عماد أحمد: إلى حيثُ تكون أليفاً وواسعاً
بقلم: عماد الدين موسى
تتجه كتابةُ الشاعر السوري عماد أحمد إلى اكتشاف الإنسان من داخله، وتقترب من التجربة الفردية بروح هادئة تبتعد عن الخطابة واليقين الجاهز؛ حيثُ تنحو قصائده نحو مراقبة دقيقة لحركة الزمن، وتأمل طويل في أثر الأمكنة والوجوه والعلاقات، فتغدو القصيدة مجالاً تتقاطع فيه الخبرة الشخصية مع أسئلة تتصل بالوجود والهوية والذاكرة. ويظهر في أعماله حرص واضح على بناء صورة شِعرية تمتلك توازنها الداخلي، مع عناية بالإيقاع الهادئ، وبالجملة التي تحمل أكثر من طبقة دلالية من دون تعقيد أو زخرفة فائضة.
تأتي مجموعة عماد أحمد «إلى حيثُ تكون أليفاً وواسعاً»، الصادرة عن دار مرفأ في بيروت (2025)، ضمن تجربة شِعرية تتعامل مع الذاكرة عبر مسار بعيد عن الصخب، وقريب من النبض اليومي، فالشاعر يقترب من الأشياء التي تبدو عابرة في ظاهرها، ثم يعيد ترتيبها داخل بناء شِعري يفتح أبواباً واسعة أمام التأويل؛ البيت ورائحة الهيل وأكواب الشاي وشجرة التوت وأحاديث الأقارب، تتحول إلى مفاتيح تقود نحو قراءة أعمق للعلاقة بين الإنسان ومكانه، حتى تغدو التفاصيل الصغيرة حاملة لثقل التجربة كلها. بينما تمر الحرب في الخلفية مثل ظل طويل، وتواصل الحياة حركتها عبر العادات والذكريات والمشاهد التي ترسخت في الوجدان، فتتشكل قصائد تجمع الخاص والعام داخل نسيج لغوي متماسك. لهذا تبدو الألفة محوراً رئيسياً في المجموعة، فهي تمتد من العلاقات الإنسانية إلى الأمكنة، ثم تتسع حتى تلامس رؤية الشاعر للعالم، فيغدو الاتساع امتداداً طبيعياً للألفة، ويتحول الشعور الشخصي إلى خبرة إنسانية قابلة للمشاركة.
في قصيدة «أجرّب أن أحبك» يقول الشاعر:
أجرّبُ أن أحبك
أخلط الأصفر مع الأزرق
وأنتظر أن تثمر الشجرة التي تسكن روح الغابة.
يعتمد هذا المقطع على التحول أكثر من اعتماده على التصريح، فالحب يظهر عملاً يقوم على التكوين، يبدأ بحركة بسيطة ثم يتدرج نحو صورة أكثر رحابة. ويقود امتزاج اللونين إلى ولادة الأخضر، وهو لون يرتبط بالنمو والتجدد، ثم ترتفع الصورة إلى مستوى آخر عبر الشجرة التي تقيم في روح الغابة، فتغدو العلاقة بين الجزء والكل أكثر عمقاً، ويتحول الداخل إلى مرآة للخارج.
تنبع خصوصيّة هذا المقطع أيضاً من الاقتصاد اللغوي؛ فثلاثة أسطر قصيرة تحمل شبكة واسعة من الرموز، وتربط الحب بالحياة، والانتظار بالثمر، واللون بالطبيعة، من غير إفراط في الزخرفة أو الاستعارة الثقيلة، الأمر الذي يرسخ هوية شِعرية تعتمد الصفاء والدقة، وتترك أثرها عبر الإيقاع الداخلي أكثر من اعتمادها على الإبهار اللفظي.
تتسع الرؤية الشِعرية في المجموعة عبر انتقال الخطاب من دائرة الذات إلى فضاء العالم، فتغادر القصيدة حدود التجربة الشخصية نحو أسئلة تمس المصير الإنساني. ويظهر ذلك بوضوح في قصيدة «أيها العالم»، حيث يقول الشاعر:
ما حاجتك إلى دموعٍ قريبة؟
ما حاجتك إلى قلبٍ يتبع أثر خطواتها على الماء؟
يقوم هذا المقطع على المفارقة بين اتساع العالم ورهافة التفاصيل الإنسانية، فالسؤال يتكرر بصيغة واحدة، غير أن المعنى يتسع مع كل سطر، فيتحول الاستفهام إلى أداة بحث عن قيمة العاطفة وسط مشهد مثقل بالخسارات. أما صورة «خطواتها على الماء» فتؤسس مشهداً بالغ الشفافية، إذ تتعقب العين أثراً سريع الزوال، فتغدو الحركة رمزاً لكل ما تحاول الذاكرة الاحتفاظ به رغم تبدل الأزمنة، فتغدو الدمعة والقلب والخطوة عناصر ترسم ملامح الإنسان وسط عالم تتنازعه الحروب والتحولات.
تعتمد المجموعة لغة شفافة تستمد طاقتها من المفردة اليومية، مع حضور واضح لإشارات فلسفية وعلمية تندمج داخل السياق الشِعري من غير افتعال؛ فالصور تنمو بهدوء، ويتشكل الإيقاع عبر تتابع الجمل القصيرة والمتوسطة، بينما تتوزع الدلالات بين الذاكرة والحب والحرب والحنين. هذه البنية تجعل القصائد قريبة من القارئ، ثم تدفعه نحو طبقات أعمق من التأويل، فتغدو القراءة رحلة تتنقل بين المشهد الواقعي والأفق الرمزي. كما يظهر حرص الشاعر على الاقتصاد في العبارة، فتأتي الصورة محكمة، ويأتي المعنى مفتوحاً على احتمالات متعددة، الأمر الذي يرسخ توازناً دقيقاً بين البساطة والعمق.
تؤكد «إلى حيثُ تكون أليفاً وواسعاً» أن الشعر قادر على استخراج الجمال من أكثر اللحظات هشاشة، وأن الذاكرة تظل المصدر الأعمق لاستعادة الإنسان وعلاقته بالمكان والوجوه والتفاصيل. وتبدو الألفة خيطاً يصل القصائد جميعها، بينما يتحول الاتساع إلى أفق يستوعب الحب والحرب والحنين، والأسئلة الوجودية في سياق فني متماسك.
الشاعر السوري عماد الدين موسى














