رواية «لسع الثلج».. طه خليل يحكي ولا يرتوي من الظمأ إلى الحرية | عماد الدين موسى

واقع يحتاج إلى صلاح الدين إنْ في الحالة الكردية أو العربية، فالقهر السياسي والاقتصادي للناس بحاجة إلى بطل

 

يضع الشاعر والروائي الكُردي طه خليل في روايته الجديدة «لسع الثلج»، الصادرة عن دار نفرتيتي للنشر في القاهرة 2022. التاريخ الكردي في موضع الاتهام، كونه لم يؤسِّس بذرة الدولة، فبقي الأكراد بلا هوية، كما بقوا مثل ثوبٍ تمَّ تمزيقه ولا يمكن رتقه.

هكذا؛ يذهب طه خليل (من مواليد قامشلي 1966) إلى الماضي- التاريخ الماضي كونه يشكل عمقاً جيوسياسياً لشعبٍ كلَّما لملَمَ آماله وأحزانه مطالباً بحقه المدني على الدولة التي تعامله كرعايا، أو كقن؛ ما يفتأ يأكل العصي على رأسه حتى يضيِّع الاتجاهات. ولمَّا يذهب إلى القوَّة المسلَّحة كما حصل مع كُرد باكور (تركيا) في صدامهم المسلح في نهايات القرن الماضي يتعرضون كشعب لعنف مُمنهج.

طه خليل (صفحة الكاتب على فيسبوك)

 

يارو الشاب الكردي الذي جاء من مدينة قامشلي ليدرس في جامعة دمشق، ويلتحق بالجيش لأداء الخدمة الإلزامية؛ ومن ثمَّ يتعرَّف على “فيليتسيا” الفتاة السويسرية ذات ليلة عند أحد الأصدقاء، والتي ستسافر معه إلى القامشلي ويعلمها العربية وتَطَّلع على معاناة الكُرد السوريين مع الدولة، والتي يقع في حبها، هي الغربية وهو الشرقي الذي كلما لمس ظهر امرأة نبت ريشٌ في مواضع أصابعه سرعان ما ترفرف وتطير: هيلا التي طارت بجناحين من الايديولوجيا وغابت، ليلى الأشورية التي نبت لها جناحان في كتفيها، وهيفين التي تزوجت من عجوز مقيم في ألمانيا والذي يكبرها بخمس وثلاثين سنة، إلا نورا التي رفضت أن يلمسها وقالت له: دعني ابتعد بلا ريش؛ وها هي فيليتسيا التي قد ترسم مساراً آخر لحياته المضطربة.

يارو مشكلته في الرواية أنه لا يستطيع أن يقيم تحالفات، هو بسيط وقد يبدو فجاً وقاسياً، وكما اشتغل عليه طه خليل لم يكن يضع في حسبانه أنَّ الطغاة عندما يحاربون شعوبهم فليس على أساس عرقي، فالعروق لا تتحارب بل الطبقات، الروائي طه خليل ينقد الدولة المومياء التي تلغي العقل وتفتخر بتمثالها الشمعي الدامي، يارو الطالب الجامعي والذي تتشابك أفعاله مع فيليتسيا السويسرية، ومن ثمَّ مع إسماعيل الطبيب البيطري الذي بترت يده في أحداث مدينة حماة عندما كان يؤدي الخدمة الإلزامية، والذي فقد حبيبته هبة العواد في ذات الأحداث بحماة، ومن ثمَّ تزوَّج من رفيقته في الحزب الشيوعي بشرى العطار وطلقها بعد سنة ونصف، وزواجه التالي من “كلثومة” ثمَّ اعتقاله وقد ترك رسالة ليارو بأن تسلمه كلثومة لوحة بشار العيسى وقد يطول سجنه أو قد يموت هناك، وأن يسلِّم له على جدِّه صلاح الدين الأيوبي إن التقاه. يارو الذي يجمع العذرية السياسية فيخلط الاجتماعي بالاقتصادي ليتولَّد ذاك الحس العفوي، يصيِّره الروائي طه خليل بفكره النقدي الثوري من خلال أحداث الرواية التي توغل بعيداً وعميقاً في التاريخ الكردي الاجتماعي والسياسي بطلاً ويدفعه بعد اعتقال إسماعيل وكثير من رفاقه في الحزب إلى السفر إلى شمال كردستان والالتحاق بالمقاتلين في الجبال، أياماً وأياماً مع الثلج في سفوح وقمم جبال كردستان ومع لقمان الذي مات والرفيقة بيريفان التي انسلَّ الحذاء من رجلها في الثلج دون أن تشعر به، طه خليل يصدم القارئ بحقائق ومعلومات بلسانه كراوٍ أو بلسان شخصيات الرواية التي تصير عائلة يارو؛ والده ووالدته وأخوته وأخواته خاصة سلمى التي عنَّست ولم تتزوَّج وقود الرواية، والتاريخ الاجتماعي والسياسي لكُرد سوريا وتركيا، فيحكي على لسانهم بعد أن يتحوَّل من شاهد إلى بطل، يحكي ولا يرتوي من الظمأ إلى الحرية لقول ما لم يُقَلْ، وهو يُشرِّح الواقع الكردي، فنعيش معه انفجارات روحه، روح شخصياته وقد كسرت قيد الإذعان الإنساني لمدَّعي ملكيتها الحصرية أصحاب السلطة.

الحاج “توفو” والد يارو يفتقده وقد التحق بالمقاتلين في شمال كردستان، فيحمل صورته ويسأل كل من يصادفه إن كان شاهد أو يعرف صاحب الصورة فيدلُّه إمام المسجد عن مكانه، إذْ ذهب إلى الجبال للصيد ولن يعود سريعاً. فينقلنا طه خليل من الواقعي إلى السحري، إلى الشبح والإمام، الشيخ الذي سيرافق يارو في معاركه. ليس مصادفة، وليس مفاجأةً حين يتداخل الواقعي بالخيالي أن يكون الشبحُ الشيخُ الإمامُ، وبكلِّ برودة وأناقة وعنف من الروائي طه خليل هو صلاح الدين الأيوبي.

ذاتٌ وموضوع، مثالي ومادي، وواقع يحتاج إلى صلاح الدين إنْ في الحالة الكردية أو العربية، فالقهر السياسي والاقتصادي للناس بحاجة إلى بطل، إلى أبطال يعلمون البشر كيف يسيطرون على الأحداث ويقاومون أرباب محاكم التفتيش. «لسع الثلج» للروائي طه خليل في جزئها الأوَّل هذا «كمائن الولادة»؛ إنَّما للتعبير عن تداخل الخرائط، ولمسارات الحرب والسياسة. فاستدعاء الماضي أو استعادته في الحاضر إنَّما هو إنتاج المستقبل، فالبطل ما يزال يشغل ويسيطر- تسيطر فكرة العدالة التي يحملها في قلبه على الناس، لذا سيبقى حاضراً وحيَّاً، وربَّما خالداً.

عماد الدين موسى؛ شاعر كُردي سوري، مدير تحرير مجلة «قناص».

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى