهيل المفردات والتعابير المتداولة ليصل بها إلى الشعرية، إنما يستعملها كما هي في أصلها، وذلك لتفعيل الانحراف التجريدي وتفكيك الانسيابية في سياق قصيدته10!

التعبيرية الشفهية كأسلوب أدبي لم يكن جديداً. فقد ظهرت معالمه عند تي اس اليوت في «الأرض الخراب»، وغيرها من الأعمال المسرحية والروائية قبل آشْبيري. لكن السياق التاريخي يكاد لا يكفي لشرح عبقرية القصيدة، ومع ذلك، تكمن هذه العبقرية في قدرته على التنبؤ والنقد الذاتي لكل إستطراد في القصيدة مع اقتصاد في اللغة والاستعارة التي تتوافق مع البراعة التقنية التي للوحة3.

صَرّح أشْبيري في أحد حواراته: «المرء يقول شيئًا بقصد أن يكون مفهوما، وهذا ليس سهلاً أبدا. التواصل الناقص أو المشوب بالعيوب، ما زال تواصلا. ما يُشجيني ويؤثر فيّ بشكل خاص هو الحوار الدارج بعدم دقته وشذوذه اللغوي. هذه النوعية من التواصل هو ما يُعجبني في الشعر»”. هناك مقطع مُبَكّر يشي بهذا الشغف، جاء في قصيدة “تحسّن قريب” المنشورة في 1966، أي قبل “بورتريه شخصي” بعقد تقريبا:

«نحن كلنا مُتكلّمون، هذه حقيقة،

لكن تحت الكلام يكمن المُتَحرّك الذي لا يريد

أن يُحَرَّك، المعنى المُنْفلِت، غير المُرَتّب

والبسيط مثل أرضية بَيْدَر».

في مقال لمحمد العزاوي: “مشكلــــة اللغــة فـي شعر الطليعة الأمريكي”12، يناقش قصيدة روبرت كريلي “كلمات”، وقصيدة جون آشْبيري «تناقضات وتضادات». يكتب محمد العزاوي: “إذا تفحص المرء المشكلة اللغوية في شعر الطليعة فإنه لن يستطيع أن يتجنب إيلاء الانعكاس الذاتي للغة – الذي ربما يكون الصفة الأكثر تمييزاً لشعر ما بعد الحداثة، عناية خاصة… يظهر الانعكاس الذاتي للغة في شعر ما بعد الحداثة على مستويين: أولا تتحدث القصائد عن مشكلة اللغة وتجعلها مركز مضمونها. وثانيا تتخذ القصائد من مشكلة وصف شيء ما لغوياً موضوعا لها، ولكن بصورة غير مباشرة من خلال لغويتها الذاتية… لا يبقى للقارئ لدى قراءة القصيدة خيار آخر كما هو واضح غير استخدام اللغة اليومية التي ألفها كورقة استنساخ مساعدة لفهم اللغة الشعرية”.

وفي إشارة محمد العزاوي النابهة في استعراضه للإشكال اللغوي في القصيدتين: «فضلاً عن هذا ثمة خروقات نحوية…». وهنا يكمن شَرَك ترجمة هذا النوع من الشعر إلى العربية أو إلى أي لغة أخرى! فهل سنترجم بالعربية الفصحى؟ وأي فصحى، القديمة أم المعاصرة؟ وإن قُلْنا أن الترجمة بالفصحى المعاصرة هو أقرب إلى روح القصيدة، فهل سيفي هذا بالغرض؟ الترجمة بعربية تقترب من المحكي اليومي بانكساراته النحوية هو الحل الأمثل كما يبدو. لكن تَدْخل اللهجات في هذه اللغة المحكية! فبأي لهجة عربية؟ هذه أسئلة طرحناها على أنفسنا ونحن في سياق الترجمة، مع كل مفردة وجملة، وتركيب الجملة نحويا. وستكتشف أيها القارىء الكريم أنها مشكلة عويصة، بما أن التعبير الشفهي هو أسلوب فني متعمد في بُنْية القصيدة الأصل!

نجد أن آشْبيري في الفقرات التي اقتبسها من النقد الأدبي يحولها إلى شيء يمكن أن يُدْعى شعرا. الفكرة التي يحاول الايحاء بها -حسب النقّاد- هي أنه لا منطق كبير في التفريق بين ما هو لغة شعرية أو لغة عادية. والمفاجأة ليست في إيجاد شعر من قطعة لغوية عادية أو حتى قبيحة، بإخراجها من سياقها وإعلائها إلى درجة الشعرية، إنما المفاجأة هنا هو أن هذه المقاطع اللغوية تبقى فاعلة كما هي في أصلها المقتبسة منه: مقاطع من نقد فني!!

في امتلائها بالمعنى، تعتمد الكلمات تاريخياً على سياقات لم تعد مستعملة في لحظتنا الزمنية الراهنة. أي أنها جاءت من «سياق مفقود». لكن هذا السياق المفقود يمكن أن «يُعَوّض» عبر إدخال هذه الكلمات في مواضع جديدة. لذلك ونظرياً لا منطق من التفريق بين ما هو أسلوب شعري وما هو لغة عادية. كل قطعة من اللغة، شعرية كانت أو عادية، بالتساوي قد فقدت شكلها الأصلي، وبالتساوي هي متاحة لبناء لغوي جديد. فالكلمات قطع من اللغة موجودة حولنا ليستخدمها الشاعر13 .

وبكلمات أخرى؛ حسب القصيدة: البورتريه بلا ثيمة / موضوع. ولتحصل على ثيمة، عليك أن تنتمي لشكل ثقافي معين. لكن كل الأشكال الثقافية ليست إلا تلاقح، تعود في أصلها إلى أشكال ثقافية أخرى، حتى لو كانت هذه الأشكال الأخرى تعود إلى الأمس القريب. يمضي البشر الى الحاضر من ماضي ما دون تحكمهم بهذا المسير، وكما قال هايدغر: هم «مقذوفون» إلى مسار ما. لا بد لهم من أن يعتمدوا على أدوات الماضي، وفي ذات الوقت أن يهربوا منها. أن يعتمدوا وأن يهربوا من الأشكال الثقافية التي كانت قد أنتُجِت وقيدتهم. لكن لا يوجد ماض ثقافي يكفي تماما للحاضر، لأن هذا الحاضر دائماً وببراعة يختلف عن الأمس «ما من يوم سابق كهذا»10:

«هذا الغير موصوف، النهار غير المُحدّد أبداً

هو سِرّ المكان الذي يحدث فيه

ونحن لم يعَدْ بإمكاننا العودة إلى مُختلف

الأقوال المتضَاربة مُجْمَلةً، إلى انتكاسة الذاكرة

للشهود الرئيسيين. كل ما نعرفه

هو أننا بَكّرْنا قليلا، أن اليوم

لديه تلك الاستثنائية، صاقلُ ماسٍ

بروح اللحظة الذي يُعيد إنتاج ضوء الشمس

بإخلاصٍ صابّاً ظلال غُصيْن على الأرصفة

المرحة. ما من يوم سابق كهذا»

وكذالك الكائن البشري:

«الذين لم تُقدّم لهم أي مُساعدة أياً كانت

لفكّ شفْرة حصّتنا بحجم-إنسان ويجب علينا الإعتماد

على معْرفة مُستعملة»

وبما أن الأشكال الثقافية مقيدة بالتاريخ، لذلك فإن المواضيع والثيمات التي تعتمد عليها هي حالة غير مستقرة. لا يمكن لها أن تطمح لأن تكون حقائق، وعليها أن تستقر كأعراف وتوافقات وتقاليد خالصة، كما كل شيء ثقافي. لا تصل معلومات مهمة من قولنا أن شعراً أو لوحة تستخدم أعرافاً وتوافقات نهضوية للحديث عن الروح، حين الروح ذاتها هي أحد الأعراف في مفهومها القادم من عصر النهضة13. المعرفة المُستعملة تشير هنا إلى الثقافة القادمة من الموروث، من الأعراف، أو من التلاقح، والتي ينصح آشْبيري باستعمالها هكذا:

«ليس لدينا وقت لهذا، بإستثناء استخدامها

للإشعال. كلما تم إحراقها بسرعة

كان ذلك أفضل للأدوار التي يجب أن نلعبها»

لا يمكن للكائن البشري من الهرب من العرف والتقاليد. دائماً تلعب هذه التقاليد دوراً بشكل مباشر أو غير مباشر. لكن عدم امكانية التفعيل الكامل للأشكال الثقافية القادمة إلينا من الماضي أو حتى فهمها كلية في دورة الحاضر، تجادل عدم إمكانية تحديد ثيمات ومواضيع تأخذ شكل الحقيقة اعتماداً عليها؛ لذلك «ليس لدينا وقت لهذا، باستثناء استخدامها للاشعال»، ومفردة «إشعال» تؤدي دلالتين، اشعال هذا الوقود / الموروث الثقافي من أجل إضاءة اللحظة الراهنة، وبعد عملية الاشتعال يحترق وينتهي، وكلما سارعنا في عملية الاستفادة من هذا الموروث «اضاءة» ثم التخلص من قيوده «حرق» سيكون «أفضل للأدوار التي يجب أن نلعبها». فالتأويل الهيرمونيطيقي لإيجاد رسالة في الحاضر من نص عائد للماضي قد تم تضليله أصوليا14:

“ما هو جميل يبدو جميلاً فقط لأنه في علاقة بحياة

معينة، مُجرّبة أم لا، مُوجّهة إلى شكلٍ ما

منقوعٍ في حنين ماضٍ جماعي.”

ورغم نقد آشْبيري للوحة، وللفن كما الأدب بشكل عام، في محدوديته لنقل حقيقة معينة خارج السياق التاريخي والثقافي، حيث الفن “أداة ضعيفة” لا يمكننا من خلالها توصيل ثراء أرواحنا بالكامل، إلا أننا قد نستخدم ما لدينا: “هذا الإختلاف، هذا الذي (ليس-نحن) / كله هناك للنظر إليه في المرآه، على الرغم من أنه لا يمكن لأحد أن يقول / كيف جاء ليصير على هذا النحو”. رغم كل ذلك؛ يظل آشْبيري مفتوناً بتلك اللوحة. في تقنيتها والمفارقة الآسرة لقدرتها على جذب وصد نظرة المشاهد في ذات الوقت3:

“لكن هناك مزيج في تلك النظرة

من الرقّة، واللهو، والحسرة، قوية  جداً

في رَدْعِها فلا يستطيع المرأ أن يُعاين طويلا”

يتعجب آشْبيري من القدرة الجمالية  التي “تغلي” كل تلك الأشياء في: “مادّة واحدة مُتّسقة، صهارة الباطن” فتجعل العمل الفني مُتفَّرداً في إبداعه3. لكنه يتساءل قائلا: “ولا أستطيع شرح فعل التوازن/ لماذا يجب أن تُختزل كلها إلى مادّة واحدة مُتّسقة”، وهذا نقد مبطن للمدرسة الفنية التي تبحث عن التناسق المثالي في اللوحة، ويتسع هذا النقد ليشمل الشعر وغيره، مجسداً نقده في استطراداته بين اليوم والأمس، وفي تأملاته بين الشكل الفني والشعر، وفي اقتباساته الطويلة، وفي شحنه للقصيدة بكلمات غريبة عن الانجليزية، وكلمات متداولة ومستهلكة، كاسراً ذلك الانسياب المتناسق في الساعة الرملية!

يتعجب من بارميجيانينو، الذي تبلل بالخيمياء، أي أنه ليس خيميائياً محترفا، ولا يرغب في إعمال هذا العلم -الخيمياء- في إبداعه الفني. إنما يستخدم القليل من خيمياء تركيب الألوان ومزجها في لوحته التي هي نطاق واسع من خيمياء الانعكاسات في مرآة محدبة، لينقل إبداعه إلى المتلقي ويُدهشه -حسب “فريدبرغ”:

“هذه ستكون النقطة

التي نغزوا فيها خصوصية هذا الرجل الذي

“تبلّل بالخيمياء، لكن لم تكن

رغبته هنا فحْصٌ مُفصّل لأجزاء

الفن بروح علمية:  رغِب من خلال اللوحة

نقْل الإحساس بالإبداع والدهشة إلى الناظر” (فريدبرغ).”

يشير الشاعر إلى المتلقي للعمل بشكل عام، وإلى قارئه بشكل خاص، ويؤكد حضوره، مركزاً على التباين في نطاق التلقي، من منظور زمني وخلفياته الإجتماعية والثقاقية15:

“الذين لم تُقدّم لهم أي مُساعدة أياً كانت

لفكّ شفْرة حصّتنا بحجم-إنسان ويجب علينا الإعتماد

على معْرفة مُستعملة. مع ذلك أعلم

أن لا ذائقة شخص آخر ستُقدّم

أي مُساعدة، ويمكن أيضاً تجاهلها.”

“بورتريه شخصي في مرآة محدبة” عمل يستقصي فيه الشاعر، فعله الإبداعي في تأليف الشعر. وتعرف هذه العملية بالانعكاس الذاتي. فالقصيدة هي انعكاس لذاتها، حيث يناقش الشاعر، مراراً وتكراراً، عبر مراحل القصيدة، ليس الابداع الفني فحسب، إنما إبداعه الشخصي في تأليف هذه القصيدة. وبشكل مركزي، في وصفه للوحة، يشير إلى أن هذا النوع من الفن ليس جديدا، فقد سبقه إليه آخرون، وبالأخص بارميجيانينو. في اللوحة؛ يشد الرسّام الانتباه إلى إبداعه عبر اختياره آداة غريبة، ألا وهي انعكاسه، لكنه ليس أي انعكاس، إنما انعكاس في مرآة محدبة. لكن اختياره لهذه الأداة الغريبة لم يكن إلا حيلة بارعة لإظهار مهارته: “ما هو مبتكر هو العناية القصوى في استخلاص / الإرادة الباردة للسطح الدائري العاكس / (إنه أول بورتريه من مرآة)”. يظهر انعكاس الشاعر الذاتي، بشكل متكرر في ذكر أفعاله الراهنة وفي ذكرياته، لكنها معشعشة في ثنايا وصفه للوحة بارميجيانينو، ووصف تجربته الشخصية: مشاهدة اللوحة والتأمل فيها: “فيينا حيث اللوحة هي اليوم، حيث / رأيتها مع بيير صيف 1959؛ نيويورك / حيث أنا الآن..”. وبكل يسر سنلاحظ عبر تطور العمل هذا التنقل المتكرر من الذاتي إلى اللوحة التي ألهمته وبالعكس: “ومع ذلك، فإن المساحة “الشِعرية” بلون القشّ / من الرواق الطويل الذي يؤدي عائداً إلى اللوحة..؟” ومن منظوره الشخصي؛ فإن آشْبيري لا يكتفي بالتعليق على ردّة فعله تجاه اللوحة، بل يناقش فعله الابداعي في كتابة هذه القصيدة عن تلك اللوحة. مأكداً على غايته في استلهام عناصر ومعاني من الفن: “أذهب لإستشارة / هذه المرآة التي لم تعد ملكي لأجل أكبر قدر من الفراغ النشيط كأنها تكون / من نصيبي هذه المرّة”. ليس هذا فقط، إنما تجسيد عملية هذا الاستلهام وكيفيته عبر تشكيله للقصيدة. في روح القصيدة، وفي تفرعاتها، بشكل مباشر وغير مباشر، هناك تأكيد على النسبية. الابداع الفني والتأليف الأدبي من كلمات، وجمل، وعناصر، هي موجودة مع الوجود البشري، يستخدمها كل مبدع بأسلوب متفرد، حسب سياقه الزمني والثقافي: “هيّأ نفسه لينسخ كل ما رآه في المرآة بفن عظيم/… اختارت المرآة  أن تعكس فقط ما يرآه هو”. والناتج من هذه الأعمال، ليس حقيقة صلبة، ولا يمكن الجزم بمعناها، وحتى في إيحاءاتها. يكمن هذا التشظي في قلب عملية الابداع ذاتها، في صيرورتها التاريخية ولحظتها الراهنة، حيث أن النسخة النهائية ليست بالضرورة ما قصده المؤلف15:

“هذا هو المبدأ الذي يجعل من الأعمال الفنية على خلاف

ما قصد الفنّان. غالباً ما يجد

أنه أسقط الشيء الذي بدأ في قوله

أول الأمر. مُغْوى بالزهور،

ملذّات جليّة، يلوم نفسه (على الرغم

من قناعته في السِرّ بالنتيجة)، مُتخيلاً

أنه كان له في الأمر رأي ومارس

خياراً بالكاد كان يَعِيه،

غير مُدرك أن الضرورة تُراوغ مثل هذه القرارات،

وذلك لخلق شيء جديد

في حدّ ذاته، ولا طريق آخر،

مضى فيه تاريخ الخلق حسب

قوانين صارمة، وأن تلك الأشياء

تُنجز بهذه الطريقة، لكن أبداً ليست الأشياء

التي أعْدَدْنا لتحقيقها ورغبنا بإسْتِماتة

في أن نراها تأتي إلى الوجود.”

المراجع:

  1. ميغان أوروك. كتيب التعليمات: كيف تقرأ جون آشبيري. 2005. SLATE.com
  2. بورتريه شخصي في مرآة محدبة: مقدمة. شعر للطلبة. إنسايكلوبيديا.كوم
  3. هارولد بلوم (Harold Bloom)  وآخرون. بحوث شاملة ودليل دراسي: جون آشبيري. بيت تشلسي للناشرين. 2004؛ الولايات الأمريكية المتحدة. الصفحة 60-65.
  4. Uffizi: صالة عرض يوفيزي في فلورنسا، إيطاليا.
  5. Borghese: صالة عرض للفنون في روما، إيطاليا.
  6. نابْلِسْ (Naples): مدينة نابلس الإيطالية، وتضم عدداً من المتاحف التي تحتوي على أعمال فنية شهيرة.
  7. أنْتيا:Antea
  8. سيدني فريدبرغ (Sydney Freedberg: 1914-1997): مؤرخ وناقد فني تخصص في الأعمال الفنية التي تعود لعصر النهضة الإيطالية.
  9. وليم إلفورد روجرز (William Elford Rogers). تأويل التأويل: نصية التأويل باعتباره انضباطاً تقشفياً: الفصل الثاني: البئر والمرآة، صفحة 77. مطبعة ولاية جامعة بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، 1994.
  10. المرجع السابق، صفحة  76-77.
  11. speclum: جاءت هكذا في نص القصيدة الأصلي، حيث يترجمها آشبيري: “من speclum باللاتينية، مرآة”.
  12. محمد العزاوي: مشكلــــة اللغــة فـي شعر الطليعة الأمريكي. مجلة نزوى، العدد 56، أكتوبر 2009. 
  13. بورتريه شخصي في مرآة محدبة: التعبيرية. شعر للطلبة. إنسايكلوبيديا. كوم (Encyclopedia.com).
  14. وليم إلفورد روجرز (William Elford Rogers). تأويل التأويل: نصية التأويل باعتباره انضباطاً تقشفياً. الفصل الثاني: البئر والمرآة، صفحة 78 مطبعة ولاية جامعة بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، 1994.
  15. بورتريه شخصي في مرآة محدبة: ثيمات. شعر للطلبة. إنسايكلوبيديا. كوم (Encyclopedia.com).

خاص مجلة قَنآص

photo jhon ashbery_edited.jpg

جون آشبيري (Illustration by: Jillian Tamaki – www.nytimes.com)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى